813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتب الدكتور بهجت سليمان: لبنان.. بين المُكَلَّلين بالغار... والمُجَلَّلين بالعار

كتب الدكتور بهجت سليمان هذا النصّ في 6/7/2007.

      لبنان هذا البلد الجميل، الرائع، سويسرا الشرق "بالمفهوم الحضاري وليس بالمفهوم الجيوبوليتكي" لبنان هذا البلد المتميز بتعايش الثقافات والأديان والمذاهب في تشكيلة عزّ نظيرها في هذا العالم، وصار نموذجاً ومضرب مثل وقدوةً ومثالاً، وليس في هذا الشرق العربي فقط، بل في العالم العربي، وفي العالم كله.

      هذا اللبنان الصامد، المقاتل، الحضاري، الإنساني، تجري الآن محاولات مستميتة لتهشيمه، لماذا؟ لأنّ واشنطن وإسرائيل قررتا – وباعتراف كونداليزا رايس – بأنّ مخاض الشرق الأوسط الجديد سوف يبدأ من لبنان، بعد أن فشلوا في البدء في العراق.. وشنّتا حرب تموز، وجعلتا لبنان ساحة مفتوحة لتحميلها ثمن صراعات الشرق الأوسط القائم حالياً، من أجل استيلاد شرق أوسط جديد... لكن تداعيات خطتهم تلك بعد فشل حربهم على لبنان، بيّنت أنّ مخاض إجهاض الشرق الأوسط الجديد، بدأ من لبنان دفاعاً ورد فعل على مخاض الشرق الأوسط الجديد الأمريكي الإسرائيلي...

      فمَن الذي جعل لبنان، ساحة؟ المهاجم أم المدافع؟ البادئ أم التالي؟ المعتدي أم المعتدى عليه؟.. لذلك استبسل بعضهم في لبنان في تزوير الوقائع والحقائق، على الرغم من أنّها واضحة كالشمس في رابعة النهار، وكابروا وعاندوا ورفضوا أن يروا ما هو جاثم أمامهم، وأصرّوا على رؤية ما يرغبون برؤيته وما يتمنون أن يكون موجوداً، حتى لو اقتصر وجوده على ما هو قائم في مخيلاتهم فقط... وتجاهلوا أنّ مَن يفتح وكر الدبابير، عليه أن يتحمّل النتائج والتبعات، ومن يقرع الباب... يسمع الجواب..
     وكانت تبريراتهم وتفسيراتهم متهافتة، عند حاولوا جاهدين، تبرئة إسرائيل من جريمة العدوان على لبنان، وتجريم المقاومة اللبنانية لأنّها قامت بالدفاع، ليس عن لبنان فقط، بل عن كرامة العرب وشرفهم، وكرامة المسيحيين الشرقيين وشرفهم، وكرامة المسلمين في هذا العالم وشرفهم أيضاً...
      واستندوا في ذلك إلى تصيّد مقيت، واجتزاء مفضوح، لكلام السيّد "حسن نصر الله" أثناء إجابته عن سؤال افتراضي، بأنه لو كان يعرف أنّ عملية الأسر للجنديين الإسرائيليين، ستؤدي إلى ما أدّت إليه، فهل سيكون سيقوم بها؟ فأجاب (ولا بنسبة واحد بالمئة)..

      وبدلاً من أن يقرأ المتصيدون في الجواب، أنّ السيّد "حسن نصرالله" لم يشنّ حرباً على إسرائيل، ولم يخض معركة سورية إيرانية، كما يقولون، فإنّهم قرؤوا ما كتبوه سابقاً وفهموا الجواب الافتراضي على سؤال افتراضي، بأنّه اعتراف بالخطأ وإقرار بالمغامرة غير المحسوبة، وتجاهلوا كلّ ما قاله "السيّد" في المقابلة نفسها حينما اعتبر أنّ إسرائيل هي التي وقعت في الفخ وليس حزب الله، وذلك من خلال تقريبها لموعد الهجوم الإسرائيلي المقرّر سلفاً، وإنّ الهجوم الإسرائيلي كان سيحصل حتماً في أواخر الصيف، وأنّ إسرائيل لا تحتاج لذريعة لتنفيذ عدوانها، وإنّها قادرة على اختلاق الذرائع عندما تقرر شنّ العدوان... ويتجاهلون قول " السيد" لولا هذه العملية – أي عملية أسر الجنديين – التي أعطتنا الفرصة، لنستعد لردّة فعل إسرائيلية عنيفة، لكانت الخسائر والنتائج أفظع، بعد أن ظهر بأنّ الحرب كانت قيد الإعداد..

       وهذا هو بالضبط، ما أطار "ضبنات عقل" هؤلاء المتصيدين، لأنّه كانوا ينتظرون، على أحرّ من الجمر، تحقيق مفاجأة إسرائيل لـ "حزب الله" واستئصاله وإبادته إذا استطاعوا، لكن ارتقاع عدد قتلى إسرائيل أثناء تنفيذ عملية الأسر، أجبر الإسرائيليين على الإسراع بتنفيذ ما كانوا قد عزموا على تنفيذه بعد شهرين على الأقل، وخاصة بعد أن قام بعض اللبنانيين بحثّ الإدارة الأمريكية على "الانتهاء" من موضوع "حزب الله" ووضع حدّ له، سواء من خلال ضربة إسرائيلية أو ضربة أمريكية، أو أيّ طريقة تؤدي إلى ذلك... ولذلك قام الإسرائيليون بتقريب ساعة الصفر.. وكان ما كان.

      أمّا أنّ نبرئ ذمة إسرائيل ونبحث لها عن أعذار وننسى المخططات المبيّتة والأسباب الحقيقية، ونحمّل العبء للمقاومة استناداً للذرائع الواهية التي جرى التغطّي بها... فإنّ هذا ليس من السياسة بشيء، إن لم نقل، ليس من الوطنية بشيء.

      إنّ محاولات اقتلاع لبنان من تربته العربية، وانتزاعه من تاريخه العربي، وإخراجه من وسطه العربي المستهدف إسرائيلياً، والمعادي لإسرائيل ومخططاتها...      

هي محاولات بائسة محكوم عليها بالفشل، مهما تفنّن هُواة السياسة في الحديث عن حياد لبنان وتشبيهه بسويسرا.. فلبنان لا يستطيع أن يخرج من الجغرافيا العربية، ولا من الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك) العربية، وسيبقى منارة يضرب بها المثل للصمود الأسطوري أمام المعتدي الإسرائيلي. فلبنان (ليس هونغ كونغ) ولا (هانوي)، إنّه لبنان المعرّف بذاته، لا بغيره، إنّه لبنان العربي المقاوم الصامد المنفتح الحضاري، كلّ ذلك في بوتقة واحدة هي لبنان، وعاصمته بيروت.

      إنّ هذا الاستبسال الأمريكي – الشيراكي – الإسرائيلي، المتلبّس لبوس (المجتمع الدولي) لنزع الصفة الوطنية والقومية وإسباغ الصفة المذهبية والطائفية، على كل من يقاوم مشروع الشرق الأوسط الجديد، ويقاوم المشروع الصهيوني وهيمنته الإسرائيلية، لا بُدّ أن يكون واضحاً لكل الشرفاء العرب، المسيحيين منهم والمسلمين..     

ففي لبنان تصرّ أداوت هذا المشروع على أنّ الصراع سنّي – شيعي..
      وخارج لبنان، يصرّ بعض هذه الأدوات على أنّ الصراع فارسي- عربي وشيعي – سنّي، وأنّ المطلوب إقامته "هلال شيعي" مقابل "الشموس السنية"..     

ألا يكفي هؤلاء استقالتهم من أيّ دور ممانع أو مقاوم للاستعمار الإسرائيلي الجديد وداعميه!!..
     ثم يكملون مواقفهم المخزية هذه، بإصرارهم على أنّ مَن يقاوم هذا المشروع هو طائفي ومذهبي، وأنّ مَن ينخرط في هذا المشروع هو وحده " العربي الديموقراطي الحضاري!!! ".

      يبدو أنّ دعاة (العروبة الديموقراطية الحضارية الجدد: تيمّناً بـ "المحافظين الجدد" أصدقائهم وسادتهم في واشنطن) كما يسمّونها، يعتقدون أنّ مقومات عروبتهم الحضارية هذه، هي المطالبة برأس المقاومة اللبنانية، ومعاداة المقاومة الفلسطينية، ومعاداة المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، بل والطلب منه (إكمال معروفه) باحتلال سورية كي تلحق بالعراق، والكف عن معاداة إسرائيل، والتجييش لمعاداة سورية، وتكريم جون بولتون، والالتحاق برايس وستيفن هادلي وديك تشيني، ووضع النفس تحت تصرف " فيلتمان" في لبنان.. هذه هي مستلزمات (العروبة الديمقراطية الحضارية) لدى هؤلاء.

      إنّ إصرار أصحاب مشروع الشرق الأوسط الجديد وملحقاتهم، على استخدام التباينات المذهبية عامةً، وبين السنّة والشيعة خاصة، في منطقتنا، لإدارة أزمات المنطقة, غايته طمس التهديد الأساسي للمنطقة المتمثّل ب"إسرائيل" وداعميها، وخلق تهديد بديل له هو الصراع السنّي – الشيعي وإتباعه بصراع عربي – فارسي، لا يكتفي بإلهاء وإشغال أبناء المنطقة بعضهم ببعض، بل تدمير بعضهم لبعض، بدلاً من شبك أيديهم مع بعض للدفاع عن مصالحهم ومستقبلهم في مواجهة العدو الحقيقي، والسؤال:

      هل يحق لمن يتماهى خطابه السياسي وسلوكه ومواقفه وأداؤه، مع الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، حول المقاومة الفلسطينية واللبنانية وحول سورية أن يتدثّر بالوطنية،  وأن يتحدّث عن السيادة والاستقلال!!!...    

فإلى متى سيستمر هرب بعض اللبنانيين من سبب مصائبهم الحقيقية، واختراع أسباب خلبية.؟!
    ينسون مصدر الخطر الأمريكي  الإسرائيلي على بلادهم.. وينسون النظام السياسي الطائفي الذي يتكامل مع مصدر الخطر الأول، في إصابة لبنان، كل عقدين من الزمن أو أقل، بإعصار سياسي مدمّر..

      ويتجاهلون هذين السببين الأساسيين ليهربوا إلى تحميل سورية مسؤولية خطاياهم، وحديثاً اخترعوا شمّاعة "المحور الإيراني – السوري" لتحميله تلك المسؤولية.    

وحقيقة الأمر أنّه طالما بقي النظام الطائفي هو السائد في لبنان، فسوف تهتز مؤسساته بين آونة وأخرى، وسوف يبقى مفتقداً المرجعية الحصينة القادرة على وضع حد نهائي لأزماته الدورية، إلى أن يتخلص من نظام المحاصصة الطائفية..     

وإلى أن يتحقق ذلك، في زمن قريب أو بعيد، فسوف يبقى النظام التوافقي هو الأساس، والنظام التوافقي التشاركي يعني حكماً (حقّ النقض) كما هو عليه الحال في مجلس الأمن للدول الخمس الدائمة العضوية..     

وحق النقض في لبنان هو للطوائف الثلاث الرئيسية، وهذا الحق يكفله الدستور اللبناني في مقدمته ويكفله العرف في لبنان..

    وإذا قال قائل أنه لا يوجد في العالم مثل هذا النظام، فهذا صحيح..
     والجواب، بأنّه لا يوجد في العالم دولة تتوزع المناصب الرئيسية والأساسية والفرعية ، على أساس طائفي ومذهبي، عرفاً ودستوراً، إلّا لبنان، ولذلك فإن التوافق المتضمن حق النقض، لا يوجد بهذه الصيغة، إلّا في لبنان.     

وستبقى "الديمقراطية التوافقية" هي السائدة في لبنان، طالما بقيت الطائفية هي أساس النظام السياسي.     

وعندما تلغى الطائفية من بنيان النظام، تعود الديمقراطية لتصبح هي ديمقراطية الأكثرية السياسية، ككل ديمقراطيات الدنيا. وكلما جرت محاولات للقفز فوق التوافق، يهتز النظام السياسي اللبناني وتنتقل هزّاته الارتدادية إلى المجتمع اللبناني.

       (أمريكا لا تريد شيئاً من لبنان، لكنها تريد الكثير عبره) هذا  ما قاله ضمير لبنان الدكتور سليم الحص.

      فساسة واشنطن وكل من يتناغم معهم هم الذين جعلوا ويجعلون من لبنان ساحة لتصفية الحسابات مع كل مَن يقف في وجه مخططاتهم ، أو يفكر في مقاومة إسرائيل، مهما كان نوع تلك المقاومة. إنّ روح الرفض والمقاومة للمشروع الصهيوني الاستعماري العنصري الاستيطاني في منطقتنا، بقيت حيّةً دائماً ولم تَخْبُ، لكنها أخذت أشكالاً مختلفة، فمرّة أخذت شكلاً وطنياً، ومرّات شكلاً قومياً، ومرّة شكلاً يسارياً، ومرّة شكلاً دينياً، ومرّة شكلاً مذهبياً. وكلّ هذه الأشكال كانت تعبيراً عن هدف واحد هو رفض هذا المشروع الصهيوني والإصرار على عدم الإذعان له والاستسلام أمامه. ولا يضير عملية الرفض هذه، في كل مرة أن تأخذ شكلاً معيناً، تبقى فيه الجذوة متّقدة..
     وعلى الآخرين المؤمنين بضرورة رفض هذا المشروع ومقاومته، أنّ يلتحقوا بهذه الصيغة الرافضة للمشروع الاستيطاني الصهيوني، لا أن يعيبوا عليها أنّها أخذت شكلاً معيناً، وأن يشعلوا شمعةً، خير من أن يلعنوا الظلام.

      ولا يمكن لمن يرفض المشروع الصهيوني، حقّاً وفعلاً، أن يرفض الانخراط في صيغة مجابهة لهذا المشروع..
     ولا يحق للمتخلّفين عن الانخراط بهذا المشروع المقاوم للمشروع الصهيوني أن يعيبوا على أصحابه أنّهم فئويون، بل من واجبهم رفده ودعمه بكل ما لديهم، كي يبعدوا عنه صفة "الفئوية"، هذا إذا كانوا فعلاً معادين للمشروع الصهيوني.. أمّا أن يكتفوا بتقريعه ولومه، فهذه حجة وذريعة للتملّص من أداء الواجب الوطني والقومي والإنساني.
     وعلينا ألّا ننسى أن أمريكا والغرب عامة وإسرائيل خاصة، ينظرون إلى أمتنا العربية على أنّها حوض استراتيجي واحد، وتعمل على زعزعته وتفكيكه بما يخدم مصالحها.

      لكّن المشكلة أنّ بعض العرب ساعدوا ويساعدون هؤلاء، في ما قاموا ويقومون به، من خلال اعتمادهم مقولة (أنا ومن بعدي الطوفان) متجاهلاً (حكاية الثيران الثلاثة).. ولأنّ معارك الجيوش التقليدية مع إسرائيل لم تردع إسرائيل عن محاولات هيمنتها ولم تستطع إجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة.. وبعد أن ثبت أنّ المقاومة الشعبية هي الأكثر فاعلية وتأثيراً في مواجهة إسرائيل، اتجه الجهد العربي القومي المخلص إلى جنوب لبنان، ليس لأنّ لبنان وحده ساحة المعركة، أو تجري الحرب عبره، وبواسطة أبنائه، كما يقول البعض، بل لأن لبنان، في ظروفه الموضوعية والذاتية، شكّل المنفذ الوحيد الذي يمكن عبره مواجهة إسرائيل ، بشكل يوجعها ويؤلمها ويضطرها لإعادة النظر في الكثير من جوانب سياساتها العدوانية، وذلك بفضل المقاومة بالدرجة الأولى، لأنّ المقاومة تنشئها الشعوب، أمّا الجيوش التقليدية فتنشئها الدول.

       وعندما يقال هل أنّ لبنان وحده المكلّف بمواجهة إسرائيل؟ يتناسى أصحاب القول أنّ جميع العرب مكلّفون بذلك ، وأنّ مصر وسورية، والفلسطينيين في الطليعة، خاضوا حروباً طاحنةً مع إسرائيل منذ عام "1948" ودفعوا أثماناً غالية بشرية ومادية، في مواجهتها، وأن ما لم يستطيعوا القيام به حينئذ، يكمل القيام به أشقاؤهم المقاومون في لبنان. فالنصر مشترك لكل العرب، والهزيمة فادحة على جميع العرب. .
     ولا يتشاطرنّ أحد بالقول أنّ لبنان وحده هو ساحة القتال، فلكل زمن ظروفه وتحدياته، وما يحدث الآن هو استمرار لما حدث سابقاً، وما سيحدث مستقبلاً، استمرار لما سيحدث الآن، والعرب جميعاً مشتركون في السرّاء والضرّاء.. والمعركة قد تكون في مكان محدد، وغداً في مكان ثانٍ، ومستقبلاً في مكان ثالث، وهذه طبيعة الأمور لدى الشعوب الحيّة المصرّة على رفض الخنوع والاستسلام والتي تنظر لقضاياها المصيرية من خلال رؤية منظومية تجري فيها مواجهة العدو الإسرائيلي الاستيطاني الإلغائي، من مختلف المنافذ والجهات التي يمكن مواجهته فيها، بفاعلية وجدارة وتأثير، وقد يقول قائئل: ولماذا لا تقوم سورية بفتح جبهة الجولان، طالما أنّها بهذه الحماسة ضد إسرائيل؟..

        والجواب هو: (الله وأيدكن) كما يقول المثل العامي... فلنعد إلى الوضع السابق لحرب تشرين عام "1973" لأنّ للحرب مستلزماتها ومقوماتها وتحضيراتها وتحالفاتها كما حدث قبل حرب تشرين بفترة مديدة، سواء من حيث التنسيق العسكري الكامل مع مصر، والمشاركة القتالية من السعودية والكويت والجزائر والمغرب والعراق، والدعم النفطي والمالي من الخليج، وإيجاد مصدر تسليح بديل للاتحاد السوفيتي السابق مع تأمين السلاح اللازم للتحرير.. وبعد ذلك، إذا لم تقم سورية بواجبها القتالي تجاه الأرض المحتلة ، تستحق حينئذ أن يقام عليها الحدّ..
     أمّا كلما لطم الكوز بالجرة، يخرج علينا أحد المزايدين ليقول أنّ سورية لم تطلق طلقة واحدة في الجولان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكأن أطلاق طلقة واحدة أو مليون طلقة، يحرر الجولان!! ولو كان إطلاق النار باتجاه إسرائيل، يحرر الجولان، لما ترددت سورية لحظة واحدة...

       إنّ هذه التساؤلات الإتهامية، ليست فقط مشبعة بسوء النية، وبمحاولات التذاكي والتشاطر ومحاولات الإحراج الخائبة، وليست فقط محاولة مكشوفة لتغطية قصور وتقصير أصحاب هذه التساؤلات ومَن وراءهم..  بل هي محاولات خبيثة لزج سورية في حرب تقليدية مختلّة موازين القوى، من أجل دفع سورية إلى هزيمة لا تقوم لها قائمة بعدها، وبحيث يأخذ أصحاب هذه التساؤلات وأسيادهم، يأخذون راحتهم في التطبيع مع إسرائيل و"التنعّم" بِنِعَم التبعية لها، والانتهاء من وجع الرأس إلى الأبد. .      أمّا تساؤلهم الخبيث الآخر عن عدم وجود مقاومة لتحرير الجولان... فبالتأكيد عندما لا تستعاد الحقوق الوطنية كاملة، سوف يفرض الشعب مقاومته الوطنية . وعندئذ لكل حادث حديث ..      

ومع أنّ سورية لم تكن يوماً إلّا مع السلام، ولكن أيّ سلام؟ إنّه السلام المشرّف وليس السلام المسمّى استسلاماً، ولذلك رفضت الاتفاقات المنفردة، ورفضت البدء بالسلام من الآخر، أي البدء بالسلام من زيارة القدس، ورفضت صرف النظر عن الصراع العربي- الإسرائيلي، واصطناع صراع بديل عنه هو الصراع العربي – الفارسي، من خلال موقفها البالغ الذكاء أثناء ما سمّوه ( قادسية صدام ) ورفضت اجتياح صدام للكويت، وصولاً إلى رفضها الاحتلال الأمريكي للعراق، وهذا ما جرّ عليها حصاراً أمريكياً وأوربياً وقرارات دولية متتابعة، جائرة وكيدية..      

وتعاونت سورية الأسد مع كل مَن يقف ضد الهيمنة الإسرائيلية الاستيطانية المدعومة أمريكياً، بدءاً من طهران وصولاً إلى "حماس" و"الجهاد" و"حزب الله".. لقد اعتمدت سورية حافظ الأسد وسورية بشّار الأسد، معياراً في علاقاتها الإقليمية والدولية ، هو الموقف من إسرائيل، فعندما كانت إيران الشاه على علاقة تحالفية متينة مع إسرائيل، لم تكن سورية على علاقة طيبة معها... وعندما صارت إيران الثورة الإسلامية على عداء مع إسرائيل، صارت طهران صديقة لسورية...
    وكل مَن كان يقف ضد إسرائيل وضد سياسة واشنطن في التماهي مع إسرائيل، في أيّ مكان في الدنيا، يصبح صديقاً لسورية، ولسورية مصلحة  في التعاون معه.

      إنّ النظام العربي لا يقوم بواجبه في الدفاع عن قضايا أمته ومصالحها، ويكتفي بتسجيل المواقف، وانتظار الرغبات الأمريكية لتنفيذها، حتى لو كانت على حساب شعوبه، ثم يصرخ بعضهم عندما تلعب إيران دوراً يتناسب مع حجمها وإمكاناتها، وهو يريد منها أن تعطّل دورها لأنه يعطل دوره، يريد منها الاقتداء به، وبدلاً من أن يستغل النظام العربي هذا المتغير الإقليمي الذي حدث بعد سقوط الشاه، بدلاً من ذلك، وضع نفسه في مواجهته، والآن يضع نفسه للمرّة الثانية في مواجهته، أو يُدْفَع ليكون في مواجهته...       فلمصلحة مَن، يجري ذلك؟ وهل كانت إيران الشاه غير فارسية، وغير شيعية؟ أم لأنّها كانت تابعة لواشنطن ومتحالفة مع إسرائيل، كانت ( على العين والرأس )...

      أمّا عندما قامت الثورة الإسلامية فقد اكتشف بعض العرب أنّ إيران فارسية وشيعية وطامعة بالعالم العربي، لماذا؟..
     لأنّها تخلّصت من التبعية لواشنطن، وأصبحت مناهضة لسياساتها واستراتيجياتها وخططها، ولأنّها أسقطت التحالف مع إسرائيل، وأحلّت العداء لها مكانه...  وهذا ما أدّى بها إلى أن تدفع أثماناً غالية، باستخدام بعض الأيادي العربية ضدها، وكانت لا تزال في المهد، تحبو خطواتها الأولى، فأعلن النظام العربي الحرب عليها عبر (صدام حسين) بذريعة (منع تصدير الثورة) علماً أنّ أي ثورة تكون في بداياتها منهمكة بتثبيت أسس سيطرتها على بلادها، ولا يُعْتَدُّ بالتصريحات التي تصدر أو تصرف من هنا أو هناك حول تصدير الثورة، لأنّها تكون دائماً للاستهلاك المحلّي، إنّ المأمول ألّا يسمح عقلاء العرب بمعاقبة إيران، بقرار إسرائيلي- أمريكي، وبمساعدة عربية، مرّة ثانية، لأنّ النار، في هذه المرة، سوف تحرق الجميع، وسوف نكون كعرب، اوّل الخاسرين.

      إنّهم يريدون معاقبة إيران الثورة الإسلامية ثانيةً، لأنّها تقف حجر عثرة في مواجهة مخططات الهيمنة الأمريكية على المنطقة ولأنّها تدعم قوى المقاومة الإسلامية في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.. إنّ من واجبنا، كعرب، أن نبحث عمّا هو مشترك بيننا وبين إيران، وهو كثير، بدلاً من التنبيش عمّا هو مختلف بيننا, وهو قليل.. هذا إذا كنّا نريد مصلحة شعوبنا ودولنا ومجتمعاتنا وأفرادنا.

      أمّا المقاومة اللبنانية، فهي لا تخجل من تحالفاتها بل تفتخر بها، لأنّها مدعاة للفخر، فهي لا تتحالف إلّا مع مَن يخدم قضيتها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومناهضة مشاريع الهيمنة الأمريكية... وهي على استعداد لتلقي الدعم المعنوي والمادي من أيّة جهة في العالم تدعم مواقفها هذه، حتى لو جاء هذا الدعم، بدءاً من جزر الواق الواق، وصولاً إلى صحراء نيفادا.

      أمّا تحالف ثنائي ( قريطم – المختارة ) وملحقاته، فهم لا يجرؤون حتى على التصريح بتحالفاتهم. لماذا؟ لأنّها أولاً، ليست تحالفات، بل هي تبعية والتحاق كامل بالقرار الأمريكي..

      وإذا كانت أمريكا بالكاد، تقبل حلفاء لها من وزن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وغيرها، فمَن يكون تحالف ثنائي (قريطم – المختارة) وملحقاته، كي يكونوا حلفاء؟ إنّهم محرّد بيادق تستخدم وتُرْمَى بمجرّد أداء دورها المناط بها، وهذا ما اعتادت واشنطن القيام به عبر تاريخها، ولا يسمح لهؤلاء بالحركة إلّا في إطار خدمة الاستراتيجية الأمريكية.. وثانياً، هل انفصلت واشنطن عن إسرائيل في المنطقة، وهل تخلّت إسرائيل عن استراتيجيتها العدوانية الاستيطانية الاستئصالية، كي تكون التبعية لواشنطن، في خدمة قضايا شعوبهم وقضايا أوطانهم، وليست في خدمة إسرائيل؟؟!!!..

      إنّ ثقافة المقاومة ليست ثقافة الموت وليست ثقافة ظلامية، بل هي ثقافة الاستشهاد، وثقافة الحياة وثقافة التنوير.. أمّا ثقافة الموت والثقافة الظلامية، فهي ثقافة الانتحار وثقافة التكفير.. وأمّا ثقافة الموت السريري، فهي ثقافة الخانعين الخاضعين المستسلمين المذعنين الذين ماتت ضمائرهم وعقولهم وقلوبهم، ولو بقيت أجسادهم على قيد الحياة.

      أمّا أحاديث بعض الدراويش وبعض البائسين وبعض التائهين عن "المحور السوري الإيراني" وعن "الفرسنة" فإنّها تثير الشفقة.. إنّهم يحاولون أن يتغطوا بورقة توت، لكن حتى هذه الورقة لا يعثرون عليها.. فإذا كان عمر بن عبد الحميد كرامي فارسياً، وضمير لبنان الدكتور سليم الحص فارسياً، وأسامة معروف سعد فارسياً، وكمال شاتيلا فارسياً، وزاهر الخطيب فارسياً، وعبد الرحيم مراد فارسياً، والداعية العلّامة فتحي يغن فارسياً... فمَن هو العربي في لبنان؟ يبدو أنّ العروبة في لبنان  - كما يراها أيتام بولتون – يجب أن تمر بدموع السنيورة فؤاد، وبشاي أحمد فتفت، وبزنزانة "الحكيم" وببركات أركان / 17/ أيار، وبمطالعات خاصة من متعهد شهود الزور، ودليل الطائرات الإسرائيلية الخائب لقصف قيادات المقاومة.. ومَن لا يحوز على هذه الشروط يخرجونه من العروبة بل ومن الإسلام، ليصبح غير لبناني وغير عربي، ويغدو عميلاً لإيران ولسورية، متجاهلين أنّ قدر دمشق التاريخي أن تكون قلب العروبة النابض، وأنّ مَن يبتعد عنها هو الذي لا علاقة له بالعروبة، وإنّ مَن يقترب منها هو الذي يحافظ على عروبته الحقيقية.

      صحيح أنّ "ميشيل شيحة" أبو الدستور اللبناني قال عام 1926:

          ((إنّ لبنان مجموعة سوء تفاهمات متفق عليها))

       وصحيح أنّ التكاذب اللبناني – اللبناني، هو الأقوى سياسياً – باعتراف معظم اللبنانيين – لكن أن يصل التزوير إلى حد التناقض الكامل بين الحقيقة وبين التعبير عنها، وبين المضمون وبين التعريف به!! فمثلاً يُسَمَّى أقدم تجمع إقطاعي لبناني بأنه (اشتراكي تقدمي) بل تسمّى "مافيا قَبَلِيّة إقطاعية" بأنّها (حزب تقدمي اشتراكي) ويُدْعَى مَن لم يُنْهِ الدراسة الجامعية الأساسية في الطب، ليس دكتور فقط، بل هو (حكيم)  وتسمّى الحروب الداخلية في لبنان منذ عام 1840 بأنّها حروب الآخرين، وتسمّى المحاولات المستميتة لاستجلاب الوصاية الدولية الأمريكية – الأوربية – الإسرائيلية بأنّها (سيادة واستقلال) وتسمّى مظاهرة /14/ آذار التي كانت رداً على مظاهرة /8/ آذار، بأنّها (ثورة الأرز) و(انتفاضة الاستقلال) علماً أنّ الرئيس بشار الأسد كان قد أعلن قبل ذلك بتسعة أيام، في خطابه الشهير بمجلس الشعب السوري، في /5/آذار عام 2005 قرار انسحاب القوّات السورية من لبنان. وتصبح مظاهرة /8/ آذار المليونية (نصف مليون) فقط، أمّا مظاهرة /14/ آذار المليونية أيضاً، فتصبح مليوناً ونصف. وتسمّى محاولات الحفاظ على الهوية العربية الوطنية اللبنانية، بأنّها (انخراط في المحور الإيراني – السوري) وتسمّى الأسماء بعكسها، والأفعال بعكسها.. ولك الله يا لبنان!!!.

     ثم يصرخون (إنّهم يخوّنوننا) مع أنّ المقاومة اللبنانية، حتى الآن، تُجَامِلُ وتُراعي (ثنائي قريطم – المختارة) وملحقاته، فهي تسميهم (أدوات للمحور الأمريكي) ولم تقل عنهم (أدوات للمشروع الإسرائيلي) وتقول عن حكومتهم (حكومة فيلتمان) ولم تقل (حكومة أولمرت أو شارون) مع أنّ لدى المقاومين اللبنانيين عشرات القرائن، بل والأدلة والبراهين، بدءاً من محاولة هذا الثنائي إخراج لبنان من محيطه العربي ودوره العربي تحت عنوان (الحياد) من عالم لا حياد فيه، لأنّ لبنان ليس جزيرة نائية في المحيط الهندي، بل هو جزءٌ غالٍ وأصيل وعضوي من هذا الشرق العربي.. مروراً بوقوف هؤلاء ضد الممانعة السورية، وضد المقاومة الفلسطينية، وضد المقاومة العراقية، وتسوّل بقاء الاحتلال الأمريكي في العراق، وإلحاق سورية به "لتحريرها" كما "حرّر" العراق، بقتل مليون سوري تيمناً بما جرى حتى الآن في العراق، ووضع سورية في مهب الريح.

      ولم يكتفِ ثنائي (قريطم - المختارة) وملحقاته بذلك، بل وضع نفسه تحت تصرف جون بولتون وتحت تصرف "قنصل" واشنطن في لبنان.
        ثم يحاول هذا الثنائي وملحقاته، استغباء الناس بالعمل على إقناعهم أنّ واشنطن لا تنام الليل حرصاً على مصلحة لبنان وحريته وسيادته واستقلاله، متناسياً أنّ الطفل الرضيع يدرك أن واشنطن لا تقوم بأيّ عمل، في منطقتنا – طالما استطاعت ذلك- إلّا من منظور الحرص على إسرائيل أولاً وثانياً وثالثاً... ثم "يأخذ على خاطرهم" بعد كل ذلك، إذا وصّف أحد الواقع، ليس كما هو بشكل كامل، بل بذكر بعض أجزاء هذا الواقع غير المشرّف. فإذا كانوا فعلاً حريصين على التخلّص من وصمة كونهم (منتجاً إسرائيلياً) فما عليهم إلّا تذكّر الحكمة القائلة: ((مَن وضع نفسه مَوَاضِعَ التهم، فلا يلومنّ مَن أساء به الظن)) فلينتقلوا بأنفسهم من خندق الدعم للاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في إقامة شرق أوسط جديد تكون إسرائيل محوره وركيزته، وليصطفوا في الخندق العربي الوطني المقاوم لذلك المشروع.. وحينئذ سوف يتخلصون من تلك الوصمة التي يبدو أنّهم بدأوا يشعرون بثقلها عليهم.

     آن للأنبياء الكذبة وللقديسين المزيفين وللملائكة الخلبيين الدائرين في فلك ثنائي "قريطم – المختارة" وملحقاته أن يضعوا حداً لحفلات التزوير المتواصلة، بتحميل سورية كامل المسؤولية عما حدث في لبنان منذ نشوئه حتى الآن، متناسين أنّ سورية أوقفت الحرب الأهلية اللبنانية العسكرية، لكن أمراء الطوائف المتربعين الآن في السلطة، استمروا بالحرب الأهلية السياسية، وبصراع الطوائف التاريخي لبنانياً، بنقله من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي. وفرضت هذه الحرب الأهلية السياسية والصراع الطائفي السياسي، نفسيهما، حتى على الراعي السوري من حيث تعامله معهما، واضطر مكرهاً لمسايرة سَدَنَتِهما ورُعَاتِهما، لكيلا تعود الحرب الأهلية إلى الساحة العسكرية مرة أخرى، واضطر الراعي السوري إلى الوقوف عند خاطر وخواطر زعماء الطوائف، حتى وهو يضع مدماكاً فوق مدماك في بناء الجيش الوطني اللبناني، ومأسسة الدولة اللبنانية من جديد، مما أفسح المجال لهؤلاء الزعماء الطوائفيين والطائفيين أن يرسّخوا أقدامهم بحيث ربطوا مصير لبنان ومستقبله بمصير مصالحهم الشخصية وطموحاتهم الذاتية وتطلعاتهم المناطقية المفتوحة على كل الجهات الخارجية.

      وكم هو مثير للسخرية عندما يتحدث بعض المتفيقهين السياسيين في لبنان، عن ارتماء دمشق في أحضان واشنطن، وعن تعاون سورية مع إسرائيل.. وهؤلاء المتحدثون هم بالذات الذين قدّموا أوراق اعتمادهم لموظفي الدرجة الثالثة في وزارة الخارجية الأمريكية، وتتطابق أحاديثهم عن سورية ومواقفهم من سورية مع المواقف الإسرائيلية، ويصادقون كل أصدقاء إسرائيل، ويعادون كل أعدائها. أمّا بعضهم الآخر فيتحدث عن المخطط السوري – الإسرائيلي المشترك، لكنه ينسى أن يخبرنا متى تخلّت واشنطن عن إسرائيل، ولذلك وقف هو مع واشنطن ضد إسرائيل، وينس أن يخبرنا متى اتفقت سورية وحزب الله وحماس والجهاد مع إسرائيل، ولذلك قام هو بمعاداتهم والوقوف ضدهم!!!.

       كفى استخفافاً واستهتاراً بعقول البشر!!!، وآن لأولئك المتشدقين بالحديث عن توسل النظام السوري للخارج من أجل عقد صفقة البقاء معه، آن لهم أن يتوقفوا عن محاولات خداع الآخرين، إنّهم لا "يضحكون" إلّا على أنفسهم، ولا يخدعون إلّا أنفسهم، لأنّهم هم الذين يتوسّلون ويتسوّلون بيادق بيادق هذا الخارج من أجل مساعدتهم في إسقاط القلعة السورية.

      ونظراً لجهلهم المطبق في السياسة، ولاعتمادهم نزواتهم السياسية بديلاً للرؤية السياسية المفتقدة لديهم، فإنّهم يتجاهلون أنّ امتناع سورية عن عقد صفقة سرية منذ عقود وحتى الآن، وإصرارها على العمل في وضح النهار وتشبثها بالحقوق الوطنية والقومية، كان من الأسباب التي جعلت أسياد أسياد هؤلاء الإمّعات يضطرون للتسليم بالأمر الواقع السوري الراسخ، بعد أن لمسوا لمس اليد أن شعارهم لـ "إسقاط النظام" في سورية غير قابل للتنفيذ.

      وعندما تضطر واشنطن للتناغم مع بعض المواقف السورية، فإنّ ذلك ليس تواطؤاً بين الطرفين، بل هو نتيجة قوة وصلابة ومتانة الموقف السوري المدعوم من شعبه والشعوب العربية والإسلامية، ولتجسيده طموحات ومصالح شعبه وأمته، ونتيجة اضطرار واشنطن لعدم القفز فوق هذه الحقائق، تحت طائلة دفع أثمان أغلى.. وعندما تنتزع دوراً بذكائك وقوتك، ويضطر خصمك للاعتراف بهذا الدور وأخذه بالحسبان والتعامل معه، فهذا لا يعني أنه منحك هذا الدور أو تواطأ معك، بل وجد نفسه مضطراً، ولا مَفَرّ أمامه من عدم القفز فوق هذا الدور.

      إنّ القيادة السورية وعلى رأسها الرئيس بشّار الأسد، لا تستمد قوتها من الدعم الخارجي، بل تستمد قوتها من شعبها. والرئيس بشار الأسد قوي بشعبه، بنهجه، بصدقية مواقفه، بتعبيره وتجسيده لمصالح وطنه وأمته، وبإصراره على عدم التفريط بأي حق وطني أو قومي، بمرونته في الأسلوب، وبصلابته في الجوهر.       ورغم كل هذه المواقف المجيدة والمشرّفة يقف أحدهم معتقداً أنه أعاد اكتشاف البارود، ليقول: ألا تتذكرون كيف صافح الرئيس الإسرائيلي الرئيس السوري بشّار الأسد؟!!!..

      كم يدل هذا المثل على إفلاس هؤلاء وخلو جعبتهم من أي تهمة حقيقية يمكن أن تطول سورية الصامدة. إنّهم لا يرون كيف فرض الرئيس الإسرائيلي نفسه، ماداً يده، وجعلوا من هذه الحادثة المقصودة إسرائيلياً لإحراج سورية، جعلوا منها مقياساً للتعاون السوري الإسرائيلي!!! حتى أعمى البصيرة يدرك أنه لو كان هناك أي علاقات من أي نوع مع إسرائيل، لما قام الرئيس الإسرائيلي بهذه الحركة البهلوانية التي أعطت أصدقاءه في العالم العربي، زاداً يتزودون به للنيل من القيادة السورية، لكنهم يجهلون أنّ هذه "الزوّادة" فارغة لا تغني ولا تسمن من جوع، لأنّها دليل آخر على إفراغ جعبتهم، ومحاولة يائسة للتغطية على علاقاتهم المخزية ومواقفهم الهدّامة.

      أمّا ما يسميه بعض الجهابذة بـ "أخطاء النظام السوري" و "انعدام ثقة واشنطن وحلفائها به" و"قراءاته الخاطئة". هذه المقولات لا يخطئ قراءتها إلّا المغفّلون أو البيادق. إنّها تعني أنّ القيادة السورية رفضت الإذعان لأي من الإملاءات الأمريكية، رغم كل الضغوطات الهائلة التي مورست عليها، أمريكياً وأوربياً وإقليمياً، ورغم التهديدات والحصارات و"الحرتقات" والقرارات المتلبسة لبوساً دولياً، ورغم محاولاتهم الدائبة لتأمين ضغوط داخلية أيضاً.

      ورفضت القيادة السورية أن تكون تابعاً، كغيرها، في آلة المخطط الأمريكي لتسليم المنطقة إلى إسرائيل (بالضبّة والمفتاح) تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد".. ورفضت التفريط بالمقاومة الفلسطينية.. ورفضت التخلّي عن المقاومة اللبنانية.. وناهضت الاحتلال الأمريكي للعراق.. ورفضت كل ما يمس المصلحة الوطنية السورية أو المصلحة القومية العربية.. والأهم من كل ذلك أنّها رفضت أن تكون كغيرها، أداة مطواعة في يد واشنطن، تستخدمها لتحقيق مخططاتها وتصفية حساباتها. وبذلك يبدو جلياً أنّ الاسم (الكودي) لهذه المواقف السورية المشرّفة – والتي لا تعجب الزحفطونيين – هو التحدّث عن أخطاء سورية، وقراءاتها الخاطئة، وانعدام ثقة واشنطن وتوابعها بها – وكأن ثقة واشنطن شرف يرفع الرأس به -..

      إنّ واشنطن وتوابعها وملحقاتها وبيادقها، بدأت بعد احتلالها للعراق مباشرة، تهدد بتغيير النظام السياسي في سورية، بالقوة، ثم انتقلت إلى الإلحاح على ما تسميه تغيير سلوك النظام السياسي السوري!!.. فماذا كانت النتيجة بعد عدة سنوات؟ النتيجة هي أنّ الإدارة الأمريكية هي التي بدأت تغيّر سلوكها، بعد أن اصطدمت بالواقع المعقد في هذه المنطقة، وبعد أن اكتشفت خطأ مقاربتها وحساباتها الخاطئة تجاهه، وبعد أن اصطدمت بالصلابة المبدئية والميدانية للقيادة السورية، والتي لم تتراجع قيد أنملة عمّا قالته قبل الغزو الأمريكي، وأثناءه، وبعده، وبقيت متشبثة بقيمها ومصالحها القومية والوطنية، لا بل ازدادت تشبثاً بها واستعداداً للدفاع عنها.

      إنّ الصمود والصلابة اللذين تتحلّى بهما سورية، قيادة وشعباً، هما بخلاف العناد والمكابرة. فالصمود والصلابة تعنيان التمسك بالمواقف المبدئية السليمة وبالمصالح العليا، مع تصحيح وتقويم الحيدانات الطارئة، ولو من دون إعلان ذلك. أمّا العناد والمكابرة فتعنيان – كما يفعل أيتام بولتون – الإصرار على المواقف الخاطئة دون تصحيح أو تقويم، حتى ولو تبيّن خطأ مواقفهم وخطرها عليهم وعلى شركائهم.

      إنّ أيتام بولتون الذين تَرْكَبُهم الأخطاء، بل الخطايا، من قمة رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، يبحثون عن خطأ ما لدى خصومهم، وعندما يفشلون في اصطياد أي خطأ، يصطنعون لخصومهم خطأ ما، ويجعلون من حَبّة هذا الخطأ المفتعل، قبة، ثم يبنون تحليلاتهم ويصدرون أحكامهم على هذا الأساس.

      أما عندما يتساءل "والي المختارة" عن ما سمّاه مغزى قيادة العماد عون للمسيحيين (عكس خياراتهم التاريخية) على حد قوله!! كان الأجدر به أن يوجّه هذا السؤال لنفسه، وهو يسعى جاهداً لوضع شريحة كانت عبر تاريخها، مثالاً للوطنية وحامية للثغور العربية، عكس خياراتها التاريخية.

      أمّا العماد عون – ونحن لسنا بصدد الدفاع عنه بل نقرأ ما قام به – فقد قوّم وصوّب بعض الحيدانات التاريخية لبعض الزعماء المسيحيين، واعادها إلى منبعها التاريخي باتجاه التفاعل والتناغم مع بيئته العربية ومحيطها الشعبي، لا الرسمي.. وكان الجنرال عون، بذلك، استمراراً للمعلم بطرس البستاني وعشرات المعلمين الآخرين في لبنان العربي قبل بدايات القرن العشرين وخلاله، أمثال إبراهيم اليازجي وأمين الريحاني وجبران خليل جبران ومارون عبود وتوفيق يوسف عواد وعبدالله لحود وأسعد داغر ونجيب نصار ونجيب العازوري وأمين نخلة ويوسف السودا، وغيرهم الذين رفضوا أن يوضع المسيحيون في الخندق المضاد لمحيطهم العربي، فحصّنوا بذلك المسيحيين وحموهم وفرضوا بقاءهم أعزة كرماء في وطنهم.. هذا ما فعله ويفعله العماد عون.

      ومن جهة ثانية، اقتدى بالجنرال ديغول عندما اتنفق مع ألمانيا ( أديناور ) متجاوزاً الحساسيات التاريخية بين البلدين، والآثار الكارثية للحرب العالمية الثانية بينهما، من أجل مصلحة مشتركة تجمع البلدين معاً.. هذا ما يقوم به الجنرال عون.

      وعندما يتحدث أيتام بولتون عن انقلاب تقوم به المعارضة، لا بُدّ من التساؤل: هل سمعتم في حياتكم انقلاباً يقوم به أكثر من نصف الشعب؟ إن مَن قام بالانقلاب هو الذي انقلب على ثوابت العيش المشترك في لبنان.. هو المصرّ على الاستفراد والتبعية الكاملة للمحافظين الجدد في واشنطن، والاستخفاف برأي ومصلحة ثلثي الشعب اللبناني.

      إن محاولات أكثرية الشعب اللبناني: وضع حد لهذا الانقلاب، وإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي، وفقاً للدستور ولأسس العيش المشترك، صار في نظر ثنائي (قريطم – المختارة) وملحقاته "انقلاباً" أي عادوا إلى تسمية الأمور بعكس حقائقها، كما هو ديدنهم.. وإذا كانوا يشككون في هذه الأكثرية الشعبية، فإنّ (الماء يكذّب الغطاس) كما يقول المثل، وباستطاعتهم إجراء استطلاع رأي رسمي للشعب اللبناني تشرف عليه منظمات دولية كي يكذّبوا أولئك "الانقلابيين" الذين يقولون أنّهم أكثرية شعبية!!.

      كما كان السياسي والمفكّر اللبناني "غسان سلامة" موفقاً ومصيباً عندما قال بأنّ النظام اللبناني نظام منتج للأزمات.   
     وحقيقة الأمر أنّ نظاماً طائفياً ومذهبياً، كالنظام اللبناني، يرى قوته في ضعفه، هو نظام غير محصّن وقابل للاختراق بحيث يغري واشنطن وإسرائيل لاستخدامه دائماً ضد مصالح أشقائه أولاً، وضد مصالح أغلبية أبناء الشعب اللبناني ثانياً. إنّ نظاماً كهذا هو نظام منتج للأزمات دورياً.

      وبالمناسبة، كلما حذّر مسؤول سوري من مخاطر وتداعيات الأحداث المتلاحقة في المنطقة، وقام بتسليط الضوء عليها من أجل العمل على منعها وتلافيها... أو كلما شرح كاتب سوري رؤيته وتحليله للأخطار القادمة في ظل مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي قد تختلف أساليب محاولات تحقيقه، لكنّ هدف تحقيقه – حتى ولو لم يتحدثوا عنه – بقي ويبقى في أذهان مخططيه وفي استراتيجيتهم المعتمدة، أقول، كلما صرّح مسؤول أو كتب باحث وحذّر (ومَن حذّرك كمَن بشّرك) وليس كم (هدّدك) كما يصرّ أيتام بولتون في قراءاتهم الحولاء لما يقال ويكتب.. تبدأ الأبواق، على مستويات مختلفة، بالعويل والصراخ بأنّ هناك مؤامرة أو خطة مبيّتة أو خارطة طريق معدّة لتدمير لبنان أو تدمير المنطقة.. وكأن المؤامرات أو الخطط المبيتة للتدمير، تعلن على رؤوس الأشهاد وأمام وسائل الإعلام. وكلما نشرت وسيلة إعلامية خبراً عن استعداد سورية للسلام، وعن عدم استعداد إسرائيل للسلام، يصرخون بأنّ سورية تتهافت أمام إسرائيل وأنها تفاوضها سراً، وأنّها.. إن سورية عندما تفاوض تفعل ذلك على رؤوس الأشهاد كما فعلت منذ مؤتمر مدريد 1991 وحتى مفاوضات واي بلانتيشن عام 1999 ولقاء جينيف عام 2000. أما غير ذلك، فإنه ليس تفاوضاً مع إسرائيل، لا علنياً ولا سرياً، وليس حواراً، وليس تباحثاً.

      إن كل ما جرى لا يعدو كونه مجرد نقل أفكار يقوم به مواطنون أمريكيون أو أوربيون قد يكون بعضهم من أصل سوري، إمّا بتكليف غير رسمي من حكوماتهم، وهو الغالب.. أو بمبادرة منهم، وهو النادر.. فتستمع سورية إلى ما لديهم، وقد تعلّق على هذه الأفكار وقد لا تعلّق. وحتى لو علّقت، فإنّ ما تقوله لا يخرج مطلقاً عن إطار ومضمون، القرارات الدولية والمبادرات العربية.. هذه هي كل المسألة.

      والجدير بالذكر، أنّه كلما هبّت عاصفة أو مرّت جائحة، أو نزلت صاعقة، او اختلف رجل مع زوجته، فإنّ التهمة والمتهم الوحيد لدى أيتام بولتون هو سورية. تظهر "فتح الإسلام" في مخيم نهر البادر وتقوم بجرائم سابقة وباستعدادات وترتيبات تعبوية ولوجستية، ومع ذلك، فإنّ كل ما تتخذه السلطة اللبنانية من  إجراء، هو توجيه الاتهام إلى سورية، على لسان وزير داخليتها.

      وعندما يتهم هؤلاء سورية، بالمسؤولية عن ما يسمّى الإسلام" لأنّهم انشقوا عن "فتح الانتفاضة" القريبة من سورية، فإننا نسألهم: ما هي مسؤولية كعبتهم الجديدة "واشنطن" عما قامت وتقوم به "القاعدة" و"طالبان" منذ سنوات عديدة؟ وهما اللتان خرجتا إلى الحياة بدعم وتبنّ واحتضان كامل من واشنطن، ثم انشقا عنها وفعلا ما فعلاه وما يفعلانه الآن. إن المنشق يعادي من انشق عنه، ويرفع درجة العداء معه إلى المرتبة الأولى.

      أمّا المحكمة الدولية.. وما أدراك ما المحكمة الدولية؟!! عندما يقول والي المختارة ( وافقنا مع عمرو موسى على تشكيل لجنة لقراءة مشتركة لنظام المحكمة، ولكن لن نقبل بأي شكل من الأشكال بتغيير نظام المحكمة )..      فلماذا القراءة المشتركة إذا كانوا يعتبرون نظام المحكمة المستورد، قرآناً أو أنجيلاً منزّلاً، هل الأمر ضحك على اللحى؟ أم أنه تهرّب من إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة قتلة المرحوم رفيق الحريري؟ وإصرار على إقامة محكمة دولية لمحاكمة سورية، بسبب ممانعتها لاستراتيجية واشنطن ومخططاتها في المنطقة، وفي مقدمتها مشروع الشرق الأوسط الجديد بقاطرة إسرائيلية؟ ومحكمة دولية لمحاكمة المقاومة اللبنانية وأبطالها ورموزها، عقاباً لهم على مقاومتهم الأسطورية لإسرائيل وتمريغ سمعتها في وحل الجنوب. المطلوب هو الجواب.. لكي يبنى عليه النظام الأساسي للمحكمة، وسرعان ما أتى الجواب، بدءاً بتهريب النظام الأساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي وصولاً إلى رسائل " السنيورة فؤاد" لمجلس الأمن مع الإلحاح على تشكيل المحكمة استناداً للفصل السابع.

      إنّ مَن يضيّع دم المرحوم رفيق الحريري، هو الذي يستخدم دمه لتصفية حسابات خارجية أمريكية – إسرائيلية، سواء مع المقاومة اللبنانية، أو مع دولة الممانعة المتبقية في هذا الشرق العربي، ومحاكمة أعداء السياسة الأمريكية في المنطقة، وأعداء أصدقاء السياسة الأمريكية في المنطقة، بل وإبقاء هذه المحكمة سيفاً مصلتاً، لسنوات، إن لم يكن لعقود، حتى تتحقق الغايات المنشودة منها، والمطلوب باختصار: محكمة تكون صلاحياتها اختيار المجرم الذي تريد واشنطن تجريمه، وتفصيل المجرمين على القياس الذي يناسب الإدارة الأمريكية، وأمّا تبرّع بعض أقطاب السلطة البائسة في لبنان بالتحدث عن أن المحكمة تنشد العدالة فقط ولا تستهدف سورية، فإنه يدعو للرثاء، لأنّهم يتعهدون بما ليس من صلاحياتهم، بل إن صلاحيتهم، بهذا الخصوص، انتهت حين قدّموا المبرر للمحافظين الجدد من أجل إنشاء محكمة دولية بالفصل السابع، وأصبح قرار المحكمة هناك، وراء البحار. ولم يثبت تاريخ واشنطن الحديث والمعاصر أنّها تعاملت مع قضايا المنطقة، وخاصة في المشرق العربي، بموضوعية، ولو مرّة واحدة، بل كانت تتعامل دائماً معها من منظار إسرائيلي ومن منظور المصلحة الإسرائيلية تحديداً فقط.

      ويخطئ من يعتقد أن القرار الأخير /1757/ المتعلق بإنشاء المحكمة الدولية، ليس حلقة غير نهائية في سلسلة بدأت بالقرار /1559/ الصادر بتاريخ 2/9/2004 تحت عنوان عريض هو عدم التمديد للرئيس إميل لحود.. أمّا مضمونه فيتضمن مطالب ثلاثة لا غير هي:

      أولاً : العداء لسورية بدلاً من إسرائيل ( وهذا لا يعني وروده لفظاً بل مضموناً واضحاً وضوح الشمس ).

      وثانياً : سحب سلاح المخيمات الفلسطينية.

      وثالثاً : سحب سلاح المقاومة اللبنانية. ويخطئ من لا يرى أنّ كل الجرائم والاغتيالات التي حدثت بين صدور هذين القرارين، بما في ذلك جريمة اغتيال المرحوم رفيق الحريري، إنما جاءت لتعبّد وتفتح الطريق أمام إمكانية تنفيذ محتوى هذه القرارات، في إطار تدويل لبنان ووضعه في الخندق المعادي لأمته العربية ولمصلحة وطنه الحقيقية، وجعله بُزالاً في مسنّن المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للمنطقة. وقد جاء عدوان تموز الإسرائيلي – الأمريكي على لبنان، في هذا الإطار ولخدمة هذا المشروع، وقالت عنه "تسيفي ليفني" وزيرة خارجية إسرائيل بالحرف : (كلما ضرب الجيش الإسرائيلي حزب الله بشكل أقسى، أصبح تنفيذ القرار /1559/ أسهل على الحكومة اللبنانية وعلى العالم.) .

      ولابُدّ من الإشارة إلى أنّ الفصل السابع الذي جرى الاستناد إليه في بعض هذه القرارات /1636/  و /1644/ وليس القرار الأخير /1757/ فقط، لم يعتمد في تاريخ هذه المنطقة ولم يطلب تطبيقه إلّا على العرب حصراً، ولم يعتمد مرّة واحدة بخصوص إسرائيل، رغم طردها لملايين العرب من أرضهم التي عاشوا فوقها آلاف السنين، ورغم احتلالها لآلاف الكيلومترات المربعة من الأرض العربية، ورغم ذبحها لعشرات الآلاف من العرب الفلسطينيين والمصريين والسوريين واللبنانيين والأردنيين. ثم بعد ذلك يخرج البعض معلناً ابتهاجه ويشعل الشموع ويذرف الدموع – ولكن دموع الفرح – احتفاءً باعتماد الفصل السابع، وهو لا يدري – وقد يدري – أنه بذلك كمَن يلحس المبرد، يشعر بلذّة عابرة، بينما دمه هو الذي يسيل، ودم أبناء شعبه وأمته.. ثم لو كانت المحاكم في العالم توقف الجرائم، لتوقفت الجرائم في أرجاء الدنيا، لأنّ العالم مليء بالمحاكم وبالمحكومين، اللهم إلّا إذا كان أولئك الذين بذلوا قصارى جهدهم وجهد غيرهم لإقامة المحكمة الدولية، قرروا ألا تتوقف الجرائم إلّا بعد قيام المحكمة الدولية.

      إنّهم يسمحون لأنفسهم بقول ما لم يقله مالك في الخمر، بحق سورية، شعباً وقيادة.. وعندما يبدي صوت سوري، رسمياً كان أم شعبياً، رأيه في تخرصاتهم هذه، يولولون صارخين: (إنّهم يتدخلون في شؤوننا، إنّهم يريدون عودة الوصاية، وعودة قوّاتهم إلى لبنان). إن "انعدام الوفاء" والغدر الذي قوبلت به التضحيات السورية الهائلة عبر ثلاثين عاماً في لبنان، جعلت السوريين قاطبة يرفضون مجرد التفكير بالإقدام على تقديم تضحيات مماثلة كما قدموه عبر الثلاثين عاماً الماضية. لكن هذا لا يعني السماح بتحوّل لبنان إلى قاعدة أمريكية – إسرائيلية، بل يعني مساعدة اللبنانيين على الالتزام بتطبيق نص ميثاقهم ودستورهم الذي أكد أنّ لبنان لن يكون للاستعمار ممراً ولا مقراً ضد سورية.. وهذا فقط ما ينشده السوريون.

      وأخيراً وليس آخراً، في هذه الأيام التي تعيش فيها سورية أعياد الفرح بالتجديد الشعبي العارم لقائدها ورئيسها الدكتور بشار الأسد، وبحيث ينطبق عليها قول الشاعر:

           لا يعرف الشوق إلّا مَن يكابده         ولا الصبابة إلّا مَن يعانيها

      فمَن يَعِشْ خارج سورية، قد لا يدرك معنى الإجماع على التجديد للرئيس بشّار الأسد.. فالشعب العربي السنوري يتنفس السياسة كما يتنفس الهواء، والذي لا يمكن تضليله ولا ترهيبه ولا تركيعه، عاش مع رئيسه سبع سنوات مترعة بالتحديات الكبرى، ومليئة بالضغوطات الهائلة، ومشبعة بمحاولات أمريكية وأوربية وإقليمية لفرض إملاءات وتهديدات وتلويحات بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم تذعن سورية لمخطط الشرق الأوسط الجديد، تحت عنون التناغم مع المستجدات الدولية، والتساوق مع الاتجاه العالمي والإقليمي في الانخراط بالصف وراء ما تريده واشنطن وتوابعها.. ومع ذلك استطاع ربّان السفينة، لا أن يقودها إلى شاطئ الأمان فقط، بل أن يبحر بها، بهدوء وثقة، إلى مرفأ السلامة، وأن يعيد تعميرها وتذخيرها وتجهيزها لمواجهة التحديات القادمة، بعد أن وضع في حسبانه أنّها قد لا تقلّ – إن لم تزد – صعوبة عن التحديات السابقة. لكن إيمانه المطلق بالنصر، متكلاً على الله تعالى أولاً، وعلى شعبه ثانياً وإيمان شعبه الراسخ بحصافة وسلامة رؤيته وحرصة وصلابته في الجوهر، ومرونته في الشكل، وحزمه وعزمه، ودقته ورقته، وعقله الاقتحامي، وضميره الحي، وتماهيه مع أبناء وطنه ومع طموحاتهم ومعاناتهم، بحيث يعيش كل مواطن سوري في وجدانه، ويعيش هو في وجدان جميع المواطنين.. كل ذلك شكّل رصيداً لا ينضب من الثقة والمحبة المتبادلة بينه وبين الملايين من أبناء شعبه، فقالوا له "نعم" بأغلبية ساحقة.

      وستبقى سورية المعاصرة التي يقودها الرئيس بشار الأسد رائدة وقائدة، ومبادِرة وقادرة ومسامحة وحازمة، في جميع معارك العرب المصيرية، وفي مواجهة التحديات القادمة.

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏