السيناريوات المحتملة للحرب الأميركية ـ الصهيونية على إيران!

د. محمد سيد أحمد

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر اللحظات توتراً في تاريخها المعاصر، مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى. هذه الحرب التي بدأت بضربة مباغتة استهدفت رأس القيادة الإيرانية عبر اغتيال المرشد الأعلى وعدد من قيادات الصف الأول، كانت تعكس تصوّراً استراتيجياً لدى صنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب يقوم على فرضية أنّ “الصدمة القيادية” يمكن أن تؤدي إلى انهيار سريع للنظام السياسي في طهران، تماماً كما حدث في مراحل تاريخية سابقة عندما تمّ تفكيك نظم سياسية عبر ضرب مركزها القيادي.
غير أنّ مجريات الأسبوع الأول من الحرب كشفت عن خطأ استراتيجي فادح في هذا التقدير. فبدلاً من أن يؤدي اغتيال القيادة إلى فراغ سياسي وعسكري يفتح الباب أمام انهيار النظام، تمكنت إيران خلال وقت قياسي من احتواء الضربة الأولى، وإعادة تنظيم منظومة القيادة والسيطرة، بل والانتقال سريعاً إلى موقع المبادرة. هذه القدرة على استيعاب الصدمة تعكس طبيعة بنية الدولة الإيرانية، التي تقوم على مؤسّسات متعددة ومتشابكة، وليس على قيادة فردية فقط، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود في ظروف الأزمات الكبرى.
من منظور علم الاجتماع السياسي، فإنّ الأنظمة التي تتعرّض لتهديد خارجي مباشر غالباً ما تشهد حالة من “التماسك القومي الدفاعي”، حيث تتراجع الانقسامات الداخلية لصالح حالة تعبئة وطنية شاملة. وهذا ما حدث في الحالة الإيرانية، إذ تحوّلت الضربة الأولى إلى عامل تعبئة سياسية وشعبية، أعادت توحيد قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني حول فكرة الدفاع عن السيادة الوطنية والردّ على العدوان.
وفي غضون أقلّ من ساعتين على الضربة الأولى، بدأت إيران في تنفيذ ردّ عسكري واسع النطاق، استهدف القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، من الخليج العربي إلى العراق والأردن. كما تعرّض الكيان الصهيونيّ لرشقات صاروخية غير مسبوقة، تجاوزت في كثافتها ونطاقها كلّ المواجهات السابقة. هذه الضربات لم تكن مجرد ردّ فعل عسكري، بل كانت رسالة استراتيجية مفادها أنّ ميزان الردع في المنطقة لم يعُد كما كان في العقود الماضية.
لقد نجحت إيران في تثبيت معادلة جديدة تقوم على مبدأ “توسيع نطاق المواجهة”، بما يعني أنّ أيّ هجوم عليها لن يبقى محصوراً في جغرافيتها الوطنية، بل سيمتدّ ليشمل كامل البنية العسكرية الأميركية والصهيونية في الإقليم. وهذا التحوّل يمثل نقطة مفصلية في توازنات الشرق الأوسط، لأنه يعني أنّ تكلفة الحرب أصبحت مرتفعة للغاية بالنسبة لجميع الأطراف.
في الداخل الأميركي والغربي، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح على مستوى الرأي العام. فقد تصاعدت الانتقادات الموجّهة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي اتهمت بالتسرّع والتهوّر في اتخاذ قرار الحرب دون تفويض دولي واضح أو توافق داخلي كافٍ. ووصفت العديد من الأوساط السياسية والإعلامية الغربية هذه الحرب بأنها “غير مشروعة”، معتبرة أنها قد تدفع المنطقة والعالم نحو مواجهة مفتوحة يصعب السيطرة عليها.
هذا الضغط الداخلي، إلى جانب الخسائر العسكرية المتزايدة، يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة استراتيجية معقدة. فمن جهة، يصعب التراجع السريع دون تحقيق مكاسب سياسية واضحة، لأنّ ذلك قد يفسّر على أنه هزيمة. ومن جهة أخرى، فإنّ استمرار الحرب يحمل مخاطر التصعيد الإقليمي الواسع، خاصة إذا دخلت أطراف أخرى على خط المواجهة.
أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فإنّ الوضع يبدو أكثر تعقيداً. فالكيان الذي اعتاد خوض حروب قصيرة وسريعة يجد نفسه أمام نمط جديد من الصراع يعتمد على حرب الاستنزاف الصاروخي، حيث تتعرّض جبهته الداخليّة لضغط غير مسبوق.
وهذا التحوّل يطرح تساؤلات جدّية داخل الكيان الصهيوني حول حدود القوة العسكرية وقدرتها على توفير الأمن المطلق الذي وعدت به الحكومات المتعاقبة.
في ظلّ هذه المعطيات، بدأت تظهر مؤشرات على محاولة واشنطن وتل أبيب البحث عن وساطة دولية أو إقليمية يمكن أن تفتح باب العودة إلى طاولة المفاوضات. وغالباً ما يتمّ في مثل هذه الحالات اللجوء إلى أطراف وسيطة تمتلك علاقات مع جميع اللاعبين، مثل بعض الدول الإقليمية أو القوى الدولية الكبرى.
غير أنّ الموقف الإيراني يبدو حتى الآن متشدّداً، إذ تؤكد طهران أنها لن تقبل بوقف التصعيد أو العودة إلى المفاوضات قبل أن تردّ بشكل كامل على العدوان الذي تعرّضت له، وقبل أن تثبت أنّ اغتيال قيادتها لن يمرّ دون ثمن. هذا الموقف يرتبط بعاملين أساسيين: الأول هو الاعتبارات الداخلية المرتبطة بالحفاظ على هيبة الدولة، والثاني هو الرغبة في تثبيت قواعد ردع جديدة تمنع تكرار مثل هذه الهجمات في المستقبل.
انطلاقاً من ذلك، يمكن تصوّر عدة سيناريوات محتملة لمسار الحرب. السيناريو الأول يتمثل في استمرار التصعيد العسكري لفترة أطول، بما يشمل ضربات متبادلة على نطاق واسع في المنطقة، وهو سيناريو يحمل مخاطر انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في حرب محدودة زمنياً تنتهي بعد أن يحقق كل طرف قدراً من “الإنجاز الرمزي” الذي يسمح له بإعلان النصر أمام جمهوره الداخلي. وفي هذا الإطار قد تسعى إيران إلى تنفيذ ضربات إضافية تعزز صورة الردع، قبل أن تقبل بوقف التصعيد.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً من منظور التحليل الواقعي، فيتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات بعد مرحلة من التصعيد المحسوب. ففي نهاية المطاف، تدرك جميع الأطراف أنّ الحرب الشاملة في الشرق الأوسط لن تنتج رابحين حقيقيين، بل ستؤدي إلى إعادة تشكيل المنطقة بطريقة غير قابلة للتنبّؤ.
وبالتالي قد نشهد في نهاية المطاف مساراً تفاوضياً جديداً يهدف إلى إعادة ضبط توازنات الإقليم، ولكن هذه المرّة في ظلّ معادلة ردع مختلفة، نجحت إيران في ترسيخها عبر قدرتها على الصمود والرد السريع.

إنّ ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هو لحظة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي بأكمله. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تتحدّد ملامح المستقبل ليس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدول على الصمود الاستراتيجي وإدارة الصراع بوعي سياسي عميق. ومن هذا المنظور، يبدو أنّ الأسبوع الأول من الحرب قد كشف عن حقيقة أساسيّة مفادها أنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها معادلات الهيمنة القديمة قادرة على فرض نفسها دون تحدٍ، اللهم بلغت اللهم فاشهد…