813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عدنان بدر حلو: العدوان المتوقع ضد العرب.. أمريكي على العراق أو إسرائيلي على سورية

نُشر هذا المقال للمرّة الأولى في صحيفة القدس العربي, بتاريخ 2/10/1996, وكان الكاتب يوقّع باسم: عدنان بدر, وهو الاسم الذي اختاره له, مطلع سبعينات القرن الماضي, صديقه الشهيد غسّان كنفاني.

 

العدوان المتوقع ضد العرب.. أمريكي على العراق أو إسرائيلي على سورية

  • هل نستطيع القول،على ضوء التطورات التي حصلت مؤخرا في العراق وما واكبها من مواقف عربية إيجابية، أن الانهيار الذي حصل مع "حرب الخليج" الثانية قد وصل إلى نهايته، وبدأ يخلي الساحة لشيء من عافية تدب في الجسم العربي بعد أن أنهكه ذلك الانهيار.. وأننا بالتالي على عتبة مرحلة تبشر بالخروج من حال التشرذم والضياع؟

المقدمات المرئية تساعد على ترجيح الرد بالإيجاب:

  • فانتصار العراق في المعركة ضد التقسيم، وتجديد اللحمة الوطنية والترابية للقطر، وتكريس ذلك عراقيا وعربيا ودوليا، هو من دون شك حادث قومي كبير بالمقارنة مع الحال التي كانت قائمة عندما كان الشمال العراقي مسرحا لكل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة (إيران، تركيا، إسرائيل والولايات المتحدة) تتنافس فيه على مراكز التأثير والنفوذ، بينما تبدو بغداد مغيبة أو بعيدة كل البعد عما يجري على مرأى ومسمع منها!

حتى إذا تفجرت معركة "أربيل" وآن أوان الاستحقاق الوطني، انقلبت الصورة، ورأينا الجميع، جميع الآخرين، يلملمون أشياءهم على عجل ويولون الأدبار، فيما تتقدم قوى الوحدة الوطنية العراقية رافعة راياتها فوق ربوع الشمال وتلاله وجباله.

  • وما لا يمكن أن يقلّ عن ذلك دلالة وأهمية، هو أن تبادر العواصم العربية الرئيسية إلى تجاوز مخلفات "حرب الخليج" الثانية، لتتخذ- وبالضد من الإرادة الأمريكية- مواقف مستجيبة للمصلحة الوطنية العراقية وللمصلحة القومية العليا، إذ تعلن دمشق والقاهرة حرصهما الشديد على سيادة العراق ووحدة أراضيه وتدينان العدوان الأمريكي عليه.. فيما ترفض السعودية والأردن وبعض دول الخليج العربي استخدام أراضيها كمحطات انطلاق لذلك العدوان... ويصل الأمر إلى درجة أن حكام الكويت المسكونين بالحقد على بغداد، يضطرون لإبداء شيء من التردد العلني تجاه طلب واشنطن حشد خمسة آلاف جندي أمريكي جديد فوق الأراضي الكويتية!

إن هذين التطورين الإيجابيين يأتيان بعد أن ذاق الجميع مرارة المرحلة الماضية ونتائجها الخطيرة، ووجدوا أنفسهم نهبا لأطماع الأعداء والأصدقاء، يستفردون بهم كما يشاؤون ويبتزونهم كما يرغبون:

  • فالحماية الأمريكية لدول الخليج والجزيرة تحولت إلى عملية نهب وابتزاز مكشوفة فاقت تكاليفها- بما لا يقاس- التكاليف المحتملة للأخطار التي ُروج أنها جاءت من أجل درئها.. وتحولت نتيجة لذلك، تلك الدول التي كانت غارقة في البحبوحة النفطية إلى دول مدينة وعاجزة عن سداد متوجباتها في أوقاتها المحددة.
  • · وعملية السلام التي تولت واشنطن رعايتها بزعم أنها مسؤولة عن سيادة الشرعية الدولية في المنطقة ونزع فتيل التوتر وضمان العدل والاستقرار في ربوعها.. تحولت هي الأخرى إلى عملية فرض هيمنة أمريكية- إسرائيلية مزدوجة على القوى والأطراف والدول العربية المعنية بها... وذلك دون أن تتورع إسرائيل عن الإعلان صراحة أنها متمسكة بالأرض المحتلة التي كان يفترض أن ردها للجانب العربي هو ثمن تلك العملية.
  • هذا في حين أخذ تطاول الجوار على الأرض العربية أبعادا جديد مع استمرار إيران في احتلالها للجزر العربية في ذلك الخليج المدجج بآلة الحرب الأمريكية(؟!) وإقدام أريتريا على احتلال جزر عربية أخرى في مدخل البحر الأحمر، وشروع تركيا في مصادرة الحصتين السورية والعرقية من مياه الفرات، وإعلانها العزم على احتلال أراض عراقية لإقامة "حزام أمني" فيها.

وهنا يطالعنا السؤال الأساسي التالي:

-         هل تسمح القوى الدولية والإقليمية المهيمنة التي صنعت الانهيار العربي ووضعت مخططاتها على أساسه، بأن ينهض العرب من جديد وتتحول مقدمات مواقفهم الإيجابية الأخيرة إلى بداية حركة صعود من الهاوية؟

بالتأكيد كلا..

فما القصف الصاروخي الأمريكي للعراق بعيد معركة "اربيل" والإعلان عن توسيع منطقة الحظر الجوي، وتجديد الحشد العسكري في الخليج إلا جزء من مسعى التصدي العدواني لهذه الظاهرة العربية الإيجابية المزدوجة، والعمل على وأدها في المهد، أي قبل أن تستفحل وتتطور إلى ظاهرة عامة رسمية وشعبية تطيح بكل صيغ "التوازن القلق" الذي كانت تقوم عليه مخططات الهيمنة.

وإذا كان القصف الصاروخي قد فشل في تحقيق أهدافه (يقال إن الصواريخ الأمريكية التي أطلقت على بغداد كانت تستهدف الرئيس صدام حسين شخصيا.. وإن واشنطن قد لجأت إلى إنكارها كلية بعد أن فشلت في تحقيق ذلك الهدف).. فهذا لا يعني أن عملية التصدي قد ارتدّت بصورة نهائية.. وأن التحالف العدواني سوف يكف عن المحاولة، وبأشكال مختلفة أيضا. فالمصالح والمطامح الكبرى الواقفة وراء العدوان ستظل تدفع بكل ثقلها من أجل العمل وبأسرع ما يمكن لتطويق احتمالات اليقظة العربية الجديدة والقضاء عليها.

أما كيف..؟ وأين ؟ فثمة أكثر من احتمال أبرزها اثنان:

الاحتمال الأول: هو التلاعب بالموقف أو المواقف لاستكمال الحشد العسكري الأمريكي في الخليج من أجل القيام بعدوان جديد على العراق يستدرك نواقص العدوان السريع الماضي، ويتم وفق خطة أكثر تعقيدا وشمولا وأكثر وضوحا في أهدافها العسكرية والسياسية.

والاحتمال الثاني: هو أن يتحول هذا التحشيد العسكري الأمريكي في الخليج إلى خلفية أمنية وتضليلية لضربة عسكرية كبيرة في مكان عربي آخر، تنفذها إسرائيل هذه المرة.. وذلك بسبب ما يمكن أن تشكله معركة الانتخابات الرئاسية الحالية في واشنطن من قيود على حركة الإدارة الأمريكية. على أن يتم العدوان الجديد بالتنسيق الكامل بين الطرفين، تماما كما جرى في حرب الخليج الثانية عندما اقتضت ضرورات التحالف الدولي أن تلتزم إسرائيل بالهدوء وضبط النفس رغم ما تلقته من صواريخ عراقية، تاركة الدور للولايات المتحدة.

ولعل أول ما يجب أن نقرأه في الوضع العربي الحالي المبشر باحتمالات اليقظة، هو حقيقة أن وجود عراق قوي هو دائما قوة لسورية مهما كانت الخلافات بين النظامين الحاكمين في القطرين اللذين يشكل كل منهما عمقا استراتيجيا وقوة للآخر.. ولعل الفترة الماضية كانت خير دليل على ذلك، حين جرى إسقاط العراق من حسابات العنجهية الإسرائيلية في مواقفها من التسوية مع سورية، والوقاحة التركية في الإعراب عن أطماعها في المياه والأرض.

وعلى ضوء هذه الحقيقة، يمكن اعتبار انتصار العراق الحالي في المعركة ضد التقسيم، واستعادة التضامن العربي معه (ولو تدريجيا) وعودته من الشعارات إلى دائرة الفعل في الساحتين العربية والإقليمية، هو بنتائجه المباشرة توفير خلفية قوية للموقف التفاوضي السوري، سواء في وجه العدوانية الصهيونية المتجددة أو المطامع التركية..

فهل تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي، وهي ترى تباشير ولادة هذا التغيير الجديد؟ خاصة وإن دفة القيادة حاليا في إسرائيل هي بين أيدي أكثر قواها عنصرية وتطرفا؟!

على ضوء كل ما تقدم نرى أن ثمة احتمالا كبيرا في أن تستغل إسرائيل الأوضاع الحالية للقيام بعدوان جديد على سورية هدفه استباق التطورات العربية الإيجابية، وفرض أمر واقع لا يقتصر على ضمان التسليم بهضم الجولان المحتل، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق أهداف أوسع بكثير داخل سورية وداخل لبنان.. من أجل جعل الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة كلها هيمنة مطلقة ولا رجعة فيها... فليس ثمة شك في أن بعض قادة إسرائيل يمنون النفس بأن حذف القوتين العراقية والسورية من خارطة المنطقة سيتيح لهم فرصة فرض آرائهم ورغباتهم على الحكام العرب الآخرين بمجرد الإشارة أو بالهاتف على أبعد تقدير.. وربما بالفاكس!

أما الخطة الإسرائيلية التي يرجح اللجوء إليها من أجل تحقيق هذا الهدف فيستبعد أن تقتصر على مجرد إنزال ضربات شديدة القوة بمواقع عسكرية أو استراتيجية داخل سورية أو لبنان.. بل سوف تعمد بشكل رئيسي إلى محاولة تحقيق خرق وحصار لقطعات عسكرية سورية داخل الأراضي اللبنانية (أو حتى داخل الأراضي السورية) لضمان القدرة على فرض التعاون ومن موقع قوة، كما جرى بعد محاصرة الجيش الثالث على الجبهة المصرية عام 1973، وهو الأمر الذي أدى إلى ما لم تؤد إليه هزيمة 1967 بكاملها.

ويزيد من ترجيح هذا الاحتمال وجود شارون في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهو يميل بالتأكيد إلى تكرار نجاحه السابق عندما كان قائدا للقوات التي حققت الخرق في "الدفرسوار".

كما يرجح هذا الاحتمال ما يوحي بأن القيادة السورية قد وضعته في حسابها، حين أخذت في إعادة ترتيب وضع قواتها بشكل يحد من إمكانية تحقيق مثل هذه الخطة الاختراقية الإسرائيلية عن طريق هجوم سريع في قلب وادي البقاع اللبناني.

المهم، قبل كل شيء، هو تحقيق أوسع إدراك شعبي عربي لأهمية التطورات الإيجابية العربية التي لاحت مقدماتها في آفاق الحدث العراقي الأخير، وضرورة التشبث بها وتطويرها.. وإدراك خطورة ما يتربص بها من أخطار واحتمالات عدوان أمريكي أو إسرائيلي أو الاثنين معا.. والتهيؤ القومي الجدي لمجابهة مثل هذه الاحتمالات الخطيرة.

  • الحدث العراقي موضوع هذه المقالة هو استجابة القيادة العراقية لطلب النجدة الذي بعث به إليها السيد مسعود البارزاني إثر تقدم قوات الطالباني في حربهما الكردية- الكردية صيف 1996، وتهديده لوجوده وقواته في أربيل.. فكان أن دفعت بغداد بقوات مدرعة ضاربة إلى داخل المنطقة المحظورة أمريكيا، صدت بواسطتها قوات الطالباني وأنقذت البارزاني.. فاعتبر ذلك حدثا ذا معان كثيرة باعتباره تمردا على الحظر الأمريكي من جهة وإعادة لخلط أوراق التقسيم الذي كانت قد فرضته أمريكا على الوطن العراقي، من جهة أخرى.
  • كما أن هذه المقالة--كما هو واضح- هي واحدة من سلسلة مقالاتنا في تلك المرحلة والتي كانت، كلها، تنطلق من نقطة مركزية واحدة هي أن الهجمة الأمريكية على المنطقة في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي والتي تهدف إلى السيطرة عليها بكل مقوماتها، إنما كانت تتضمن في صلبها القضاء على مكامن القوة العربية وبالذات في العراق وسورية، لضمان التفوق الإسرائيلي، وتحقيق التسوية وفقا لموازين القوى التي يحققها هذا التغير الجذري في معطياته. وكانت هذه المقالات بمجموعها تناولا للموضوع بشكل يوضح هذه الحقائق ويدعو الأطراف العربية الرسمية والشعبية للاستعداد والتعبئة وتحمل مسؤولية مثل هذه المواجهة المصيرية.

تنويه: المقال موجود كذلك, في كتاب "تدمير سورية" الصادر عن دار نون4, عام 2014

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏