حرب المائة عام.. الصراع المؤجل وحافة الهاوية الإقليمية
ماهر سليمان العيسى
حين استخدم الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود تعبير «إنها حرب المائة عام» في حديثه لمن كان يدفع باتجاه اندلاع صراع واسع بين العرب وإيران، لم يكن ذلك دعوة للمواجهة ولا توصيفًا لحرب وشيكة، بل كان تحذيرًا صريحًا من الانزلاق إلى ما قد يصبح مرحلة طويلة ومعقدة من الصراع الإقليمي. لقد رأى الملك عبد الله أن مواجهة مباشرة بين العرب وإيران، سواء أخذت شكل صراع عربي–فارسي أو توتر سني–شيعي خارج السيطرة، لن تكون حربًا تقليدية قصيرة ذات بداية ونهاية محددة، بل قد تتحول إلى صراع تاريخي طويل يفتح أبواب المنطقة على قرن كامل من الاضطراب وعدم الاستقرار. ومن هنا جاء التعبير بوصفه استعارة سياسية تحذر من خطورة دفع الشرق الأوسط إلى مواجهة كبرى يصعب إيقافها إذا اندلعت، لا كنبوءة حول معركة محددة، بل كتنبيه للتفكير الاستراتيجي في المستقبل البعيد للمنطقة.
الحروب التي توصف بأنها تمتد قرنًا كاملًا لا تكون عادة حربًا واحدة متصلة بالمعنى العسكري المباشر، بل سلسلة طويلة من الأزمات والتحولات والصدامات التي تتراكم ببطء، حتى تتحول إلى ما يشبه "العصر التاريخي للصراع" وهكذا كان تحذير الملك عبد الله دعوة لتجنب المسار الذي قد يقود المنطقة إلى صراعات طويلة ومعقدة تعيد تشكيل موازين القوى والهويات السياسية عبر أجيال متعاقبة، بما يجعل كل لحظة في السياسة الإقليمية مرتبطة بسلسلة تاريخية مستمرة من الأحداث والقرارات.
لم يظهر هذا التحذير في فراغ تاريخي. فمنذ انتصار الثورة الإيرانية وصعود النظام الذي قاده روح الله الخميني، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي. لم تكن الثورة الإيرانية مجرد تغيير للنظام السياسي داخل دولة إقليمية مهمة، بل كانت إعلانًا عن مشروع سياسي وأيديولوجي يسعى لإعادة تعريف دور إيران في العالم الإسلامي وفي الشرق الأوسط تحديدًا. وقد حمل هذا المشروع منذ بداياته فكرة أن إيران ليست مجرد دولة قومية ذات مصالح تقليدية، بل هي "الدولة ذات المشروع الإلهي" التي تحمل رسالة سياسية تتجاوز حدودها الجغرافية، وأعلنت اسمها (الجمهورية الإسلامية، في إيران) أي أنها الآن تبدأ من إيران، ومن هنا نشأت فكرة «تصدير الثورة»، ولم يكن أكثر طرافة من أنها حين احتلت قطعة أرض صغيرة هي "مثلث الفاو" العراقي إبان حربها مع العراق، أعلنته نواة (للجمهورية الإسلامية في العراق) التي تتبع مرشدها طبعاً، هذه الممارسات والمفاهيم التي أصبحت أحد العناصر المركزية في الرؤية الإيرانية لدورها الإقليمي.
هذا التحول ترك أثرًا عميقًا على العلاقات الإيرانية–العربية. فقبل عام 1979، ورغم وجود تنافس سياسي بين إيران وبعض الدول العربية، لم يكن الصراع يأخذ طابعًا أيديولوجيًا أو مذهبيًا واضحًا، وكانت العلاقات تتوازن بين التنافس السياسي والمصالح الإقليمية التقليدية. أما بعد الثورة، فقد بدأت العلاقات الإقليمية تتحول تدريجيًا إلى ساحة للتنافس على الشرعية السياسية والقيادة الرمزية في العالم الإسلامي، وأخذت إيران تبحث عن أدوات جديدة لتوسيع نفوذها خارج حدودها، ليس عبر الحرب المباشرة فحسب، بل عبر بناء شبكات من العلاقات والتحالفات مع قوى سياسية ومسلحة موازية للدولة في عدد من الدول العربية.
على مدى العقود التالية، تشكل تدريجيًا نمط مختلف من السياسة الإقليمية الإيرانية، يعتمد على النفوذ غير المباشر والحروب غير المتكافئة. صحيح أن إيران خاضت في بداية مرحلة ما بعد الثورة حربًا تقليدية واسعة مع العراق، وهي حرب استنزاف طويلة دعمت فيها عدة دول عربية العراق سياسيًا وماليًا وعسكريًا، وانتهت دون أن تحقق طهران أهدافها الاستراتيجية. وقد شكلت تلك التجربة لحظة مفصلية في التفكير الاستراتيجي الإيراني، إذ كشفت حدود القدرة على تحقيق النفوذ الإقليمي عبر المواجهة المباشرة، وجعلت طهران تتجه تدريجيًا إلى أساليب أكثر تعقيدًا لإدارة الصراع.
منذ ذلك الوقت، تميل السياسة الإيرانية إلى إدارة الصراع عبر شبكات نفوذ غير مباشرة. فقد طورت علاقات وثيقة مع جماعات سياسية ومسلحة في عدد من الدول العربية، ووفرت لها الدعم المالي والعسكري والإعلامي، الأمر الذي سمح لها بامتلاك حضور مؤثر في عدة بؤر صراع في المنطقة. وبهذه الطريقة، تحولت أجزاء واسعة من الجغرافيا العربية إلى ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، بينما أصبح الصراع نفسه أقل وضوحًا من حيث الشكل، وأكثر تعقيدًا من حيث البنية.
ومع مرور الوقت، بدا وكأن المنطقة تتحرك بسرعة أكثر نحو الحالة التي حذر منها الملك عبد الله. فقد أدت الصراعات في العراق ولبنان وسورية واليمن، بالإضافة إلى التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر، إلى إضعاف الدولة الوطنية وخلق شروخ وانقسامات كبرى في المجتمعات المحلية، وقد خلق هذا المناخ حالة من الصراع الطويل منخفض الحدة، حيث تتداخل الأزمات السياسية بالحروب بالوكالة والتحولات الطائفية والجيوسياسية.
لقد زاد الغزو الأمريكي للعراق من تعقيد المشهد الإقليمي بشكل جذري. إسقاط الدولة العراقية لم يُنهِ الصراع فحسب، بل أوجد فراغًا جيوسياسيًا كبيرًا سمح لإيران بتوسيع نفوذها بشكل غير مسبوق داخل العراق، فتداخلت مصالحها مع الهياكل المحلية والسياسية والأمنية، وأصبح نفوذها يُمارس عبر فصائل متعددة، بعضها سياسي وبعضها عسكري، لتتشابك بذلك ديناميات الصراع المحلي مع الحسابات الإقليمية، ويصبح العالم العربي، بدرجات متفاوتة، ساحة عمليات استراتيجية لإيران.
وعبث إيران الاستراتيجي في المنطقة لم يقتصر على العراق، بل شمل سورية، ولبنان، واليمن أيضًا، حيث أدت تدخلاتها إلى دمار هائل في البنية التحتية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وخلق شروخ وانقسامات وطنية كبيرة داخل هذه المجتمعات، حتى أصبح قسم كبير من شعوبها ينظر إليها بوصفها “عدوًا لدودًا” نتيجة هذه التدخلات المستمرة. وفي الوقت نفسه، تكشف السلوكيات الإيرانية الحديثة عن مفارقة لافتة. فعلى الرغم من هذه التدخلات والدمار الذي أحدثته، تصرح إيران رسميًا بأنها لا تستهدف جيرانها العرب. ومع ذلك، وخلال الأيام العشرة الأولى من خربها مع أمريكا وإسرائيل، أُطلقت صواريخ وطائرات مسيرة مستهدفة أهداف ومدن عربية، لا سيما في منطقة الخليج، بأعداد تفوق بكثير ما وُجّه نحو إسرائيل نفسها. والمثير للسخرية أن يبدو الخطاب الإيراني وكأنه يطلب من العرب قبول هذه الاستهدافات والأضرار بوصفها كلفة جانبية لحرب لا يُفترض أن يكونوا طرفًا فيها، وكأن «الأخوة» تقتضي منهم تحمّل تبعات العمليات العسكرية التي تستهدف خصوم إيران، حتى عندما تقع آثارها مباشرة على المجال العربي.
تتضح صورة تعقيد المشهد الإقليمي أكثر عند النظر إلى الحرب الراهنة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران ولبنان، وكأنهما تكملان المهمة في إطار المشهد المتشابك للصراع الإقليمي. فالاستراتيجية الإسرائيلية اليوم لا تقتصر على استهداف القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، بل تشمل محاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتثبيت النفوذ في المواقع الاستراتيجية الحيوية. وقد مكّن الدعم السياسي والعسكري الاستثنائي الذي وفرته الإدارة الأمريكية منذ ولاية ترامب الأولى إسرائيل من ممارسة نفوذ غير مسبوق، بحيث تتقاطع الضربات الجوية والاستخباراتية والتسليحية الإسرائيلية مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى إضعاف إيران وتقليص قدرتها على التحكم في ساحات النفوذ المحورية مثل لبنان والعراق واليمن، بما في ذلك شبكات الميليشيات المدعومة من طهران.
في هذا المشهد، يظهر بوضوح أن العرب، رغم عدم كونهم طرفًا مباشرًا في الحرب، يُجبرون على التعامل مع آثار هذه المواجهات على مصالحهم وأراضيهم، سواء بسبب العمليات الإيرانية أو الإسرائيلية–الأمريكية، مما يجعلهم في موضع خطر دائم ويزيد من هشاشة مواقعهم الاستراتيجية.
ومع تراكم هذه التحولات، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك على حافة ما يمكن وصفه بـ الهاوية الإقليمية. فالصراعات القائمة لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تتجه نحو تسوية مستقرة، وبدلًا من ذلك تستمر الأزمات في التراكم والتفاعل، ما يجعل احتمالات الانفجار الإقليمي قائمة دائمًا.
وهكذا، يمكن فهم تعبير «حرب المائة عام» بوصفه استعارة سياسية لتصوير مرحلة طويلة من التحولات والصراعات متعددة المستويات، وليس مجرد حرب واحدة ممتدة. فكل أزمة جديدة تولد سلسلة من الأزمات اللاحقة، وكل حرب تخلق ظروفًا ومبررات لحروب أخرى، ويصعب كسر هذه الحلقة التاريخية الطويلة دون تغييرات جذرية في المفاهيم، أو موازين القوى أو طبيعة النظام الإقليمي نفسه.
في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط لا يعيش حربًا واحدة طويلة، بل مرحلة تاريخية كاملة من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، حيث تختلط الحروب بالثورات، والتدخلات الخارجية بالصراعات الداخلية، وتصبح الحدود بين المحلي والإقليمي والدولي أقل وضوحًا من أي وقت مضى. ومع استمرار هذه الديناميات لعقود أخرى، يصبح تعبير «حرب المائة عام» وصفًا دقيقًا لحقبة كاملة من تاريخ المنطقة الحديث، تحكمها التوازنات الاستراتيجية المعقدة والتنافس على الزعامة والنفوذ، فيما العرب يظلّون في موضع هشاشة دائمة بين طموحات إيران وإسرائيل، وبين مصالح القوى الدولية الكبرى.