وَصْفَةٌ فيسبوكيّة افتراضيّة تَخُصّ أسد بلاد الشام رئيس الجمهوريّة العربيّة السّوريّة الرئيس بشار الأسد!
كتب الدكتور بهجت سليمان
من حينٍ إلى آخر أقوم بجولة شاملة و عامّة على صفحات فيسبوكيّة مختلفة لا تربطني بأصحابها أيّة علاقات افتراضيّة أو واقعيّة.
أقوم بذلك، لأسبابٍ عامّة و شخصيّة ترتبط بقناعاتي الصّريحة التي دعتني إلى أن أكتشف زور الحياة الاجتماعيّة و الكثير من جوانب الحياة العامّة و قلّة ذوق الشّأن العام و انتشار مشاعر التوحّش و ذوبان الثّلوج و ظهور خِرءِ المروج..
المهم! لقد اكتشفت في هذه الجولات أشياءَ غريبة جدّاً في المجتمع السّوريّ، على أساس أنّ هنالك شيئاً يسمّونه (النّخبة الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة) و هي، على الأغلب، تنشط فيسبووكيّاً و تعبّر بشكل ما عن أبرز الشّخصيّات الاجتماعيّة و المؤثّرة في الرّأي.
و كان ممّا اكتشفت ما يلي:
1• مجتعنا - حسب عملية السّبر الفيسبوكي - (التي قد لا تكون دقيقة) بمعظمه، ضيّق و صغير و ضحل و متشرذم بشدّة، و يزداد تشرذمه بالأمراض الدّينيّة و المذهبيّة و الطّائفيّة و الجغرافيّة (المناطقيّة…) و العشائريّة و العائليّة، ناهيك عن الأحقاد الخاصّة و الشّخصيّة و الحسد و الّلؤم و القذارات التي تشكّل فضلات هذه الوساخات.
2• يشتغلون بقيادة الجيوش و الحروب و بالسّياسة و بالدّبلوماسيّة.. و الفلسفة و الفكر و العلوم النّظريّة و التّطبيقيّة و التّربية و الإعلام و علوم الاجتماع و علوم الأنثروبولوجيا و فقه الّلغة و التّشريع القانونيّ و الشّرائع الدّينيّة و ممارسة القضاء و إصدار الأحكام النّهائيّة المحصّنة بقوّة القضيّة المقضيّة.. وعلوم كثيرة أخرى لا أذكرها كلّها الآن؛ و الأهمّ أنّهم يشتغلون بهذه العلوم دفعة واحدة، و لو كانوا أمام أمرٍ يقتضي تعبيراً وجيزا من مثال أن نقول توقّع حركة و اتّجاه الرّيح في الصّحراء المكشوفة..!؟
3 • مجتمعنا يوحي أنّه، مجتمع حسود و حقود و محدود و أحمق، و من فيه يتطلّعون إلى شغل مناصب غيرهم، مع العلم أن بعضهم لا ينقصه تاريخ المناصب، أو أنّه يرغب بقرارات رئاسيّة جمهوريّة لإقصاء البعض - و هذا البعض أيضاً هو بعضٌ رديء - و حلولهم محلّ هذا البعض الذي يُقيم في مؤخّرة العمل، و ليس قائماً على رأس العمل.
4• الغالبيّة، إن لم يكن الجميع، يرى في نفسه مقدرة استثنائيّة على قيادة الدّولة و المجتمع، و هؤلاء يُخاطبون السّيّد رئيس الجمهوريّة، مباشرة، حتّى أنّهم يبدون و كأنّهم يقولون له "لو أنّنا مكانك... إلخ، لكنّا فعلنا كذا و ذا"..، و يعني أنّ كلّاً منهم عينه على أن يكون رئيساً للجمهوريّة العربيّة السّوريّة! أجل و باختزال.
5• الجيع في هؤلاء هو ضدّ الجميع، فلا أحد يرى نفسه فوق أو تحت.. كلا! و إنّما هم يرون أنفسهم، و كلّ منهم على حدة، أنّ كل فرد منهم هو ظاهرة وطنيّة أو ربّما ظاهرة عالميّة، بل و ظاهرة كوكبيّة أو فلكيّة.
6• الجميع فيهم تقريباً ينتقدون الدّولة و الحكومة و كلّ شيء، إلّا أنّهم، يحتمون بتملّق السّيّد رئيس الجمهوريّة، و هذا، أيضاً، مع أنّ بعضهم كانوا يوماً ما في مكانٍ مؤثّر و لم تتجاوز سعتهم أو سمعتهم في طيران صيتهم أبعد من الكرسيّ أو خارج آذان السّماسرة خاصّتهم و الأصدقاء و الأذنة و الحجّاب و حولهم و في بيوتهم و ربّما في مضاجعهم الحميميّة أيضاً!
7• جميعهم - و هذه المرة ليس غالبيّتهم - يمتلكون رؤى استراتيجيّة و خططاً مئويّة و برامج تنمويّة "يستطيعون" بها تجاوز حتّى (مهاتير محمّد).
8• من الضّيق أحياناً أن أتحدّث على أشخاص، و لو أنّ حديثي هو على ظاهرة و ليس على أشخاص و وقائع فرديّة بعينها، و من الضّيق أن أستطيع حتّى القراءة في صفحات أولئك المزايدين الجهلة الأمّيين، و ذلك لأنّهم:
9• في الحديث الواحد لأحدهم، تراه "وطنيّاً" و "علمانيّاً" و "مدنيّاً"، و أيضاً "متديّناً" و "طائفيّاً" ينهشه الحقد و الحسد في غليلٍ لا يُشفيه دواء.
10• و " الوصفة" التي يحلم بها هؤلاء، بِ"عظمتها" من "تضحيّة" و "إنكار للذّات"! هي تفكير السّيّد رئيس الجمهوريّة أن "يستقيل" لهم (لهم!) من عمله كرئيسٍ للجمهوريّة، ليقوموا بالعمل على إنشاء دولة "جديدة" في سورية تكون قيادتها مسؤولية جماعيّة تضمّ حوالي.. (مائة ألف شخص) من هؤلاء على الأقلّ!
لعلّ الأيّام تعود بنا إلى ما قبل هذه الحرب، لنخوض من جديد، هذه المرّة، حرباً أهليّة بحقيقة و بحق، و حرباً تجعل تاريخ سورية مأثرة من غُبار.
***
فعقّب الأستاذ ابراهيم الحمدان
سعادة السفير..
المجتمع المدني السوري الذي بين ليلة وضحاها استفاق على حرب لم يسبق أن عاصرنا أحداث بوحشيتها..
أو حتى رأينا بوحشيتها في أفلام هوليوود.. قد نكون قرأنا في التاريخ القديم عن توحش المغول والتتار.. لكن كنا نقرأها على أنها زمن بائد لا يمكن أن يتكرر في زمن الإدعاء بالتحضر البشري.. ولا يمكن أن تتكرر في ظل شعارات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وفي زمن وجود حقوق للحيوانات في الدول التي تحقق رفاهها على حساب دمنا.. ما رأيناه من توحش من ثوار تورا بورا.. كان توحش مدروس ومبرمج ومخطط له من خارج سوريا.. لخلق فعل إجرامي وردة فعل عليه للوصول لحرب أهلية وطائفية.. وهذا لم يحدث بسبب الوعي الفطري للناس.
الإجرام الذي مارسه الثوار وأخذ شكل قطعان بشرية هائجة ومائجة تحاصر شخص ما.. أو عائلة ما.. أو مجموعة ما... وتمارس النهش والقتل البطيء... فمن منا يستطيع نسيان منظر نضال جنود في بانياس حين حاصرته ضباع الثورة وهم يجرونه ويطعنونه وكأنه فريسة تحاصرها الضباع... من منا يستطيع أن ينسى موظفين وموظفات تم رميهم من فوق مؤسسات الدولة لأنهم يعملون بها.. من منا ينسى منظر ضبع يجثو فوق فريسته ويأكل قلبه لأنه جندي من جند الوطن... حكايا لا تمحى من الذاكرة قرى بأكملها أبيد أهلها في قرى حماه وحمص واللاذقية.. من منا يستطيع نسيان قطع الرؤوس وسحل الجثث وتقطيع لحم البشر.. وصل الحال بمن يحاصره ضباع الثورة أن يفجر قنبلة بعد أن يجمع أفراد أسرته ليموتوا موت رحيم.. لأن الموت بات أرحم من الوقوع بيد هؤلاء الضباع.. فمن منا يستطع نسيان ما حدث بعدرا العمالية.. أو جسر الشغور أو فوق كل ذرة من تراب الوطن.. كل ما حدث كان مخطط ويتم تصويره بالكاميرات ليدب الرعب بين الناس لتحطيم المعنويات وشل الحياة وخلق الفوضى واستحضار ردود فعل طائفية... الجيش الحر أول البادئين بتلك العمليات الإجرامية.. ولم تكن داعش قد خلقت بعد.. وبعد خلق داعش أخذت الأمور شراسة أكبر وأشد دموية... ما سبق لمحة موجزة لأحداث الجميع يتذكرها والتي لا تشكل واحد بالمئة من وجع ما حدث والذي كان أكثرها وجع قتل أطفال المدارس.. وسبي النساء واغتصابها قبل قتلها.. الأكثر وجع كان سحب الأجنة من أرحام أمهاتها وذبح الجنين قبل الأم... كنا حينها قلة قليلة التي تكتب.. كنا نكتب ونبكي مع كل حرف نكتبه.. كنا نكتب موتنا.. ذبح أطفالنا... وكان الناس بصمودهم وصبرهم يعبرون عن وطنية لا مثيل لها.. كانت الأم ترسل أطفالها إلى المدرسة تحت القنص.. وكانت المدرسة تذهب إلى عملها وهي مهددة بالخطف أو القتل.. كان عامل الكهرباء يخرج ليصلح ما فجره الحاقدون تحت انظار حقدهم.. معظم السوريين لم يستسلموا للموت والقتل.. معظم السوريين حملوا سكاكين المطبخ او بنادق صيد ليحموا أحياءهم وبيوتهم وعائلاتهم.. لم ينهاروا.. لم يستسلموا.. بل حولوا كل مخططات العدو لخلق حرب أهلية أو طائفية إلى انتصار وطني عظيم.. تلاحموا مع الجيش.. ورفعوا راية النصر... هؤلاء الناس هي من صنعت النصر وكان لا يجمعها حزب سياسي ولا يجمعها وعي نظري ولا كانت نخبة ولا كانت تدعي الثقافة.. إنهم أبطال الحرب وصناع النصر.. هؤلاء الناس جمعهم ثقتهم بالوطن وثقتهم بالجيش العربي السوري وجمعهم حبهم وثقتهم برئيس شاب اسمه بشار الأسد.. الناس لم تصمد لأنها مؤمنة بحزب ولا بمسؤولين سياسيين أو أمنيين.. بل كانت ثقتها بأن الانتصار سيكون مع الأسد باسمه وشخصه.. هي الحرب التي خلقت أبطال.. هي الحرب التي جعلت الناس تشعر انها صاحبة الانتصار.. هي الحرب التي جعلت من لم يتكلم بالسياسة طيلة حياته يشعر بأنه معني بالوطن والسياسة.. آفة الطائفية التي حاول العدو جرنا إليها وفشل فشل ذريع بدليل أنه رغم كل ما حدث نجد من يتكلم بالطائفية بطريقة الخائف منها.. والمنتقد لها.. أو حتى المجروح منها.. لكن لم يحمل احد سلاح وينتقم طائفيا.. بل العكس صحيح إن من هرب من جحيم الإرهاب لم يخف أن يلجأ إلى قرى وبلدات المختلفين عنه طائفيا.. ولم يحصل حادث واحد يشير إلى انتقام طائفي.. نظرية النخبة سقطت.. ومن صنع النصر هي المواطنة والمواطن الغير مسيس.. نعم الآن على وسائل التواصل الاجتماعي ترى ما هب ودب.. واختلط الحابل بالنابل رغم أني أذكر أثناء الحرب كنا عدد صغير ومحدود من يكتب ويحلل بالسياسة.. أما الآن قفز من يعتقد أنه إن كتب وتملق قد يقطف جزء من النصر.. لكن من يعتقد هذا فسيكون واهم... لأن تاريخ السبع سنوات لا يستطيع أحد تزويره... من خان الوطن واضح ومن وقف على الحياد واضح ومن قفز مؤخرا ليقطف النصر واضح... سعادة السفير..
و لكنّ مقالنا اليوم، قارَبَ الأمْرَ من زاوية جديدة لم يُقارِبْها سابقاً.. وهي زاوية تلقي الضوء على واقِعٍ ليس من الإنصاف التَّسَتُّر عليه..
ولكن وجود هذا الواقع المؤلم، بل ورغم وجوده، استطاعت سورية الأسد، أن تصنع المعجزات خلال السنوات السبع ونصف الماضية.
