الدعم النقدي: خطوة جيدة للحكومة ولكن.. قصة عن الواقع المصرفي

أحمد حسن- فينكس

ليس فيما سيأتي طعناً بموضوع الدعم النقدي أو ما يسمى بإعادة هيكلة سياسة الدعم الحكومي، لكنه مجرد تساؤل عن الجاهزية الفعلية لهذا الأمر في ظل ربط الحكومة موضوع الدعم النقدي بقيام المواطنين المعنيين بفتح حساب مصرفي لهم في المصارف العاملة المعروفة، وهنا تحديداً مربط الفرس.
وإذا كان السؤال الأول الذي يتبادر لأذهان الجميع هو عن الجاهزية اللوجستية للمصارف العاملة على القيام بهذا الأمر، ليس من ناحية فتح الحساب فهذا موضوع بسيط بل من ناحية ما بعد ذلك، فمثلاً، هل سيستطيع العدد المعروف والقليل لـ"الصرافات" الموجودة الآن استيعاب هذا التوسع المليوني في ظل مصاعب عدّة تعرفها الحكومة جيداً مثل انقطاع الكهرباء المتكرر والأعطال المستمرة في أغلب هذه "الصرافات"، هذا إذا تجاوزنا وجودها في أماكن مكشوفة لا تحمي من شمس الصيف أو مطر الشتاء، وإذا تجاوزنا خصوصاً منظر الطوابير المتجمعة أمامها واضطرار المواطن لإجراء عمليات سحب عدة لاستيفاء "راتبه" مثلاً والوقت المهدور اللازم لذلك.
وإذا كان هذا هو السؤال الأول، فإن هناك سؤالاً آخر تفرضه "قصص" عدّة تتعلق بالفهم الحقيقي للمصرف ودوره، وربما كي ننتقل من التنظير إلى الواقع يجب إيراد هذه القصة الواقعية التي حدثت في أحد أكبر المصارف العامة في البلاد، ففي يوم 28-3-2024 انقطعت الكهرباء عن "الصراف" التابع لهذا المصرف حين كان يقوم بعملية "عدّ" المبلغ المطلوب تمهيداً لإخراجه، فاحتفظ الصراف بالمال وبالبطاقة ولم يخرجهما، وبعد نصف ساعة تماماً كان صاحب "القصة" في فرع المصرف المعني وبضغطة زر بسيطة على الكومبيوتر اكتشفت الموظفة صحة الشكوى ثم طلبت من صاحبها أن يعود غداً وحين عاد كانت هناك موظفة أخرى تحققت أيضاً من صدق دعواه ثم طلبت منه تقديم اعتراض، ففعل ذلك في اللحظة ذاتها كما استطاع بعد متابعة هاتفية للموظف المسؤول عن الصراف – قام بها مدير فرع المصرف مشكوراً- أن يسترجع بطاقته.. ولكن وبعد ثلاثة أشهر من تاريخ الواقعة لم يكن هذا "الموظف" قد استعاد ماله -وهو نصف راتبه الشهري بالتمام والكمال الذي لا يحتاج لكلام عن قدرته الشرائية المعروفة- رغم مراجعاته المتكررة إلى فرع المصرف المذكور بدعوى الإجراءات الورقية التي تنتقل من موظف إلى آخر وصولاً إلى الإدارة العامة في دمشق ثم انتظار عملية "الجرد" على موجودات "الصراف" المذكور.. وهنا يطرح السؤال التالي: كيف يثبت "الحق" بعد ضغطة زر واحدة ثم لا يحصل عليه صاحبه بعد ثلاثة أشهر كاملة؟! كيف لمصرف أن يفعل ذلك في القرن الحادي والعشرين؟!
كلمة أخيرة
بعيداً عن البيان "المنمق" بكلماته وعباراته الجميلة الذي أصدره مجلس الوزراء بخصوص هذه القضية، يجب العمل قبل ذلك على استكمال البيئة اللوجستية المصرفية لهذا الأمر، والأهم القيام بتغيير جذري للعقلية المصرفية والانتقال بها من عقلية "الدكان" إلى عقلية "المصرف" وبينهما الكثير من البون بكل تأكيد.
عود على بدء، ومرة جديدة، هذا ليس انتقاصاً من خطوة إدارة الدعم و"تحييد أي حلقات وسيطة قد تكون سبباً للهدر أو الفساد"، بل محاولة بسيطة للقول إنه يحتاج إلى أكثر من البيانات اللغوية "المنمقة"، فهو يحتاج، تحديداً، إلى أن يقف "المسؤول" مرة واحدة في طوابير الواقفين، تحت حر الشمس أو أمطار الشتاء أمام الصرافات، ثم ليفعل بنا ما يريد.