بين استعراض التحالفات وواقعية الحروب: قراءة نقدية في أفق "الاتفاق الثلاثي" والنموذج الأوروبي

فراس حمدون

المقدمة
يثير الإعلان عن التفاهمات والاتفاقات الأمنية والدفاعية الأخيرة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلاتٍ جوهرية حول مستقبل هذا التحالف ومدى قدرته على الصمود والنجاح.
وبينما يرى فيه البعض مجرد ترتيب أمني مرحلي فرضه ظرف سياسي مُعيّن، يذهب آخرون بعيداً بالتطلع إلى إمكانية تحوله لنواة تكامل اقتصادي وإسلامي واسع على غرار الاتحاد الأوروبي.
وبين هذين الطرحين، تطرح الرؤية العلمية والواقعية للتاريخ السياسي مراجعةً نقدية لمدى فاعلية هذه الأحلاف وقدرتها على تحقيق مثل هذه الطموحات.
أولاً: وهم الدفاع المشترك وواقعية "تحالفات الميدان"
1- هشاشة المعاهدات المسبقة: المعاهدات الأمنية والدفاعية في أوقات السلم غالباً ما تتحول إلى التزامات صورية عند الاختبار الفعلي، حيث تتغلب الحسابات والمصالح الفردية لكل دولة عند مواجهة الخطر المباشر.
2- تحالفات الميدان تتجاوز التضاد (الحرب العالمية الثانية): التحالفات الحقيقية تنشأ تحت وطأة المعارك؛ إذ أدى التهديد النازي إلى تحالف أشد الخصوم أيديولوجياً: الغرب الرأسمالي (أمريكا وبريطانيا و فرنسا) والاتحاد السوفيتي الشيوعي.
3- اختبار الأحلاف التي أبصرت النور في حالات السلم (الحلفين الأكبر تاريخيا" ناتو ووارسو):
حلف الناتو لم يُختبر في حرب شاملة بين قوى عظمى (واقتصر تفعيل مادته الدفاعية على أحداث 11 سبتمبر). أما حلف وارسو، فلم يُستخدم ضد عدوان خارجي قط، بل استُخدم داخلياً لقمع "ربيع براج" (1968)، مما يؤكد الفارق بين الردع النظري والتطبيق الواقعي.
ثانياً: مغالطة التشبيه للنموذج الأوروبي
الاتحاد الأوروبي ثمرة عقود من التدرج: لم يولد الاتحاد بقرار مفاجئ، بل عبر مسار تاريخي مؤسسي:
1. 1951: المجموعة الأوروبية للفحم والصلب (تكامل قطاعي ضيق بين 6 دول فرنسا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ)
.
2. 1957: معاهدات روما والسوق الاقتصادية المشتركة. وقّعت الدول الست نفسها على تأسيس سوق مشتركة وإلغاء الرسوم الجمركية.
3. 1965: معاهدة دمج المؤسسات.تم الدمج عدة معاهدات في هيئة واحدة عُرفت باسم "المجموعات الأوروبية" (EC)
4. 1992: معاهدة ماستريخت وتأسيس الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية (سوق وعملة موحدة، وسياسات أمنية وجمركية مشتركة).
عثرات التجارب العربية والإسلامية: تكتظ المنطقة باتفاقيات اقتصادية وتجارية غير مفعلة ضمن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وحتى النموذج الأقوى اقتصادياً (مجلس التعاون الخليجي) ما زال يتعثر أمام التحول إلى اتحاد كامل.
ثالثاً: المحصلة والنهج العلمي الصحيح
علمياً وواقعياً، إن تطوير تجربة قائمة وموجودة بالفعل — حتى وإن كانت صغيرة — وتحويلها إلى أساس لتكتل أكبر، يُعدّ الخيار الأصح منهجياً من بناء اتفاقيات جديدة على حطام منظمات سابقة كان الأجدى تطويرها وتفعيلها.
الخاتمة (توضيح وتعميق)
في الخلاصة، يوضح التحليل السياسي والتاريخي أن الربط بين الاتفاقيات الأمنية المرحلية وبين حلم التكامل الاقتصادي الشامل يُعدّ قفزاً على الواقع وتجاوزاً للمنهجية العلمية لبناء التكتلات. إن النجاح في العلاقات الدولية لا يُقاس ببريق الإعلانات الدبلوماسية، بل بوجود "إرادة سياسية وتراكم مؤسسي وتكامل اقتصادي بيني".
فالتحالفات الدفاعية الحقيقية تُصنع في الميدان عندما تتقاطع أخطار الوجود بين الدول، بينما التكتلات الاقتصادية الراسخة—كالنموذج الأوروبي—تُبنى لبنة بلبنة عبر عقود من إصلاح المؤسسات وتسهيل حركة التجارة والاستثمار. وبناءً عليه، فإن البداية الصحيحة لأي تكتل عربي أو إسلامي مستقبلي لا تكون عبر توقيع حلف جديد يُضاف إلى قائمة المعاهدات المعطلة، بل عبر العودة إلى المنظمات الهيكلية القائمة (كجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي) وإصلاحها وتفعيلها، لتكون النواة الصلبة التي يمكن للبقية الانضمام إليها بثبات وفاعلية.