د. أسامة اسماعيل: ما بعد الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي مع إيران

بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مؤخراً، كان من المنطقي والضروري بالنسبة لـ"إسرائيل" أن تركز على صفقة الجولان ومحاصرة إيران في سوريا، خاصة وأن الهجمات الإيرانية على إسرائيل كانت تركز بشكل أساسي على مرتفعات الجولان، وعلى الأقل يمثل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي فرصة ذهبية لـ"إسرائيل" والتي من غير المرجح أن تكرر نفسها مرة أخرى، لقد ألغى ترامب الاتفاق النووي، رغم أن إيران كانت دقيقة في الوفاء بجزئها من الاتفاق، وهو أمر لم يسبق له مثيل. ولهذا السبب سيكون من الممكن توقع شراكة ترامب مع إسرائيل حول قضية الجولان.

ويرى "ريتاكاتز" وهو سياسي "إسرائيلي" يعمل حالياً عضو في الكنيست عن حزب الليكود ومنصب وزير النقل ووزير الاستخبارات والطاقة الذرية، في مقابلة مع رويترز في 23 مايو/ أيار 2018، أن هناك فرصة جيدة بأن يعترف الأمريكيون بجولان إسرائيل كأراضي إسرائيلية، وأن هذا سيكون رداً قوياً على إيران وجهودها لإقامة جبهة ضد "إسرائيل" في سوريا. وبحسب كاتز، فإن مثل هذه الخطوة من شأنها "معاقبة" العدوان الإيراني وإرسال رسالة واضحة إلى الرئيس السوري بشار الأسد، الذي سمح لإيران بتحويل بلاده إلى قاعدة لعمليات ضد "إسرائيل". كل هذا من شأنه أن يعزز قدرة "إسرائيل" على الدفاع عن نفسها.

كما أن الرئيس ترامب يدرك أهمية العمق الاستراتيجي فيما يتعلق بـ"إسرائيل"، وإن مرتفعات الجولان هي عمق استراتيجي حيوي في الاشتباك الأخير مع القوات الإيرانية حول مرتفعات الجولان، حيث أطلقوا 32 صاروخًا على إسرائيل، لكن أربعة منها فقط سقطوا فعلياً في الأراضي "الإسرائيلية" و تم إسقاطها بواسطة نظام، الدفاع العسكري المضاد للصواريخIron Dome، في حين معظم الصواريخ الآخرى سقطت في الأراضي السورية. فماذا كان سيحدث لو تم إطلاق هذه الصواريخ من هضبة الجولان بالقرب من بحيرة طبريا على البلدات والقرى "الإسرائيلية" في الجليل المحتل؟

وعلى ذلك، تأمل "إسرائيل" في الحصول على اعتراف أميركي وفق استنادها إلى حقيقة أن سيطرة "إسرائيل" على مرتفعات الجولان لا تنطوي على احتلال شعب آخر كما يحدث في الضفة الغربية أو كما حدث في غزة مع ملايين الفلسطينيين، حيث تعتقد "إسرائيل" أن الوضع الحالي في سوريا والجمع بين الظروف الحالية هو لصالحها ويخدم أهدافها المتمثلة في اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة "الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان.

الموقف الإيراني

تعتمد قدرة إيران على البقاء قرب حدود الجولان إلى حدّ كبير على روسيا، التي توفّر غطاء جوياً وقدراً من الردع لـ"إسرائيل". لكن، وكما يبدو الآن، إذا لم يرغب الروس بأن تهدّد إيران "إسرائيل" من الجولان، ستجد الجمهورية الإسلامية صعوبة جمّة في البقاء هناك.

على الجانب الإسرائيلي، فإن تل أبيب عازمة على منع إيران من استنساخ تجربتها في جنوب لبنان مع حزب الله في الجنوب السوري، بالنسبة لروسيا، فإن بقاء النظام السوري معتمداً عليها يصب في مصلحتها وقدرتها على تحريك الأمور فيما تراه يناسبها، وليس وجود إيران الحليف القوي للنظام السوري، مما قد يدفع إيران إلى عدم البقاء بعيداً عن تلك الحدود، لكن سياسة القوة والتوازن العسكري يشيران إلى أنه سيتمّ إبعادها بالفعل، سواء من جانب روسيا أو جانب إسرائيل أو كليهما.

وتتمثل الأهداف الإيرانية الرئيسية في سوريا الاحتفاظ بموقع عسكري متقدم ضد "إسرائيل"، وأن التخلي أو إبعاد إيران عن منطقة الجولان سيمثل انتكاسة قوية لطهران، خاصة في ظل توقيع الاتفاق الروسي الإسرائيلي حول إبقاء إيران وحلفائها بعيداً عن الجولان.

إن هذا الأمر لا يغيّر حسابات طهران طويلة المدى والمتعلّقة بقيمة استثماراتها الاستراتيجية في سوريا، فإيران تعرف حق المعرفة أن رياح المصالح الروسية والإسرائيلية والأميركية والسورية تجري بما لاتشتهيه سفنها. ومع أنها ستحترم قواعد اللعبة الجديدة في المدى القصير، إلا أنها ستواصل لعبة النفس الطويل وترسّخ وجودها أكثر فأكثر  بسياستها البراجماتية.

إجمالًا: يشهد الجنوب السوري صراعاً حاداً بين إيران و"إسرائيل" في فرض إمكانية السيطرة على هذه المنطقة، فالنسبة لإيران تمثل هذه المنطقة بمثابة ورقة ضغط كبرى على "إسرائيل" بسبب قربها الجغرافي منها والتي من خلالها تمثل تهديد مباشر لأمن واستقرار  "إسرائيل" أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

بالنسبة لـ"إسرائيل"، فإنها لا تريد استنساخ تجربة حزب الله في الجنوب اللبناني، الذي يشكل تهديداً مباشراً لأمنها وتعمل على تعزيز تواجدها في مرتفعات الجولان بالتعاون مع روسيا والتي تمتلك خيوط اللعبة داخل سوريا وبدعم من الولايات المتحدة.