لا دولة في غياب المجتمع السياسي، بل سلطة فقط
2026.01.26
مروان حبش
المجتمع السياسي بوصفه حجر الأساس لبناء دولة المواطنة الديمقراطية
بعد انتفاضة شعبية امتدت لأكثر من عقد من الزمن ضد نظام استبدادي–أمني، قائم على القمع المنهجي والفساد المنظم وإلغاء السياسة من المجال العام، تقف سوريا بعد عام من السقوط، أمام استحقاق تاريخي بالغ الخطورة والأهمية. فالتحدي لم يعد يقتصر على إسقاط الاستبداد، بل يتمثل أساساً في بناء دولة جديدة: دولة المواطنة، والقانون، والمؤسسات، والديمقراطية، التي تكفل الحقوق المتساوية لجميع أبنائها دون تمييز.
لقد أدت عقود طويلة من الحكم الاستبدادي إلى تفكيك المجتمع، وتدمير المجال السياسي، وتجريف الحياة العامة من أي مضمون تشاركي. ومع اندلاع انتفاضة الشعب، ظهرت الحاجة الملحّة لإعادة الاعتبار للسياسة بوصفها فعلاً جماعياً منظماً، لا مجرد رد فعل عفوي على القمع. من هنا تبرز الأهمية الحاسمة لتشييد مجتمع سياسي حي وفاعل، يشكل القاعدة الصلبة لأي نظام ديمقراطي قابل للحياة والاستمرار.
إن الدولة المنشودة في سوريا، لا يمكن أن تقوم على الولاءات الأولية أو العصبيات الضيقة، بل على رابطة المواطنة المتساوية، وعلى نظام ديمقراطي يضمن فصل السلطات، ويؤكد سيادة القانون، ويكفل التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات شعبية دورية، نزيهة، شفافة، وخاضعة لرقابة محلية ودولية مستقلة. غير أن هذه المبادئ، مهما بلغت أهميتها، تبقى شكلية وفارغة ما لم تستند إلى بنية اجتماعية–سياسية قادرة على حملها والدفاع عنها وتجديدها.
المجتمع السياسي: المفهوم والدور
المجتمع السياسي هو المجال المنظم الذي تتحرك فيه القوى السياسية والاجتماعية بصورة علنية وقانونية، ويضم الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني ذات الطابع العام، والنقابات المهنية والعمالية، والروابط والهيئات التي تسعى إلى التأثير في القرار العام وصياغة السياسات العامة. وهو يختلف عن المجتمع الأهلي أو التقليدي في كونه يقوم على برامج سياسية، ومصالح عامة، ورؤى وطنية، لا على روابط الدم أو الدين أو الطائفة أو الإثنية.
يمثل المجتمع السياسي الركن الرئيس للنظام الديمقراطي، إذ يشكل الوسيط الحيوي بين الدولة والمجتمع، ويتيح للمواطنين تنظيم أنفسهم، والتعبير عن مصالحهم، والمشاركة في الشأن العام بطرق سلمية ومؤسسية. كما يوفر هذا المجتمع آليات الرقابة والمساءلة، ويحول دون احتكار السلطة أو إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.
في الحالة السورية، تكتسب مهمة بناء مجتمع سياسي عابر للأديان والمذاهب والإثنيات أهمية مضاعفة، نظراً لما خلفه النظام الاستبدادي من انقسامات عميقة، وما فُرض على المجتمع من تسييس للهويات الجزئية واستخدامها أدوات للسيطرة والتفتيت. لذلك، فإن المجتمع السياسي الديمقراطي المنشود يجب أن يقوم على أساس المواطنة الجامعة، والمساواة الكاملة، واحترام التعدد، دون أن يسمح بتحويل هذا التعدد إلى مشروع صراع أو إقصاء.
الديمقراطية بوصفها نظاماً متكاملاً لا إجراءً شكلياً
إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والممارسات. وفي قلب هذه المنظومة يقف المجتمع السياسي المنظم، القادر على إنتاج نخب سياسية جديدة، وتجديد الحياة العامة، ومنع ترهل المؤسسات، وضمان تداول السلطة بشكل سلمي ودوري.
فمن دون أحزاب حقيقية ذات برامج وطنية، ومنظمات مجتمع مدني مستقلة، ونقابات مهنية فاعلة، ستبقى الدولة عرضة للضعف والانقسام، وسيبقى النظام السياسي مهدداً بالارتداد نحو السُلطوية، مهما كانت النصوص الدستورية متقدمة. أما حين يتجذر المجتمع السياسي في الحياة العامة، فإنه يمنح الدولة قوة بنيانية حقيقية، نابعة من ولاء المواطنين لها، لا من الخوف أو القسر.
دولة المواطنة لا تُمنح، بل تُبنى
إن بناء سوريا الجديدة يمر حتماً عبر إعادة تأسيس السياسة على أسس ديمقراطية، وإحياء المجتمع السياسي بوصفه الفضاء الذي تتشكل فيه الإرادة العامة، وتُدار فيه الخلافات بشكل سلمي، وتُصان فيه وحدة المجتمع ضمن إطار التعدد. دولة المواطنة الديمقراطية لا تُمنح، بل تُبنى، ولا تُبنى إلا بمجتمع سياسي قوي، مستقل، وعابر للهويات الضيقة، قادر على حماية الديمقراطية وتجديدها، ومنع مؤسسات الدولة من الترهل أو الوقوع مجددًا في قبضة الاستبداد.
لا دولة في غياب المجتمع السياسي، بل سلطة فقط
لا دولة بلا مجتمع سياسي
بعد انتفاضة شعبية امتدت لأكثر من عقد من الزمن، وبعد أكثر من عام على سقوط النظام الاستبدادي–الأمني، لم يعد السؤال الأساسي هو: لماذا انتفض السوريون؟ بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء سوريا الجديدة؟ سوريا الدولة، لا مجرد الجغرافيا. سوريا المواطنة، لا الخوف. وسوريا السياسة، لا حكم الأجهزة.
لقد دمّر النظام السابق المجال العام بصورة ممنهجة، وحوّل الدولة إلى سلطة للقمع، والمجتمع إلى كتل خائفة أو متصارعة. ومع أن الانتفاضة كسرت جدار الصمت، إلا أن غياب البنية السياسية المنظمة جعل كلفة المواجهة باهظة، وفتح الباب أمام الفوضى والتشظي. واليوم، إذا كان للسوريين أن يتجنبوا إعادة إنتاج الاستبداد، فإن الطريق يمر حتماً عبر بناء مجتمع سياسي حقيقي وفاعل.
الدولة التي يطمح إليها السوريون لا يمكن أن تكون دولة فصائل أوطائفة أو جهاز أمني، بل دولة مواطنة متساوية، تقوم على نظام ديمقراطي يؤكد فصل السلطات، وسيادة القانون، وتداول السلطة عبر انتخابات شعبية، دورية، نزيهة، شفافة، وخاضعة لرقابة محلية ودولية مستقلة. غير أن هذه المبادئ، مهما بدت بديهية، تبقى شعارات فارغة إن لم تجد من يحملها ويدافع عنها في الواقع.
المجتمع السياسي: الشرط الغائب للديمقراطية
المجتمع السياسي هو المجال الذي تنتظم فيه الحياة السياسية الحديثة، ويضم الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني ذات الطابع العام، والنقابات المهنية والعمالية، وكل الأطر المنظمة التي تسعى للتأثير في القرار العام وصياغة السياسات. وهو يختلف عن المجتمع الأهلي التقليدي في أنه يقوم على البرامج والرؤى والمصالح العامة، لا على الانتماءات الدينية أو الطائفية أو الإثنية.
في الأنظمة الديمقراطية، يشكل المجتمع السياسي العمود الفقري للنظام السياسي كله. فهو الذي يتيح للمواطنين المشاركة في الشأن العام، وينتج النخب السياسية، ويمارس الرقابة على السلطة، ويحول دون احتكارها أو تحويل الدولة إلى ملكية خاصة. ومن دونه، تتحول الديمقراطية إلى إجراء شكلي، أو واجهة سرعان ما تنهار.
في الحالة السورية، تتضاعف أهمية المجتمع السياسي بسبب التركة الثقيلة التي خلفها الاستبداد، والذي لم يكتف بقمع السياسة المعارضة، بل عمل على تفتيت المجتمع نفسه، عبر تسييس الهويات الجزئية وتحويلها إلى أدوات صراع. لذلك، فإن المجتمع السياسي المنشود يجب أن يكون عابراً للأديان والمذاهب والإثنيات، وقائماً على مبدأ المواطنة المتساوية، دون إقصاء أو تمييز.
دولة قوية بولاء مواطنيها
الدولة القوية لا تُبنى بالأجهزة الأمنية ولا بالقبضة الحديدية، بل بولاء مواطنيها لها. وهذا الولاء لا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن أنه شريك في القرار، وأن صوته مؤثر، وحقوقه مصانة. هنا تحديداً يظهر دور المجتمع السياسي في ربط الدولة بالمجتمع، وفي تحويل الخلافات السياسية من صراعات مدمرة إلى تنافس سلمي منظم.
الديمقراطية بوصفها نظاماً متكاملاً لا إجراءً شكلياً
إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والممارسات. وفي قلب هذه المنظومة يقف المجتمع السياسي المنظم، القادر على إنتاج نخب سياسية جديدة، وتجديد الحياة العامة، ومنع ترهل المؤسسات، وضمان تداول السلطة بشكل سلمي ودوري.
كما أن النظام الديمقراطي، المدعوم بمجتمع سياسي نشط، يمتلك قدرة ذاتية على التجديد، وعلى منع مؤسسات الدولة من الترهل والفساد. فإن التداول الدوري للسلطة، ووجود معارضة حقيقية، ونقابات مستقلة، ومنظمات مدنية فاعلة، كلها عناصر تضمن حيوية الدولة واستمرارها، لا ضعفها.
والديمقراطية لا تولد من الفراغ، بل من مجتمع سياسي واعٍ وقادر على حمايتها. وهذه هي المعركة الحقيقية التي لا تزال أمام السوريين.
دولة المواطنة لا تُمنح، بل تُبنى
إن بناء سوريا الجديدة يمر حتماً عبر إعادة تأسيس السياسة على أسس ديمقراطية، وإحياء المجتمع السياسي بوصفه الفضاء الذي تتشكل فيه الإرادة العامة، وتُدار فيه الخلافات بشكل سلمي، وتُصان فيه وحدة المجتمع ضمن إطار التعدد. دولة المواطنة الديمقراطية لا تُمنح، بل تُبنى، ولا تُبنى إلا بمجتمع سياسي قوي، مستقل، وعابر للهويات الضيقة، قادر على حماية الديمقراطية وتجديدها، ومنع مؤسسات الدولة من الترهل أو الوقوع مجددًا في قبضة الاستبداد.
إن سوريا، ما بعد سقوط النظام، ليست بحاجة إلى شعارات كبرى بقدر ما تحتاج إلى عمل سياسي منظم وطويل النفس. وإن بناء مجتمع سياسي ديمقراطي ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً وجودياً لبناء دولة المواطنة والقانون. ومن دون أحزاب حقيقية، ومنظمات مدنية مستقلة، ونقابات مهنية فاعلة، ستبقى البلاد مهددة بالدوران في الحلقة نفسها: استبداد يتجدد بأسماء مختلفة.