ابراهيم الحمدان: قراءة في مقالة (رفع السرية عن النظام العلوي) للمفكر والدبلوماسي بهجت سليمان.. مع ردّ صاحب المقال
باديء ذي بدء لا بد من التنويه بأن المقال الذي أنا بصدد مناقشة بعض أفكاره أعتبره مقالاً بمجمله ذو قيمة فكرية وثقافية جميلة، خاصة أني من محبي الإستمتاع بقراءة التحليل السياسي إذا ما تحلى بالذكاء والجرأة، عندها يكون هذا التحليل بمثابة لوحة فنيه أستمتع بقراءتها وأحتفظ بها معلقة على جدران الذاكرة، كي أستحضرها كلما دعت الحاجة... ▪ في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثمّ بخاصّة في أوائل ثمانينياته، انضمّ إلى هؤلاء الرّاديكاليين الدّينيين المُجرمين، طائفة جديدة من القوى السّياسيّة التي كانت تعتبر نفسها حاملة للواء التّقدّم و الماركسيّة و الاشتراكيّة و القوميّة العربيّة.. و ما إلى ذلك.
و جميعنا يذكر ذلك "الحلف الأسود" بين زمرة واسعة من الشّيوعيين (فرع المكتب السّياسيّ للحزب الشيوعي السّوري "رياض الترك"، و حزب العمل الشّيوعيّ أو ما كان في حينها يُسمّى برابطة العمل الشّيوعيّ) و "البعثيين" الموتورين (الشّباطيين)، في أواخر سبعينيات القرن العشرين، و الذي ("الحلف") واجه الدّولة السّوريّة، جذرياً بخطابٍ طائفيّ لئيمٍ يتّهم فيه الدّولة و النّظام السّياسيّ بالطّائفيّة "العلويّة"..!؟
لسنا أيضاً هنا بصدد الوقوف على الوقائع اليوميّة للجرائم التي اقترفها هؤلاء بحق الأبرياء من المجتمع السّوريّ.)
انتهى الاقتباس
أما عن حرب السبع سنوات التي مازلنا نخوضها.. فالمعارضة ليس لها موقف ولا رأي وليس لها وجود كمعارضة سياسية. بل هي عبارة عن تجارب حزبية قديمة ماتت أو انتحرت وللأسف لم تدفن ولم يعلن عن موتها أحد لذلك أصدرت رائحة الجيفة وعفن الخيانة وتركت عظامها في الصحراء العربية ليركض إليها الكلب القطري والكلب السعودي وتنفخ فيها أمريكا وإسرائيل الروح وتحييها من جديد لتستخدمهم لمرة واحدة كخونة وطن ومرتزقة حروب ومن غير الصحيح تسميتهم بالمعارضة السياسية... رغبت أن ألقي الضوء على هذه النقطة بالتحديد لأني أحب الموضوعية بالطرح وأنا لا يظلم أحد فمن الظلم اتهام رابطة العمل بأنها وقفت مع الأخوان وساندت الأعمال الإجرامية للأخوان المسلمين فأرجو من الكاتب العزيز والصديق الأستاذ بهجت سليمان العودة إلى أدبيات تلك المرحلة والتأكد من المعلومة كي لا يظلم أحد وحتى تتمتع مقالته بالموضوعية.
***
أدناه ردّ د. بهجت سليمان
■ جواباً على نَقْدِك لحلقتنا الثالثة، من (حديث الثلاثاء) نقول:
1
▪ المقصودٌ ب"المثّقف" الذي تعترضون على تسميته هذه، التي نعمل دائماً على تفكيكها، هو ذلك النّوع الشّبيه بمن يحمل "الأسفار" و لا يدري ما هي مضمونات هذه "الأسفار"، و إن عرف ، مصادفة، ما فيها، لم يعرف كيف يستخدمها في "المطابقات" الظّرفيّة التي تحتاج الاستنباط الدّلاليّ و الفكريّ من "عموميّات" فكريّة و سياسيّة، يُحلّلها و يُتدرّج بها من جهله بالعالم و الفكر، إلى مستوى الممارسة النّظريّة..
▪ أوّلاً، بواسطة إعادة تأليفها السّياقيّ، و ثمّ:
▪ ثانياً، في الممارسة العمليّة باستخدامها الدّقيق كمرشد للعمل، بحيث لا يُمارس "المثقّف" فصاماته المحفوظاتيّة على واقع يجهله بالمطلق، لأنّه لا يتمكّن من الخوض فيه، معرفيّاً، بالمعرفة التي تتجاوز قشور "الثّقافة" الاستعراضيّة التي يُمارسها، عادة، المثقّفون العرب بمعظمهم، و بخاصّة منهم هواةُ الخلط الفكريّ و العبارة الرّنانة التي تصدم وعي القارئ أو المستمع، لتكون مدخلاً يحتقر وعي الشّعب، بواسطة تطبيق العبارة الرّنّانة على واقع غريبٍ عنها، فإذا بالضّحيّة هو الوعي الذي يعمل على استفراغه "المثقّف"، و الوعي الذي يهدف إلى إحداثه في "تغيير العالم".
2
▪ ينطبق الأمر على معظم "المثقّفين"، وفق تجربتنا معهم، منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين الماضي، و ظهور "موديلات" الماركسيّة العجماء التي لم يتمكّن أصحابها، العرب و السّوريون، من جعلها بنت البيئة و الحقل و المحيط.
3
▪ و أمّا عن لغة "التّعميم"، فنحن عادة ما ننقدها بحدّة و دقّة..
إلّا أن مسح "الظّاهرة" الاجتماعيّة – السّياسيّة و الفكريّة، لا يُمكن أن بغير طريقة "الاستدلال" الذي هو عكس "الاستنباط"، و ذلك في إطار عمليّة " الاستقراء " الفكريّة – المنطقيّة التي تتّجه من عموم "الظّاهرة"، في فينومينولوجيّتها المتعدّددة (ظاهريّاتها)، نحو تحجيمها الدّلاليّ و تكميمها النّوعيّ، و الخروج منها بأحكام أو حدود أو مفاهيم أو قوانين تعود من جديد إلى واقع إسباغها على العالم الواقعيّ في تعميمٍ محدّد بالمكان و الزّمان، و هذا هو "الاستقراء"...
هذا من حيث الشّكل.
4
▪ و أمّا من حيث المضمون، فلقد كانت معاصرتنا لظاهرة المعارضات الماركسيّة السّوريّة، مثلما كانت مع المعارضات الأخرى، الدّينيّة و الإسلاميّة و الفئويّة و العشائريّة و العائليّة و الجغرافيّة، في عمومها الذي كان هو نفسه "خلطة" متنافرة و عجيبة بين "أعداء" أيديولوجيين، و على "قلبٍ واحدٍ" في موقفهم الأعمى من "النّظام العلويّ"، كما سُمّي منذ ذلك الحين..
فيما أخذت اليومَ، شعارات "الثّورة" الفاجرة، هذه "المصطلحات" التي كانت جاهزة في "المخيال السّياسيّ"، منذ "السّبعينيات"، و التي كانت "المعارضات" السّوريّة المشبوهة قد أنجزتها و صدّرتها و سوّقتها في سُعار محمومٍ للأطاحة بالدّولة السّوريّة .
5
▪ لم يكن أحدٌ من "المعارضات" قد قام بتسميّة "النّظام" بالنّظام "العلويّ"، و النّظام "البونابرتيّ"، و النّظام "الدّكتاتوريّ"، قبل أن تقوم "الرّابطة" (رابطة العمل الشّيوعيّ، و لاحقاً حزب العمل الشّيوعيّ!) بهذه "المهمّة" السّخيفة الرّعناء.
6
▪ كنّا في حينه، في السّبعينيات، نجتمع مع "معلمي" رابطة العمل الشّيوعيّ و مؤسّسيها، حصراً، و هم إثنان أو ثلاثة.. كما قد اشتهر عن تاريخها الخاصّ (من دون أن نذكر، هنا، أسماء!) و كانت تجمعنا إليهم علاقة من علاقات الودّ الشّخصيّ الموسوم بالتناقض السّياسيّ العميق من جانبنا، و بالحقد الهائل و اللئيم من جانبهم، على الدّولة و على "النّظام الطّائفيّ" (العلويّ)، وفق اكتشافاتهم السّخيفة؛
و كنّا نقضي عشرات السّاعات في أحاديث لم يكن يُدركها، بعد، هذا الجيل الجديد، حيث لم يكن قد شبّ، بعدُ، عن الطّوق.
7
▪ كانت مواقف "الرّابطة: رابطة العمل الشيوعي" أشدّ طائفيّةً و صبيانيّةً سياسيّة من غيرها، حتّى من التّنظيمات الإسلاميّة الرّجعيّة الموتورة، على رغم ما اشتهر و عرف، فعلاً، من ثقافة "المؤسّسين"، و لكنّها (كما قلنا في المقدّمة) بقيت على ما هي عليه "محفوظات نظريّة" لم ينجح أصحابها من استخدامها في ممارسات واعية مطابقة، فمسخوا الماركسيّة – الّلينينيّة إلى مجرّد مصطلحات من كتاب "الثّامن عشر من بروموير لويس بونابّرت"(!) و غيره من المؤلّفات الغريبة عن عالمنا، و التي لا يربطها بمجتمعاتنا سوى رغبة بعض "مثقّفينا" بأن يكونوا "لينين" عصرهم المسفوح(!)، فيما الأَولى أن يكونوا أنفسهم و أن يكونوا في مجتمعهم، من دون أحقاد و خواءات و أوهام و آمالٍ بهلوانيّة لا ترتقي إلى أحلام " الصّبيان".
8
▪ في تلك "الظّروف"، قدّمت "الرّابطة" العُدّة النّظريّة، الممسوخة و المعطوبة، الكاملة لتجمّع "المعارضات" الرّجعيّ الأسود، و "ناضلت" "نظريّاً" و "عمليّاً" مع المستوى السّياسيّ الواحد لباقي "المعارضات"، فيما كانت (الرّابطة) أشدّهم، رجعيّة، في رأينا، هذا إذا كان تعريف الرّجعيّة المعرفيّ هو التّخلّف عن الواقع و العيش في موضع عُصابيّ واحد و جامد و مُلتاث الأهداف و واهم الحاضر و المستقبل؛ و ليس هذا فقط..
بل لقد كانت طروحات "الرّابطة" هي "الطّروحات" الأكثر "فصاحة" في تسمية "النّظام" بالنّظام "الدّكتاتوري" و "الطّائفيّ"، بصراحة الأحاديث التي كانت تصدر عن "المؤسّسين"، و بصراحة "الأدبيّات" السّياسيّة للرّابطة و التي كنّا نقرأها جميعاً، على ما هو مفترضٌ أن يكون معلوماً و مفهوماً لدى الجميع.
9
▪ و لكن ما هو معنى أن تقوم "الثّقافة" الغبيّة المحدودة لِ"الرّابطة"، بوصف "النّظام" بالنّظام الطّائفيّ، إن لم يكن قصدها ينصرف، حصراً، إلى تسميته بالنّظام "العلويّ"؟ و هل هذا ممّا يحتاج إلى جدال؟!
10- و يبقى، أخيراً، لنا سؤال:
ما هو الاندماج السّياسيّ و التّنظيميّ و الغائيّ مع أطراف "الحلف الرّجعيّ الأسود"، السّبعينيّ و الثّمانينيّ، الشّهير، إن لم يكن "الاندماج" على هذه الشّاكلة، على الأقل؟
رابط مقال: رَفْعُ السّريّة عن (النّظام العلويّ!).. و لكن على الطّريقة الوطنيّة.. http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/19167-%D8%B1%D9%8E%D9%81%D9%92%D8%B9%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%91%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%91-%D9%88-%D9%84%D9%83%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%91%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A7%D8%A1-3.html
