عدنان بدر حلو: مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة من قتل رابين؟... ولماذا؟

نشر الكاتب والصحفي السوري عدنان بدر حلو, هذا المقال للمرة الأولى في "النشرة" التي كانت تصدر في غزة, عدد تموز 1996.

ويجده القارئ في كتاب "تدمير سوريا" الصادر عن دار نون4 في نيسان عام 2014.

 

مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة من قتل رابين؟... ولماذا؟

في العديد من دول العالم الحديث، الكبيرة منها والصغيرة.. أو المتقدمة منها والمتخلفة، ثمة قوى وفعاليات تنمو بين ثنايا السلطة وتحت أجنحتها لتصبح، في مرحلة من المراحل، مراكز قوى فاعلة ومسيطرة تعلو على كل الضوابط الدستورية والقانونية. خاصة عندما تقيم شبكاتها التنظيمية "المافيوية" مخترقة أجهزة الدولة ومفاتيحها الحساسة، وصولا إلى السيطرة على القرارات الحيوية في مختلف المجالات المتعلقة بمصالحها الاقتصادية والسياسة وغيرها..

وفي بعض الحالات ، عندما تشعر أن هناك خطرا يتهدد وجودها أو مصالحها الحيوية، أو عندما يكون لها مصلحة كبرى في إحداث تغيير ما... لا تتورع هذه القوى عن الإقدام على ارتكاب أخطر الجرائم.. وكذلك لفلفتها بحيث لا تكون لها أية ارتدادات أو انعكاسات مؤذية.

ففي هذا الإطار بالذات يمكن تصنيف جريمة اغتيال الرئيس الأمريكي الشاب جون كنيدي عام 1963، أو الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد أو رئيس وزراء السويد أولف بالم أو غيرهم من ضحايا الجرائم الكبرى المشابهة التي كانت عمليات لفلفتها أغرب من عمليات تنفيذها وأكثر تعقيدا..

على ضوء هذه الحقيقة، تجب العودة لمحاولة استقراء خلفيات عملية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين، لاسيما بعد حصول الانعطاف السياسي الكبير الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة في إسرائيل والذي كان مستحيل الحصول لو أن رابين ما زال حيا وهو الذي يقود حزب "العمل".

فقد كان واضحا لكل المعنيين بالشأن الإسرائيلي، ومنذ مدة طويلة، أن هذا الحزب الذي يمكن أن يجنح بقيادة بيريس نحو السلام، يظل عاجزا بدون رابين عن جذب ناخبي الأصوات القلقة في الوسط .. وهي الأصوات التي تحسم المعركة عادة.

وقد جرى اغتيال رابين تماما في الوقت الذي ظهر عليه أنه بات أكثر اقتناعا، من أي وقت مضى، بجدوى عملية السلام مع الفلسطينيين. وقد عبر عن ذلك بمنتهى الوضوح وبشيء من الفرح في الخطاب الذي ألقاه قبل لحظات من تلقيه الرصاصات القاتلة.

والحقيقة إن اغتيال رابين لم يكن الحدث الوحيد الذي ساق الأمور والتطورات في اتجاه الانعطاف الذي حصل مؤخرا..فبعد عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، وما حققته من دفع لعملية السلام إلى الأمام على طريق وضع الأسس لبناء الدولة الفلسطينية، واختراقا لأجواء الهدوء التي سادت ساحة الصراع في تلك الفترة عمدت الأجهزة الإسرائيلية إلى اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا ثم أعقبتها باغتيال المهندس يحيى عياش في غزة، الأمران اللذان قلبا الأجواء رأسا على عقب وأشعلا التوتر الحاد كبديل عن الهدوء الذي كان سائدا في تلك الفترة، ووفرا الذريعة للعمليات الانتحارية اللاحقة التي جرت في تل أبيب وعسقلان.

يضاف إلى ذلك، وفي السياق نفسه، الاشتعال شبه المفتعل للتوتر على الجبهة اللبنانية وصولا إلى حرب "الكاتيوشا" ثم عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية ضد الجنوب اللبناني.. حيث لا يمكن تجاهل عامل "التعمّد" الذي يقف وراء القصف الإسرائيلي غير المبرر لملجأ "قانا" الذي يرفرف عليه علم الأمم المتحدة، وتلك المجزرة الرهيبة التي أحدثها القصف المذكور على مرأى ومسمع من العالم بأسره.

هذا السياق المتتالي من الأحداث المثيرة للتوتر والقلق والتشكيك في طريق السلام، هي التي هيأت المناخ الملائم للانقلاب السياسي الحاد في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.. وهو سياق لا يمكن لأي عاقل أن ينظر لأحداثه وتتاليها على أنها مجرد أحداث عفوية ترافقت مع بعضها البعض بمجرد المصادفة!!

إن ثمة قوى فاعلة في إسرائيل أولا، وفي أوساط فلسطينية وعربية ودولية ثانيا، لديها مصلحة مباشرة في حصول ما حصل خلال هذه الفترة.

+ ففي إسرائيل نفسها هناك قوى وقطاعات بدأت تتحسس مدى خطورة السلام على مصالحها وتعارضه مع معتقداتها وأطماعها:

1-    فهناك من رأى في الاتفاق الإسرائيلي- الفلسطيني حدا نهائيا لمشروع "إسرائيل الكبرى" وأطماع التوسع الاستيطاني في المنطقة..

2-    وهناك من رأى في حالة الاسترخاء المترتبة على السلام مناخا ملائما لانهيار لحمة المجتمع الإسرائيلي بطبيعته الصهيونية، التي كان يشدها التوتر والخوف والاستعداد الدائم للحرب..خاصة بعد أن بدأت الجماعات العرقية والقومية في الأوساط اليهودية تعبر عن عصبيات خاصة بها على حساب العصبية الصهيونية الشمولية.(وقد تجلت هذه الظاهرة بصورة واضحة في الانتخابات الأخيرة).

3-    وهناك أيضا وأيضا "عسكريتاريا الحرب" وما تضمه من جنرالات ومؤسسات صناعية عسكرية رأت في السلام القادم بعبعا حقيقيا يهدد امتيازاتها ومصالحها ومواقعها الخاصة في المجتمع "الآسبارطي" الحالي.

+ أما على الصعيد الفلسطيني، فقد شعرت قوى ومنظمات (لاسيما بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية) أن قطار السلام سوف يهمشها ، وأن بقاءها بالتالي مرهون بإعادة توتير الأجواء وزعزعة السلطة الوطنية الوليدة.. وتشمل هذه القوى من كانوا يراهنون ، وما زالوا، على ان يكونوا هم البديل ف الحوار مع إسرائيل. تماما كما تشمل المستفيدين مباشرة من الدعم الخارجي (العربي والإقليمي) لمثل هذا الاتجاه.. ومن يلوذ بهؤلاء وأولئك من منتفعين في مواقع كثيرة.

+ وعلى الصعيد العربي هناك أنظمة تعتبر أن السلام يحمل معه استحقاقات، ويسقط ذرائع ومبررات، تقوم عليها عوامل استمرارها في السلطة..وهي بالتالي مع كل ما يبعد عنها "هذه الكأس".

إضافة للأنظمة المشار إليها، وفي مقدمتها النظام السوري ، ثم موقع خاص في هذه المعادلة للنظام الأردني.. فبعد أن ساقت تطورات التسوية حزب "العمل" الإسرائيلي بعيدا إلى حد ما عن مشروع "التقاسم الوظيفي" في الضفة الغربية مع الأردن، وبالتالي عن "الخيار الأردني".. وبعد أن فرض الرفض الفلسطيني لمشروع الوطن البديل نفسه على الواقع وعلى المعطيات الدولية، فقام أصحاب ذلك المشروع في تكتل الليكود" بسحبه من التداول..بعد هذا وذاك وبسببهما استجدت لدى النظام الأردني مصلحة في نقل "بارودة التحالف" من كتف حزب "العمل" الذي اختار الفلسطينيين شريكا رئيسيا في مشروعه للسلام إلى كتف "الليكود" الذي يجعل مهمته الرئيسية هي كبح الطموح الفلسطيني نحو دولة مستقلة.

وهذا بالذات ما يفسر ذلك التعاطف الذي أبدته عمان تجاه نتنياهو، سواء عشية الانتخابات أو بعد فوزه فيها.. وربما يفسر أيضا ذلك "الحنان" الغامض الذي تحيط به العاصمة الأردنية بعض الجماعات الفلسطينية المتطرفة التي أسهمت في تصعيد أجواء التوتر.

+ هذا بالإضافة لإيران التي تعتبر أن دورها في المنطقة وطموحاتها للهيمنة إنما تزدهر مع ترعرع الظواهر الأصولية. وهي ظواهر يغذيها التوتر وتضمحل مع شيوع السلام والاستقرار.

+ وفوق هذا كله ثمة قوى في الولايات المتحدة بشكل خاص تضررت كثيرا من انتهاء "الحرب الباردة" وكساد سباق التسلح على المستوى الدولي، فباتت مصالحها محصورة في تصعيد بؤر التوتر والحروب على الصعد الإقليمية.. وفي مقدمتها الشرق الأوسط. وأذكر في هذا المجال حديثا سمعه كثيرون غيري من المرحوم الصديق الجنرال متياهو بيليد، أحد أبرز دعاة السلام في إسرائيل،إذ كان يقول لبعض القادة الفلسطينيين :"هل تعتقدون أنه سيكون من السهل على أمريكا التخلي عن سوق السلاح في الشرق الأوسط وهي تدر عليها قرابة العشرين مليار دولار سنويا!!. ثمة مصالح كبيرة في الولايات المتحدة يهمها ألا يقوم سلام حقيقي في هذه المنطقة"

ونحن لا يسعنا، على ضوء التطورات الحالية في المنطقة إلا أن نتذكر حديث المرحوم "ماتي".. ونشم رائحة قوى فاعلة في إسرائيل وفي أمريكا وراء هذه التطورات، وإذا كانت السيدة ليئا رابين قد عبرت عن شعورها بأن زوجها قد اغتيل مرتين.. فإننا نقول لها: بل مرة واحدة، فما أسمته الاغتيال الثاني هو نتيجة للاغتيال الأول وليس تكرارا له.

ويبقى السؤال الخطير الذي لا بد من مواجهته وهو:

-         هل إن الانعطاف السياسي الحالي هو الهدف النهائي لهذه التطورات أم هو المدخل والوسيلة لتطورات أكبر وأخطر على كل الصعد المحلية والإقليمية وحتى الدولية ؟!

ملاحظة: بعد نشر هذه المقالة بسبع سنوات تقريبا، صدر كتاب التاريخ السري للموساد للكاتب البريطاني المختص بشؤون المخابرات الإسرائيلية غوردن توماس وقد تناول في أحد فصوله مجريات التحقيق في عملية اغتيال رابين فأورد فيه:

1-    إن رصاصة واحدة فقط أطلقت على رئيس الوزراء الإسرائيلي عند مغادرته لساحة الاحتفال بينما وجدت في رأسه ثلاث رصاصات عند وصوله إلى المستشفى. وإحداها دخلت الرأس من الخلف ومن مسافة قريبة.

2-    إن المسافة بين موقع الحادث وبين المستشفى تقطعها سيارة الإسعاف عادة بأقل من ثلاث دقائق لكن السيارة التي أقلت رابين استغرقت أكثر من ثلاث عشرة دقيقة، مع أن الشوارع كانت خالية آنذاك!

3-    المرافق العسكري لرئيس الوزراء "أضاع" مسدسه خلال تلك الرحلة!

4-    الرصاصات الثلاث التي استخرجت من رأس رابين هي الأخرى فقدت في المستشفى!

5-    يقول المتطرف المتهم بالاغتيال في المحكمة: إذا ما كشفت الحقيقة فإن كل النظام في إسرائيل سوف ينهار!