مُلخّص كتاب و دراسة سامي كليب: خطاب الأسد من الإصلاح إلى الحرب.. أسرار – تحليل – توثيق

أوّلاً – ملخّص الكتاب

- المقدّمة:

ألقى الرّئيس السّوريّ بشّار الأسد خطابه الأوّل في 30 آذار/ مارس 2011م، بعد نحو ثلاثة أسابيع على حادثة اعتقال فتيان درعا إثر كتابتهم شعارات معادية للنّظام؛ و كان الخطاب قد جاء بعد اندلاع أولىالتّظاهرات الاحتجاجيّة المنظّمة التي عرفت في 18 آذار/ مارس باسم "جمعة الكرامة"، و ما تلاها من حوادث أمنيّة و سقوط قتلى و جرحى، لتبدأ في سورية حرب تقاطعت فيها، منذ أشهرها الأولى، كلّ التّناقضات الدّاخليّة و الخارجيّة و الإقليميّة و الدّوليّة؛ و صار الأسد أحد أبرز محاور الصّراع و الانقسام الدّوليّ. رحيله مطلب أطلسيّ –تركيّ – خليجيّ – إسرائيليّ، و بقاؤه عنوان لانتصار محور المقاومة.
توالت تظاهرات أيّام الجمعة و سقط فيها قتلى، و صار الاهتمام متركّزاً لمعرفة مصير الأسد. اعتبر الأسد أن ما يجري مؤامرة ضدّ بلاده، و كان موقفه مخالفاً لما توقّعه المعارضون و مؤيّدوهم و داعموهم و دول أخرى.


سعى الأسد منذ الخطاب الأوّل للتّمييز بين الشّعب الذي اعتبره إلى جانب الدّولة، و الآخرين الذين يخرجون على النّظام و الدّولة؛ و صار "الخطاب السّياسيّ" للأسد محوريّاً أساسيّاً في سياق الأزمة، ثم الحرب على سوريا، و انقسم العالم تبعاً لذلك.
نعمل في هذا الكتاب على تفكيك خطاب الأسد معرفة مدى أن يحافظ رئيس دولة على ثوابت خطابه؛ فلقد بقيت القضايا الخلافيّة الجوهريّة في خطٍّ بيانيّ تصاعديّ و لم تغب عند الأسد ع أي خطاب أو لقاء تلفزيونيّ، من حيث رفض الإخوان المسلمين و اعتبار معارضة الخارج عميلة للغرب.

القسم الأوّل:
بين ثوابت و متغيّرات الرّئاسة السّوريّة
الخطاب االسّياسيّ، المفاهيم و المناهج

الفصل الأوّل
الخطاب السّياسيّ، و خطاب الأسد

- خطاب الأسد بين الفطريّ و المكتسب و الأكاديميّ:
عند أوّل لقاء لي بالأسد في باريس، حيث استقبله جاك شيراك قبل أشهر من أن يُصبح رئيساً، شعرنا بلغة سوريّة جديدة. الرّجل يقول كلّ شيء دون مواربة، و شفافيّة الإجابات و سرعة البديهة. يبدو ذكيّاً أكثرممّا توقعنا؛ و عندما التقيته مرّة ثانية في دمشق، و كانت الحرب قد بدأت تمزّق الجسد الشوري، فوجئت بعد 12 عاماً أنّ الرّجل لم يتغيّر منذ لقائنا في باريس.
غادرت مكتبه و أنا أتساءل عن خبرة هذا الرّئيس، و ما الفرق بين خطاب الأب العرّاب و خطاب الإبن، كما تساءلت حول أراء الغرب فيه و قول هيلاري كلينتون بعد أربع سنوات من القتل و الدّمار في اعترافها في كتابها "خيارات صعبة"، إنّ نظام الأسد كان آيلاً إلى السّقوط و لكن تبين لنا أن مصلحة روسيا كانت تقتضي بالمحافظة على النّظام، مع أنّها تروي الكثير عن الضّغوط التي مورست على الأسد من قبل أميركا و تركيا و دول الخليج، فيما أكّد دبلوماسيون و كتاب غربيون أنّ ثمّة مؤامرة تضرب سوريا، و ليس للأمر علاقة بالإصلاح و الدّيموقراطيّة، حيث كان كلّ من يحاول تقديم و جهة نظر موضوعيّة، يتّهم بمحاباة النّظام؛ و لكنّ الجميع لم يُقدّر قوّة النّظام.

- الخطابة عند العرب، التّشابه بين حافظ و بشّار:
احتاج العرب إلى الخطاب لتكريس السّلطة ثمّ تطوّر الخطاب كثيراً مع دخول الإسلام. اختلفت التّعريفات حول "الخطاب".
لاحظنا على خطاب بشار الأسد أنّه يخرج كثيراً عن المفهوم التّقليدي للخطاب، فهو خطاب بارد و غير عاطفي و يحمل أفكاراً و وقائع و يربط بين الوقائع و المسبّبات و النّائج؛ و من هنا نحن بحاجة على وسائل قادرة على تفكيك هذا الحطاب و معرفة ما يَضمر الأسد و ما يُصرّح عنه و يسكت عنه، و ما هي العوامل التي جعلته بارد التّعبير غنيّ التّبريرات.
يربط (أرسطو) الخطابة (الرّيطورية) بالإقناع. و هكذا عمل الأسد منذ اندلاع الحرب على إقناع النّاس بصوابيّة تحليله للمؤامرة، و التّأثير فيهم للسّير في ركب الدّولة و ليس ضدّها؛ و كذلك ورد التّعريف القرآني للخطاب من خلال ربطه برسالته الإقناعيّة و الأخلاقيّة و الإنسانيّة.
ليس الأسد منعزلاً عن البيئة التي عاش فيها و لا يمكن فك ارتباطه العضوي و العائليّ بينه و بين والده حافظ الأسد. الخطاب عند البعض أوسع من النّصّ. و الفارق بين الخطاب حافظ الأسد و خطاب بشّار الأسد أنّ خطّا الأب كان طويلاً أما خطابات بشّار الأسد فهي متوسّطة الطّول. استمرّ بشّار الأسد بمخاطبة النّاس بمصالحهم المحلّيّة و القوميّة، و لكن بشكل أقلّ عاطفيّة من خطابات حافظ الأسد. أمّا مخاطبة الجيش و البعث فإنّ لها في سوريا بعدها السياسي و الديموغرافيّ، و لهذا يختلف الخطاب في سورية عن خطابات أخرى في دول عربية أخرى أو في الدّول النّامية التي ما يزال بعضها يلعب على الوتر القبليّ و العشائريّ كما في اليمن و العراق و ليبيا وغيرها.

- خطاب الأسد ضروريّ... و لكن:
مثلما انحصر خطاب حزب الله في شخصيّة السّيد حسن نصر الله في سياسة صمت إعلاميّ و قياديّ، كذلك تولّى الرّئيس بشّار الأسد مهمّة التّعبير عن السّياسة السّوريّة في الدّفاع و الهجوم، بينما انحسر كثيراً دور القيادات الأخرى.
أمّا أنا فأميل إلى الرّأي الثّاني و هو وضع استراتيجيّة خطابيّة شاملة يتمّ توزيع الأدوار فيها، شرط أن تستند على معلومات و وثائق مهمه، و بخاصّة في عصرنا و ثورة وسائل التّواصل الاجتماعيّ، و في وثائق ويكيليكس لجوليان أسانج مادّة دسمة لكلّ الخطابات السّياسيّة لمحور المقاومة و للمعلّقين السّياسيين الذين يدافعون عنه؛ و كذلك الأمر في الدّور الأميركيّ و الإسرائيليّ الذي كان يُساعد التّركيز عليه كثيراً خطاب في تعزيز الخطاب السّياسيّ و الإعلاميّ لمحور المقاومة، و في العامل الثالث الذي بقي ضعيفاً أيضاَ و هو الاكتشافات الهائلة الموعودة في السّاحل السّوريّ في الوقت الذي كان فيه أصدقاء سوريّة يعقدون الصّفقات الاقتصاديّة المعقّدة مع خصوم سوريا، مثل الصّفقة الرّوسيّة القطريّة، و التّعاون الإيراني القطري و التّركي، و التّعاون الرّوسي و التّركيّ تحت ذرائع مختلف منها تحييد الدّوحة و أنقرة عن الصراع السوري أو على الأقلّ التّخفيف من حدّة تورطهما فيه؛ فيكان يؤكّد مرشّح اليسار لانتخابات الرّئاسة الفرنسيّة جان – لوك ميلانشون أنّ الحرب في سورية ليست دينيّة و إنّما هي حرب غاز و أنابيب نفط.
من جانب آخر قدّمت المعارضة السّوريّة هدايا ثمينة للقيادة السّوريّة، حين فوّتت على نفسها فرصة عربيّة لإنتاج نموذج معرض يُحتذى به، و مع ذلك لم يُستغلّ ضعفها هذا استغلالاً ناجحاً في الخطابين السّياسيّ و الإعلاميّ، و ذلك
في هفواتها و اندماج اليسار فيها مع أقصى اليمين، و في إدانة المعارضة لنفسها في كثير من الأحيان.

الفصل الثّاني
الخطاب السّياسيّ و أسلوب الأسد
الخطاب وسيلة هامّة للسّلطة و استمرارها و زوالها، حتّى أنّ البعض يقول "إنّ الهويّة ذاتها، بمعناها الواسع، هي خطاب"؛ و هو انعكاس لذات الخطيب و ذوات من يُمثّل، من خلال ما يعكس النّظرة إلى الحياة و المجتمع و طبيعة الصراع؛ و لقد حدّد الرّئيس بشّار الأسد في مؤتمر حزب البعث هذه الهويّة من خلال الانتماء البعثيّ و العروبيّ. و يُفهم من خلال ذلك أنّ بشّار الأسد سيحافظ على التّركة السّياسيّة و الحزبيّة الكبيرة و تطويرها لتبقى أساساً في العمل القوميّ العربيّ أو السّياسيّ المحلّيّ؛ فثوابت خطاب الرّئيس السّوريّ تعود إلى الأيديولوجيا البعثيّة أو إلى التّركة لسّياسيّة التي أورثه إيّاها والده حافظ الأسد، مع المتحوّلات في المجال الاقتصاديّ التي بدت منذ خطابه الأوّل، أو في مجال الانفتاح و الحداثة من دون المساس بأسس النّظام الحاليّ، أو بالثّوابت البعثيّة أو القوميّة أو العروبيّة، مع إدراكه أهمّيّة المظهر الخارجيّ بالنّسبة إلى الخطاب. فالهدف الأوّل للخطاب السّياسيّ هو التّأثير في الجمهور.
بشّار الأسد هو المصدر الأوّل لأفكار خطاباته، مع أنّه يستشير مجموعة من ذوي الخبرة السّياسيّة و الدّبلوماسيّة و الإعلاميّة بحيث يقدّمون له أفكاراً إضافيّة يختار منها المناسب؛ فبشّار الأسد ليس شخصاً سهل الإقناع، فأسئلته كثيرة دون الإقناع.
يكتسب الصّمت في الخطاب السّياسيّ أهمّيّة كبيرة حين يقول أكثر ممّا تقوله ملفوظات الخطاب. و لكنّ الصّمت لا يقتصر على هذا الأمر، فهناك أنواع كثيرة و لها مدلولات متنوّعة. ليس ضروريّاً أن يقول الخطاب كلّ شيء، فالمسكوت عنه يترك مجالاً أوسع لمتلقي الخطاب من ااتّفسير و التّحليل، تماماً كما أنّه قد يُربك الخصم، و يسمح برصد ردود الفعل المبنيّة على غموض الخطاب، كما هو الأمر مثلاً في تجاهل بشّار الأسد حديثه عن المعارضة السّوريّة باعتبارها أدوات إقليميّة و غربيّة لا تأثير لها في االدّاخل كما هي تريد؛ فأنواع الصّمت كثيرة، فمنها ما هو متعمّد في الخطاب، و هو الصّمت الحمائيّ؛ و منها الصّمت التّحاوريّ، و الصّمت الشّاجب أو التّهميشيّ أو الّلامبالي، و منها صمت الخوف، و منها صمت المناسبات، و صمت تجنّب إحراج النّفس، و صمت عدم إحراج الآخر، و صمت الغموض المتعمّد أو الغموض البنّاء، و صمت الضّعف أو التّهديد، و صمت الاحترام أو الخشوع، و الصّمت البلاغيّ أو التَّقنيّ، و صمت الأسلوب، و الصّمت المرضيّ، و الصّمت كردّة فعل مباشرة أو انزعاج.

- غسل الدّماغ غربيّ، و الضّحيّة سورية
استخدم تعريف الدّيموقراطيّة على أنّها "حكم الشعب بالشّعب لأجل الشّعب"، و قد استخدم هذا التّعريف الرّئيس الأميركيّ (إبراهام لينكولن) بشكل خاصّ. بعض الدّول قاربت هذا الشّعار، و بعضها الآخر حوّل الدّيموقراطيّة إلى حكم الشعب بعيداً عن الشّعب و ضدّ الشّعب. في الحالتين لا تقوم الدّيموقراطيّة الفعليّة أو الدّيموقراطيّة الفعليّة أو المزيّفة بلا دعاية سياسية.
لاحظنا منذ الأيام الأولى للحرب في سوريا و عليها (خصوصاً عليها) أنّها تحرّكت آلة إعلاميّة هائلة ضدّ القيادة السوريّة و بشّار الأسد، و رفعت شعارات تدغدغ عقول الجماهير: الحرّيّة، الدّيموقراطيّة، إسقاط النّظام، و أغمضت العيون لدى السّياسيين و النّخب في الغرب و وسائل الإعلام عن أنّ معظم تلك الدّعوات لتحريك النّاس إنّما صدرت من المساجد و رفعت أيضاً شعارات دينيّة تناقض تماماً ما هو قائم عند الكثير من الدّول التي اجتمعت لإسقاط النّظام السّوريّ تحت لواء ما سُمّيت بِ"مجموعة أصدقاء سوريا". إنّ خصوم بشّار الأسد يسيطرون على 80% من وكالات الأنباء العالميّة، و بدلاً من أن تبقى وسائل الإعلام شبه موضوعيّة و محايدة في الفتنة التي نخرت نخراً الجسد العربيّ، فإنّها صارت مطيّة مطواعة للسّياسيين و للمشاريع المشتبه فيها.
يقول (نعوم تشومسكي): "إنّ الذين يديرون وسائل الإعلام يصرخون عالياً و بقوّة بأنّ خياراتهم التّحريريّة تستند إلى خصائص غير منحازة، و إلى مهنيّة و موضوعيّة، و هو ما يوافق عليه المثقّفون. لكن يبدو على نحو واضح أنّ القوى الكبرى هي في موضع يسمح لها بفرض نسيج الخطابات و تقرير ما ينبغي للشّعب البسيط أن يراه و يسمعه و يفكّر فيه. و هي التي تدير الرّأي العام عبر حملات البربوغاندا. هذا يعني أنّ الفكرة المتعارف علها و المقبولة لعمل النّظام ليس لها أي علاقة بالواقع".
يضعنا (تشومسكي) أمام العلاقة المعقّدة بين الطّبقة السّياسيّة في المجتمعات الحديثة و بين وسائل الإعلام و التّواصل الاجتماعيّ.
يُعرّف قاموس "لاروس" الفرنسيّ "البربوغاندا" بأنّها: "عملاً متواصلاً يُمارس على الرّأي العامّ لجعله يقبل بعض الأفكار و النّظريّات خصوصاً في الحقل السّياسيّ أو الاجتماعيّ".
و لا شكّ أنّ وسائل الإعلام هذه هي جزء من هذا العمل المتواصل الذي يستطيع السّياسيّون و مراكز الضّغط الاقتصادي و السياسي توظيفه لمصلحتهم.
هكذا نلاحظ مثلاً أنّه في الانتخابات الرّئاسيّة للعام (2014م) استخدم مؤيّدو الأسد و مناهضوه الدّعاية وبحملة دعائيّة تحمل إسم "سوريا تنتخب"، و الدّعاية المضادّة التي استخدمها المعارضون و التي حلت إسم "وطّي صوتك". و نحن هنا أمام فعلين من أفعال البراغماتيّة في الدّعاية السّياسيّة. و هذا ما يُسمّيه البعض بِ"غسل الأدمغة"، بما في ذلك استخدام عبارات الجذب المستندة إلى موروثات اجتماعيّة كالعصبيّات المذهبيّة و الطّائفيّة أو المنطقيّة و العشائريّة التي تشتدّ في أوقات الأزمات و الحروب و الانتخابات و غيرها؛ و هذا ما لاحظناه على ما قام به اشّيخ السّوريّ (عدنان العرعور) منذ بداية الأحداث في سوريا. و حين يتمّ استخدام المشاعر في البربوغاندا، يتمّ شلّ أي قدرة على النّقد.
و شيئاً فشيئاً صار رجل الدّولة في عصرنا الحالي يدرك الأهمّيّة القصوى لهذه المطالب الحياتيّة و يدخل عبرها إلى إمرار مشروعه و خطابه و دعايته؛
و مهما يكن فإنّ السّياسيّ لن يقول مطلقاً كلّ الواقع، و إنّما سيختار من هذا الواقع ما يناسب الهدف الأوّل لخطابه أي "التّأثير"؛ و بقدر ما يكون "فعل التّلفّظ" مهمّاً لفهم أهداف الرّئيس، فإنّ "فعل الصّمت" أو الّلجوء إلى المُضمر
يكون هو الآخر كبير الأهمّيّة، و هذا ما فعله الرّئيس بشّار الأسد بالنّسبة إلى انخراط "حزب الله" و (إيران) في الحرب.

- مؤثّرات خطاب الأسد:
بقيت الميول العروبيّة و المناهضة لإسرائيل راسخة في خطاب بشّار الأسد منذ تولّيه السّلطة حتّى أعتى سنوات الحرب و أقساها. فقد عاصر وفاة الرئيس المصري جمال عبد النّاصر في 28 أيلول/ سبتمبر، و كان عمره خمس سنوات، فانطبع في ذهنه صفات ذلك الزّعيم العربيّ؛ و في حرب 1973م لم يكن عمره قد تجاوز الثّماني سنوات، فانطبعت في ذهنه أيضاً الحرب العربيّة الإسرائيليّة؛
و مع الاشتباكات الدّمويّة مع "الإخوان"، انطبع في ذهنه عدم الأمان في حياة عائلة الأسد.
في محضر سرّيّ مع وزير الخارجيّة التّركي أحمد داؤود أوغلو يقول الأسد: "أنا لا أخطّط للبقاء رئيساً مدى الحياة، ثمّ إنّني لا أشعر أنّني رئيس، بل أشعر أنّني مدير مشروع، و هكذا أبني علاقاتي الطّبيعيّة مع النّاس دون أيّة عوائق، و إذا لم تعرف هذا عنّي، لا تستطيع تحليل ردود فعلي على الواقع".
و في محضر سرّيّ آخر للقاء الأسد الّلجنة الوزاريّة المنبثقة من جامعة الدّول العربيّة بشأن حلّ الأزمة في سوريا يقول: "أنا لا أستطيع أن أجعل البلد يعود إلى الوراء تحت عنوان إرضاء أميركا. ما بدنا نعمل شيئاً للغرب، و ماذا يًسمّوننا و ماذا يقولون عنّا، هذا لا يعنينا و نحن لا يهمّنا الغرب، نحن يهمّنا الدّاخل، نحن قوّتنا و ضعفنا هو الدّاخل السّوريّ و ليس الخارج، و إذا كنت سأعمل خطوة و لم تأتِ بنتائج إيجابيّة فلماذا أعملها؟".


القسم الثّاني
من خطاب التّطوير إلى خطاب الحرب

الفصل الأوّل
خطاب الإصلاح المحدود

- تطوير سياسيّ و تغيير اقتصادي:
منذ خطاب القسم الأوّل في العام 2000م، تبيّن أنّ بشّار الأسد أقلّ ميلاً لتغيير النّظام السّياسيّ و أكثر رغبةً في تغيير بُنى الاقتصاد. فهو كان يشتخدم عبارة "تطوير" حينما يتعلّق الأمر بالسّياسة و النّظام، و عبارة "إصلاح" حين يُريد الحديث عن الاقتصاد. التّطوير إذاً و ليس التّغيير هو الذي أراده بشّار الأسد منذ وصوله إلى السّلطة. و منذ 16 عاماً (منذ وصوله إلى السّلطة حتّى إعداد هذه الأطروحة) تبيّن أنّ الأسد لم يكن راغباً فعلاً في نسف أسس النّظام و إنّما في تطويره و ربّما في إصلاحه لاحقاً، و هو لم يُفكّر في إلغاء المادّة 8 من الدّستور ثمّ تغيير الدّستور بكامله إلّا رغبة منه في سحب فتيل الحرب و إحراج الخصوم الذين يُطالبونه بتغيير النّظام، على الرّغم من أن البعض قد روى لنا (و منهم الرّئيس اللبناني ميشال عون) أنّهم سمعوا من الأسد قبل الحرب رغبة في إلغاء هذه المادّة و إحداث تغييرات سياسيّة. و ربّما أنّ القلق من انبعاث أحقاد التّاريخ و عودة الإخوان إلى واجهة المعارضة، و ظهور أحزاب سياسيّة معارضة من واشنطن، و الحماسة التي أبداها بعض المعارضين في تصريحاتهم و بياناتهم.. هي أمور دفعت الأجهزة الأمنيّة السّوريّة إلى رفع مستوى الرّيبة. و ربّما ساهم هذا في عدول بشّار الأسد عن المضيّ قدماً في سياسة الانفتاح و تشجيع المعارضين خصوصاً و أنّ رياح الخارج راحت تعصف بسوريا من أكثر من جانب.

- ثوابت خطاب حافظ في خطاب بشّار:
أظهر بشّار الأسد في خطابه الأوّل ميلاً للاستمرار في ما صاغه والده الرّاحل شارحاً أن حافظ الأسد كان قد وضع ما يكفي من الأسس للسّير فيها سنوات طويلة، و لم يمنع رغبة بشّار الأسد في السّير على نهج والده سياسيّاً، أن تظهر بواكير الاتّجاه في التّغيير الاقتصادي في خطاب القسم الذي انتقد بشدّة أخطاء السّياسات الاقتصاديّة السّابقة. كان لا بدّ للأسد إذاً، منذ وصوله إلى الرّئاسة، من البحث عن نهج اقتصاديّ جديد يكون قادراً على استيعاب 200 ألف شاباً يغزون سوق العمل كلّ عام؛ ذلك أنّ نسبة 30% من الشّباب عاطلون عن العمل.
حين وصل بشّار الأسد على سدّة الرّئاسة عام 2000م كان العالم يشهد تحوّلات مفصلية فرضت نفسها عليه و على دور سوريا، لعلّ أخطر تلك التّحدّيات وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض.
قد تكون الأفكار الانفتاحيّة التي طرحها بشّار الأسد منذ وصوله إلى السّلطة نابعة من نظرته الجديدة و الخاصّة إلى السّياسات الدّوليّة في عالم يتحرّك و يتطوّر و يتغيّر؛ حيث "لا يمكن النّظر إلى سوريا خارج سياقها الإقليميّ" كما يقول الباحث الألمانيّ (فولكر بيرتس)؛ و هكذا فسرعان ما تبدّل الانفتاح و اتّجه صوب التّحدّي بعدما تبيّن للأسد أنّ صقور الإدارة الأميركيّة و إسرائيل يتّجهون معاً لإخضاع سوريا، فالتحم أكثر فأكثر بخيار المقاومة، و تراجعت يده الممدودة للسّلام في خطابه الأوّل. شعر الرّئيس السّوريّ أنّ خيار التّشدّد و التّحدّي و المقاومة هو سبيله لحماية عهده و نظامه و سوريا، و هكذا انتهى زمن الانفتاح.

 - ربيع الإخوان المسلمين:
كتب البروفسور (Mark Lynch) من جامعة جورج واشنطن، في مجلّة "فورين بوليسي" مقالاً بعنوان "ربيع أوباما العربي". و طرحت تفسيرات كثيرة حول التوقيت الذي اندلعت فيه ثورات "الرّبيع العربي"، ربط بعضها الأمر بنضج الظّروف الاجتماعيّة و الدّيموغرافيّة و الاقتصاديّة و بثورة المعلوماتيّة، و بعضها الآخر تحدّث عن مؤامرة و أصابع خارجيّة حرّكت المياه الرّاكدة العربيّة؛ و ما يزال حتّى الآن مصطلح "الرّبيع العربيّ" مثيراً للجدل؛
و الواقع أنّه لا الأسباب الدّاخليّة كافية لمعرفة ماذا جرى، و لا الاختباء خلف "المؤامرة" يُنصف أناساً نزلوا إلى الشّوارع في عدد من الدّول لتحسين ظروف حياتهم و رفع قبضة الأمن عنهم و الطّموح إلى شيء من الحرّيّة بعد سنوات من التّشدّد؛ و لكن لا بدّ هنا من الإشارة أيضاً إلى أنّ ثمّة دولاً تلقّفت نقمة الشّباب و الثّوّار المنتفضين و حوّلتها باتّجاهات أخرى لمحاسبة دول و أنظمة و تصفية حسابات. و لو كان كلّ ما جرى هو فعلاً مؤامرة أطلسيّة كما يدّعي البعض، فإنّ معارضين يساريين معروفين بعدائهم المستحكم للدّول الأطلسيّة كانوا في طليعة من تظاهر بعد الخروج من السّجون؛ فلا شكّ أنّ كلّاً من الفساد و الاستبداد و القمع قد زرع النّقمة في نفوس شباب عربيّ غارق في الأزمات الاقتصاديّة، حيث ثلث الشّباب عاطلاً عن العمل (20 مليوناً) أو في الأمّيّة و الفقر؛ و هذا يعني أنّ حصر التّفسيرات بمنحى واحد لا يُقدّم إجابة علمية و شافية؛ و لكنّ الأكيد أنّ هذا الزّلزل الذي ضرب دولاً عربيّة عديدة، أدّى إلى حروب و حمّامات دماء و دمار و خسائر هائلة بالأرواح و الممتلكات و دمّر بنى دول بكاملها.
ما يهمّنا في الواقع و في الحديث عن سوريا، هو معرفة إلى أيّ درجة كان إشراك الإخوان المسلمين في السّلطة هو أحد أهداف ما جرى، و أحد أهمّ أسباب التّدخّل التّركيّ و الاقطريّ مثلاً؟
لقد كان خطاب الرّئيس الأميركيّ (باراك أوباما) في جامعة القاهرة في مطلع شهر تموز/ يوليو 2009م، بحضور ممثّلين عن الإخوان المسلمين المحظورين آنذاك، ليس إعلاناً عن فتح صفحة جديدة مع المسلمين فقط، و إنّما يضع لمن سيتولّى السّلطة في مصر لاحقاً (أي الإخوان المسلمين) برنامج حكم كاملاً حول السّياسة و الاقتصاد و المرأة و الأديان الأخرى. و هذا يُسّره "مذكّرة رئاسيّة أميركيّة 11" صدرت عام 2011م اعتبرت فيها أميركا الإخوان أداة رئيسيّة لدعم الإصلاح السّياسيّ.
كانت علاقة الإخوان بالسّلطة السّوريّة قد عرفت موجات من الملاحقات و الاعتقال وصولاً إلى الصّدام الدّمويّ مطلع ثمانينات القرن الماضي.

نفى الإخوان المسلمون السّوريّون مراراً أيّة علاقة لهم بتنظيمات إرهابيّة، و ذهبوا في بعض المرّات إلى اعتبار أنّ عدداً من هذه التّنظيمات تحرّكها الدّولة نفسها؛ و لكنّ رموزاً من معارضة الخارج وجّهت انتقادات شديدة الّلهجة ضدّ الإخوان المسلمين على اعتبار أنّهم "أجهضوا المسار السّلميّ" للثورة وفق ما كان يُردّد مثلاً رئيس تيّار "قمح" د. هيثم منّاع.
أمّا الذي دقّ ناقوس الخطر عند الأسد من قضيّة الدّعم التّركي و القطري للإخوان المسلمين، فبدأ خصوصاً خلال زيارة وزير الخارجيّة التّركيّ أحد داؤود أوغلو الأخيرة للرّئيس السّوريّ في 9 آب/ أغسطس 2011م. آنذاك تبيّن للأسد أنّ الوزير التّركيّ جاء لإقناعه بإشراك الإخوان في السّلطة.
الواقع أنّ "الإخوان" كانوا في طليعة تشكيلات المعارضة السّياسيّة و في مقدّمة المجموعات العسكريّة التي قاتلت لإسقاط بشّار الأسد؛ و كان ممثّل "الإخوان" (مُلهم الدّروبي) من بين أبرز حضور مؤتمر (إنطاليا) منتصف عام 2011م بإشراف تركيا و مساعدتها.
شعر الأسد بعد مرور الأشهر الأولى على أحداث درعا و ما تلاها أنّ ثمّة قراراً إخوانيّاً بالقتال، و أنّ ثمّة قراراً إقليميّاً و دوليّاً بفتح أبواب تقاسم السّلطة مع الإخوان المسلمين؛ فسارع الأسد إلى إغلاق كلّ الأبواب، بما في ذلك أبواب حركة حماس التي راح يُشكّك بأنّها تُعطي الأولويّة في استراتيجيّتها الجديدة لمشروع الإخوان المسلمين و ليس للعلاقة مع الدّول التي دعمتها ففي السّنوات الماضية أي إيران و سوريا بالإضافة إلى حزب الله.

- بوتين: سأكرّس الأسد حاكماً مطلقاً لسوريا
سبق القمّة الأوروبيّة التي عقدت في بروكسل في 20 و 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2016م، لقاء في برلين يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2016م، بين الرّئيس بوتين و الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاند و المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل. و حيث تعمّد سيّد الكرملين الوصول متأخّراً أكثر من نصف ساعة إلى اللقاء، قالت (ميريكل) وفق المحضر السّرّيّ: "إنّ بوتين تعامل معنا على أنّه الملك، و لم يتزحزح قيد أنملة عن موقفه حيال سوريا، فهو مقتنع بأنّه يقف في الجانب الصّحيح من التّاريخ، و أنّه يُقاتل الإرهاب و يرفض التّدخّل الدّوليّ لقلب الأنظمة بالقوّة، لا بل ذهب إلى حدّ تحذير الجميع من أنّه سينجح في إعادة تثبيت بشّار الأسد على رأس سوريا حاكماً مطلقاً"؛ و كانت تلك القمّة قد سبقت آخر الاستعدادات السّوريّة – الرّوسيّة – الإيرانيّة لأستعادة كامل حلب.

 

الفصل الثّاني
التّحليل البراغماتيّ لخطابات الأسد بين السّلم و الحرب

- أوّلاً: خطابات ما قبل الحرب

- ظروف خطابات الأسد و أفعالها:
حافظ الرّئيس السّوريّ على كثير من الثّوابت من خلال ما تُبدي القراءة الأوّليّة لخطابات الأسد، و لكنّه أدخل أيضاً مفردات عديدة فرضتها ظروف الحرب على خطابه. تعلّق بعض هذه المتغيّرات بالدّاخل من خلال توصيف المعارضة و التّركيز على دور القوّات المسلّحة و تفصيل ما يُسمّيه الأسد بِ"المؤامرة" و السّعي للحصول على أكبر قدر ممكن من "فعل التّعاطف" و المساندة و التّأييد للقيادة من قبل شعبه. تمحور بعضها الآخر حول دور الخارج في هذه "المؤامرة" و كيفيّة التّصدّي.
و انطلاقاً من أساس منهج البراغماتيّة القائم على فعل القول، فإنّ كلّ "قول" يهدف إلى إنتاج أو إحداث أو إثارة أو "فعل".
فمن المهمّ التّوقّف في تحليل الخطاب على أساس أفعاله، على ملفوظات لا يُراد فهمها إلّا ىعلى ما هي عليه من معنى ظاهر، و ملفوظات أخرى تريد إنتاج المعنى المناقض لها أو أنّ "القصد" منها هو غير ظاهرها. و هكذا يمكننا أن نجد في خطاب القسم عند الأسد الأفعال التّالية:
- أفعال خطاب القسم 2000م:
* الفعل التّلفّظيّ أو النّطقيّ أو الإحباريّ: و هو مجموع ملفوظات الخطاب و قواعدها البنيوية و البلاغية المفهومة من الخطيب و من جمهوره، و هي التي تُخبر أمراً معيّناً ما بمجرّد النّطق بها. و هذا هو الفعل المؤسّس و الضّروريّ للخطاب. فعندما يستعرض كلّ التّفاصيل التي حصلت لوصوله إلى الرّئاسة، من "الثّقة التي منحتموني إيّاها" بالاستفتاء، و "إقراركم ما جاء في كتاب القيادة القطريّة لحزب البعث العربيّ الإشتراكيّ المتضمّن ترشيحي...، إلخ"، فهو هنا لا ينشد فقط فعل الإحبار و إنّما ينشد فعلين آخرين هما "الفعل الإنجازيّ" و "الفعل التّأثيريّ".


* الفعل التّوجيهيّ:
يمكننا تسميته أيضاً بِ"فعل الفعل" و "فعل عدم الفعل". فعندما يُشير إلى أنّ التّطوير لا يرتبط حكماً بالشّباب، فإنّه يوجّه النّواب و شعبه إلى حماية جيل والده (حتّى و لو أنّه تخلّى عن معظمهم في المراحل التّالية)، و يوجّههم أيضاً صوب عدم القيام بِ"النّقد الهدّام".

* فعل الصّمت:
نقصد هنا الخطابات السّياسيّة المفصليّة كما نعتمد الآن على خطاب القسم الدّستوريّ الأوّل؛ و لكنّنا قد نجد فعل الصّمت في الكثير من المواقع، لعلّها الصّمت عن انتقاد أيّ مسؤول من الحرس القديم و الصّمت عن الدّور المقبل للأحزاب و الصّمت عن الحرّيّات الفعليّة في الدّاخل.

- أفعال خطاب القسَم الثّاني 2007م:
يختصر خطاب الأسد 2007 معظم أفعال الكلام، فهو يتضمّن "الإخباري" و "التّأثيريّ" و "االتّوجيهيّ" و "الإنجازيّ" و "الوعد" و "المباشر" و "غير المباشر" و "الصّمت".. إلخ.

- تحليل خطاب الأسد الأوّل بعد اندلاع المواجهات في 30 آذار/ مارس 2011م:

أ – الظّروف و السّياق:
انتظر السّوريّون و معهم كلّ الدّول المهتمّة بالحدث السّوريّ، ماذا سيقول بشّار الأسد في أول خطاب له بعد أحداث درعا و عدد من التّظاهرات و الأحداث التي شهدتها سوريا خصوصاً في شهر آذار/ مارس 2011م.
اختار الأسد التّروّي و دراسة الوضع من كلّ جوانبه قبل مصارحة الشّعب السّوريّ، و من يُشاهده، بحقيقة ما يُفكّر فيه، بعيداً عن العاطفة و تعبيراً عن مفاجأته بما حصل، و هذا ما عبّر عنه الرّئيس لستيعاب الهزّة الأولى و للابتعاد عن الإنشاء العاطفيّ. و هذه واحدة من مزايا الأسد إذ أنّه يُفضّل الكلام البارد و شبه الأكاديميّ على العواطف في الخطابات.
كان الأسد يتلقّى المؤشّرات و التّقارير الأمنيّة عن خريطة التّظاهرات و المواجهات الأولى، و قد كان قد تلقّى قبل خطابه و على مدى 3 أيّام عدّة اتّصالات من قادة عرب، و أبرزهم أمير الكويت و ملك البحرين و الرّئيس العراقيّ و أمير قطر، و التقى في 27 آذار/ مارس ولي العهد القطريّ الأمير تميم بن حمد، ثم من الملك السّعوديّ فرئيس دولة الإمارات؛ و كانت عشيّة الخطاب حكومة محمد ناجي العطري قد استقالت.

ب – التّحليل الكمّي و النّوعي:
استخدم الأسد بتواتر مختلف كلمات من مثل "احتجاجات شعبيّة"، "إرهاب"، "إصلاح"، "أطياف"، "تخريب"، "تكفير"، "جراثيم"، "جيش/ قوّات مسلّحة"، "الشّعب"، "فلسطين"، "فوضى"، "معارضة"، "مقاومة"، "مؤامرة"، و "يجب"..

ج - أفعال خطاب:
يقدّم الرّئيس بشّار الأسد نفسه في هذا الخطاب كقبطان االسّفينّة الذي يعتقد أنّه يعرف إلى أين يوجّهها.

* فعل التّلفّظ:
كان هنا مكتملاً، ذلك أنّه يضمّ مجموع الملفوظات و شروط تلفّظها و خضوعها للقواعد المتعارف عليها ما بين المُلقي و المتلقّي.
* الأفعال الإنجازيّة و التّأثيريّة أو التّوجيهيّة:
و نعتقد هنا أنّ هذه الأفعال كثيرة ذلك أنّ الأسد يُريد توجيه سامعيه صوب هدف يُريده بعينه، أي تصوير ما جرى من اضطرابات و تظاهرات و مواجهات على أنّه في القسم الكبير منه هو فعل "مؤامرة" خارجيّة و لها امتدادات داخليّة، و أنّه لا خلاص لسورية إلّا بمواجهة هذه المؤامرة.

* الفعل التّوجيهيّ:
استخدم الرّئيس السّوريّ مفردة "يجب" نحو 20 مرّة، و بخاصّة يقول "يجب أن نكون مرتاحين" فيضع هنا نفسه مع الجماعة في فعل الواجب.

* فعل الوعد:
قد ينقلب إلى "فعل التّهديد" أو "فعل الوعيد"؛ يقول الأسد: "بدلاً من أن نأخذ دروساً، سوف نعطيهم دروساً"، أو "المشروع سوف يسقط".

* فعل التّأثير:
و رد هذا الفعل في مواقع كثيرة من خطاب الأسد. بعضه كان عاطفيّاً في لحظة حسّاسة جدّاً: "سوريا التي تنبض في قلب كلّ واحد فينا، سورية القلعة الحصينة بتلاحمها، العظيمة بأمجادها، الشّتمخة بشعبها"، و "تحدّثت إليكم بحديث من القلب إلى القلب". و بعضه الأخر يفترض ردّة فعل عاطفيّة من قبل الجمهور بحيث يكون فعل التّأثير هنا دافعاً لفعل الفعل، أي للتّجاوب من دون أن يطلب الرّئيس بنفسه شيئاً معيّناً محدّداً على نحو مباشر. فحين يقول الأسد: "حتّى لو قبلت بهذا الطّرح فالشّعب لن يقبل به و إذا لم يقبل الشّعب به فسوف ينبذني، و إذا نبذني فهذا يعني انتحاراً سياسيّاً"، و هو يُدرك تماماً أنّ أعضاء مجلس الشّعب سيهبّون للتّصفيق و الهتاف.
هكذا شعر الأسد، مع الوقت بأهمّيّة استخدام المؤثّرات العاطفيّة.

- تحليل خطاب القسَم 2014م:

أ – الظّروف و السّياق:
كان خطاب القسم 2014م الأصعب و الأخطر من حيث الظّروف الدّاخليّة و الخارجيّة المحيطة به. فرحى الحرب تطحن البشر و الحجر في الدّاخل، و الصّراع الإقليميّ و الدّوليّ في سوريا يعنف، و الفصائل المسلّحة و بينها ما هو تكفيريّ و إرهابيّ تزداد عدداً، و الأفق السّياسيّ شبه مغلق. لا بل إنّ الخطر الشّخصيّ على الرّئيس الأسد نفسه كان كبيراً في تلك اللحظة. فالقصف من الرّيف الدّمشقيّ ينهمر على العاصمة السّوريّة بين حين و آخر، و بعضه يصل إلى مقربة من القصر الجمهوريّ.
إنّه خطاب القسم الأوّل في الحرب؛ و كان لا بدّ من إرسال إشارات إلى الدّاخل و الخارج حول قدرة النّظام و مدى سيطرته على الوضع.

ب – في المضمون:
منذ الجملة الأولى قرّر الأسد سحب البساط من تحت أقدام كلّ منتفض أو ثائر ضدّه. لقد أخذ من هؤلاء صفة الثّوار. قال: "أيّها السّوريّون الشّرفاء.. أيّها الشّعب الحرّ الثّائر.. "الشّعب يُريد" نعم الشّعب يُريد.. أراد الشّعب.. الشّعب قرّر.. الشّعبُ نفّذ". لقد نزع شرعيّة أيّة مطالب أخرى. فالشعب بالنّسبة إليه ليس ذلك الذي سار خلف المعارضة، و إنّما هؤلاء الذين صوّتوا له و فاز بنسبة 88,7%. قرّر الأسد منذ مستهلّ خطابه بعث الرّسالة الأولى إلى الدّاخل و الخارج و مفادها: أنا الرّئيس الشّرعيّ و الشّعب معي.
قدّم الأسد نفسه، نتيجة انتخابه لولاية ثالثة، على أنّه هو الآخر انتصار. و اقتصر التّعبير عن الحلّ السّياسيّ على الدّاخل. لم يعد الأسد يرى في "جامعة الدّول العربيّة" سوى دور استدعاء "النّاتّو" و فرض الحصار على الدّول و الشّعوب العربيّة التي تخرج عن طاعة أسيادها.
صار للجيش السّوريّ أو للقوّات المسلّحة السّوريّة صدارة خطابات الأسد: "لا بدّ من تسخير كلّ جهودنا كمجتمع و دولة من أجل دعم قواتنا المسلّحة البطلة"، و: "الجيش موحّد و المؤسّسات موحّدة و الشّارع موحّد".

ج – أفعال الخطاب:
توضّح القراءة البيانيّة لترديد المفردات في خطاب القسم لبشّار الأسد في العام 2014م، أنّ البناء الاستراتيجيّ الخطابيّ يهدف هذه المرّة إلى رفع المعنويّات و التّأكيد أنّ سوريا قد انتصرت و تكمّل الانتصار في ظلّ القيادة الحاليّة. و هذه أبرز أفعال الخطاب التي يمكن رصدها:

* الفعل الإنجازيّ:
و هو الذي يتمثّل في مجرّد أداء قسم اليمين الدّستوريّة لولاية ثالثة.

* الفعل التّأثيريّ:
لعلّ هذا الخطاب من أكثر الخطابات التي احتوت على أفعال التّأثير؛ فلقد استخدم عبارة مهمّة منذ اندلاع "الرّبيع العربيّ"، و هي "الشّعب يُريد" و التي لها تأثير مباشر في النّاس، و لقد جاء استخدامها هنا لتشويه صورة الخصوم و دفع النّاس للقيام بفعل نبذهم، "فهؤلاء هم من زايد عليكم بالدّيموقراطيّة"، كانوا "أجراء" و كنتم "أسياداً". لقد "مارستم الدّيموقراطيّة، رفضتم أن يُشارككم غريب إدارة الوطن، اخترتم دستوركم و برلمانكم و رئيسكم"؛ فكان "الفعل الإخباريّ" أو "التّقريريّ" أن يُشعر كلّ فرد بأنّه قام بعمل عظيم، و هذا يحثّه على مواصلة "فعل التّأييد" إن لم يكن قد فعل بعد.


* "فعل القيام بفعل" و "فعل الإحجام عن القيام بفعل":
مثلاً حين يقول الأسد: "بالرّغم من كلّ الدّماء و الدّمار لم يُقرّر هذا الشّعب الاستسلام أو الخنوع"، فهذه دعوة إلى عدم القيام بفعل الخنوع و بالاستمرار في المعركة.

* فعل الوعيد:
يقول الأسد: "منذ بداية الأحداث حذّرنا بأنّ ما يحصل هو مخطّط لن يقف عند حدود سوريا بل سيتجاوزها منتشراً عبر انتشار الإرهاب الذي لا يعرف حدوداً"؛ ففي هذا "التّذكير" تحذير و وعيد للدّول التي تدعم المسلّحين في سوريا؛ و يذهب الأسد في ذلك إلى حدّ اليقين بقوله: "قريباً سنرى أنّ الدّول العربيّة و الإقليميّة و الغربيّة التي دعمت الإرهاب ستدفع هي الأخرى ثمناً غالياً".

* فعل التّهديد:
و هو الفعل المبطّن لمعارضيهو لكن أيضاً لمن يتلكأ عن القتال بقوله: "من لا يحمي وطنه و يدافع عنه و يحافظ عليه لا يستحقّه و لا يستحقّ العيش فيه"، و التّهديد المباشر ضدّ الإرهاب و داعميه بقوله: "قرّرنا السّير في مسارين متوازيين، ضرب الإرهاب من دون هوادة و القيام بمصالحات محلّيّة لمن يُريد العودة عن الطّريق الخاطئ".

* فعل الشّكر:
في أوج الحرب مالَ الأسد عبر خطابه إلى شكر الشّعب و الجيش و بعض الدّول و القوى الصّديقة التي دعمته.

* فعل السّخرية:
هنا السّخرية التي يُنتجها كلام الأسد بالنّسبة إليه أو إلى جمهور سامعيه، تهدف إلى تعرية الخصم؛ و أمّا الخصم المستهدف هذه المرّة فهو الرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان. قال الأسد: "لا نحبّ العنتريّات و لا البندريّات، العنتريّات إمّا أن نذهب باتّجاه مواجهة العالم من دون مبرّر و بتهوّر و إمّا أن نفعل كما يفعل "الشّقيق" أردوغان، يُريد أن يُحرّر الشّعب السّوريّ من الظّلم و يحلم بالصّلاة في الجامع الأمويّ، و عندما أتى موضوع "غزّة" رأينا بأنّه حملٌ وديع يشعر باتّجاه إسرائيل كما يشعر الطّفل الرّضيع تجاه حضن أمّه بالحنان، و لا يجرؤ على التّمنّي بأن يُصلّي في المسجد الأقصى.."؛ و أمّا "البندريّات" (و هو هنا يسخر من الأمير بندر بن سلطان) فهي أن يتحوّل الإنسان إلى منبطح بشكل مطلق و كلّيّ أو أن يتحوّل إلى عميل"؛ و في مثل هذه السّخرية يُطبّق الأسد واحدة من أهمّ قواعد الدّعاية السّياسيّة و هي قاعدة "تشويه صورة الخصم".

- خطاب 7 حزيران / يونيو 2016م:

أ – الظّروف و السّياق:
ألقى الرّئيس الأسد هذا الخطاب في 7 حزيران 2016م، أي في العام الخامس للحرب، و ذلك لمناسبة انعقاد الدّور التّشريعي الثّاني لمجلس الشّعب الجديد.
كانت مفاوضات جنيف للحلّ السّياسي متوقّفة، و بدا المستقبل ضبابيّاً، و الحرب مستعرة بالرّغم من الاتّفاق الأميركيّ الرّوسيّ على فرض تجميد لإطلاق النّار على مختلف الأطراف ما عدا الموسومين بالإرهاب. كانت المطالب الغربيّة و السّعوديّة و التّركيّة لا تزال تصبّ في خانة رحيل الأسد كنتيجة للحلّ السّياسيّ، بينما الأسد و حلفاؤه يتّهمون كلّ هذه الأطراف بدعم الإرهاب و لا يقبلون أيّ تنازل بشأن مستقبل الرّئيس السّوريّ إلّا بما يُقرّره الشّعب السّوريّ و وفق ما يُقرّر، خصوصاً، الحليف الرّوسيّ للأسد.

ب – في المضمون:
باستثناء اسهلال الأسد خطابه بحلول شهر رمضان الفضيل، و تمنيّاته أن تكون سوريا قد "استعادت عافيتها" قبل رمضان المقبل، فإن الخطاب خلا هذه المرّة من أيّة إشارة إلى الدّين، و خلا أيضاً من الإشارة إلى الله سوى في ختامه و في جملة السّلام عليكم و رحمة الله. كانت قد رأست مجلس الشّعب امرأة من دير الزور هي د. هدى خلف. كانت الرّسالة واضحة من وراء ذلك تجاه المرأة و المناطق و المذاهب و التّنوع و الانفتاح.
كان لافتاً جدّاً في الخطاب غياب أيّ ذكر للمعارضة. ما زال الأسد ينظر باحتقار إلى معارضة الخارج. "إذا أتينا إلى الخونة الموجودين في الخارج و الذين تحوّلوا إلى مجرّد ممسحة لأسيادهم أو لأقدام أسيادهم و وضعوا حكماً يُشبههم يحوّل سوريا أو الدّولة السّوريّة إلى دولة مرتهنة تعمل على تحويل الشّعب السّوريّ كما هو وضعهم الآن، فهذا أيضاً بالنّسبة لهم هو "حكم ذو مصداقيّة"، و بالطّبع عندما نذهب إلى المفاوضات لن نوافق على أيّ شيء من هذا القبيل لذلك وضعنا ورقة مبادئ".
ركّز الأسد كثيراً في خطابه على محاربة الإرهاب. استعمل كثيراً أيضاً مفردتيّ "الجيش" و "القوّات المسلّحة". و كان الرّئيس التّركيّ رجب طيب أردوغان لا يزال في هذا الخطاب أحد أبرز أعداء الأسد من وجهة نظر الأخير، حيث ذكره بالإسم 3 مرّات، و اتّهمه بالإرهاب، و قال: "عمليّاً أردوغان لم يبق له من دور سوى دور البلطجي السّياسيّ أو باللغة الفصحى الأزعر السّياسيّ".

ج – أفعال الخطاب:
بدا خطاب بشّار الأسد كمحضر اتّهام و هجوم على المعارضين و داعميهم، و كمجموعة "أفعال الخطاب" تنحو صوب "فعل الوعد" بالنّصر و "فعل التّهديد" بالقضاء على الإرهاب، و تسخيف قدرات (أردوغان)، و رفع معنويّات النّاس، و التّأكيد على أن لا تنازلات عن المبادئ الأساسيّة المتعلّقة بالسّيادة و الاستقلال و غير ذلك.

* الفعل التّلفّظي أو النّطقي أو الإخباري:
و لقد كان هذا الخطاب يوفّي شروط هذا الفعل من قواعد لغوية و بنيوية و بلاغية و مفهومة.

* الفعل الإنجازيّ:
حين يقول الأسد إنّه "لا خيار أمامنا سوى الانتصار و إلّا فلن تبقى سوريا و لن يكون لأبنائنا حاضر و لا مستقبل"، فهو هنا يُنتج "فعل الوعد" بالانتصار، و لكنّه يؤسّس عليه "فعل التّأثير"، ذلك أنّ الكلام عن الأبناء و المستقبل،
فهنا يُصبح "إنجاز الوعد" حتميّاً لبقاء النّاس و الحفاظ على مستقبلهم. و الأمثلة كثيرة في هذا الاتّجاه.

* الفعل التّأثيريّ:
في العام الخامس على الحرب و بعد انتخابات تشريعيّة و تغيير رئاسة مجلس الشّعب و وضع سيّدة على رأسه و استمرار التّعطيل السّياسيّ و الحرب و الاقتتال، كان الرّئيس الأسد يحتاج هذه المرّة أيضاً إلى الحفاظ على الشّعبيّة التي يحظى بها، و رفع معنويّات النّاس، و إلى جذب القسم الرّماديّ من شعبه الذي لا يزال متردّداً بين البقاء على الحياد (إذا استطاع) و اختيار أحد الطّرفين، أي الدّولة ممثّلة بالأسد و قيادته، أو المعارضة التي يبرز بينها، في تلك الأثناء أيضاً، الكرد السّوريّون لجهة سيطرتهم على مناطق واسعة في الشّمال بدعم دوليّ. و حيث يحتاج هذا النّوع من "الفعل التّأثيريّ" إلى قواسم مشتركة بين الملقي و المتلقّي، فهو هنا الأسد و جمهوره المباشر في مجلس الشّعب، أو الشّعب السّوريّ على نحو غير مباشر من خلال المجلس أو بقيّة العالم عبر التّلفزات و وسائل الإعلام و التّواصل الاجتماعيّ.

* فعل الطّلب:
فعندما يتحدّث الأسد، مثلاً، عن الوضع الاقتصاديّ، يتصرّف كرئيس دولة يمارس "فعل الوجوب" مع أعضاء المجلس، فيقول لهم: "يجب على مجلس الشّعب أن يناقشها مع الحكومة"؛ و يقول: "هناك تشريعات أو قرارات أو غيرها من الإجراءات التي يجب اتّخاذها"؛ و هنا يُصبح التّنفيذ واجباً، و عدم التّنفيذ يفترض عقوبة أو مساءلة. تغيب هنا أفعال التّمنّي و الأمل و الرّغبة.. إلخ.

* فعل الإقناع:
لا يستطيع أيّ رئيس أن يكتفي بالطّلب من النّاس أن يُنفّذوا. و حتّى في الدّول الدّكتاتوريّة أو الشّموليّة و غيرها، تلجأ القيادة إلى أساليب الإقناع المختلفة، و حين تنعدم هذه الأساليب فقد تنزلق إلى القمع. في حالة الحرب يُصبح الإقناع ضروريّاً لكي لا ينقلب النّاس على القائد أو الحاكم أو المسؤول، ذلك أنّ خياراتهم تصبح أكثر. ففي الحالة السّوريّة مثلاً كانت ثمّة خيارات كثيرة أمام النّاس بالبقاء إلى جانب قيادة بشّار الأسد أو بالانضمام إلى صفوف المعارضة، و كانت المغريات الماليّة و المعنويّة كثيرة للذين ينشقّون عن الأسد.

* فعل التّهديد أو فعل الوعيد:
ركّز الأسد هذا الفعل في كلامه على محاربة الإرهاب، و لكن أيضاً على المعارضة التي لم يُسمّها، و على الدّول الدّاعمة للإرهاب (برأيه). قال: "لكنّ سفك الدّماء لن ينتهي حتّى نقتلع الإرهاب من جذوره أينما وجد و مهما أُلبِسَ من أقنعة"؛ و قال أيضاً: "أيّة عمليّة سياسيّة لا تبدأ و تستمرّ و تتوازى وتنتهي بالقضاء على الإرهاب، لا معنى لها و لا نتائج مرجوّة منها". الوعيد واضح هنا بأنّه سيستمرّ في الحرب حتّى القضاء على هذا الإرهاب. و هو حين يقول: "إذا أتينا إلى الخونة الموجودين في الخارج و الذين تحوّلوا إلى مجرّد ممسحة"، فالنّتيجة الطّبيعيّة للخيانة هي المحاسبة أو الاقتصاص. هنا "فعل الوعيد" كامن و مبطّنٌ و لكنّه واضح.

* الفعل التّوجيهيّ:
و يمكن أيضاً تسميته بِ"فعل الفعل" و "فعل عدم الفعل".
من اابديهيّ أن يُمارس الأسد في مجلس الشّعب فعل "التّوجيه المباشر"، فهو أصلاً هنا لهذه الغاية كرئيس للدّولة يُعطي توجيهات للجهاز التّشريعيّ. و لكنّ الرّئيس الأسد هو أيضاً قائد القوّات المسلّحة، و بالتّالي: يُصبح هو نفسه الموجّه السّياسيّ و العسكريّ في آن. الأسد لا يقول هنا "أريد منكم" أو "أطلب منكم"، و إنّما يقول ذلك بحتميّة النّتائج الذي يُريدها، ذلك أنّ عبارة "أنا متأكّد" توازي عبارة "يجب أن تفعلوا"، فالأسلوب فقط مختلف.

* فعل الصّمت:
الصمت عن ذكر المعارضة بالإسم، و إنّما بالتّوصيفات المُهينة لها هو مقصود تماماً هنا. لا يُريد الأسد إعطاء الأهمّيّة لها لكنّه لا يستطيع تجاهلها. الحلّ إذاً هو السّكوت عن الإسم و إطلاق التّوصيفات. و أمّا عندما يغيب أيّ ذكر للعروبة و المقاومة و فلسطين و القوميّة، في فعل الصّمت مختلف تماماً عمّا كان عليه بالنّسبة إلى المعارضة، فربّما لا يجد الأسد ضرورة مثلاً في التّذكير بثوابت السّياسة السّوريّة الحاليّة.

خلاصات تحليل خطابات الأسد
عند انتهائنا من هذا الكتاب في شهر أيلول/ سبتمبر 2017م، كانت الحرب السّوريّة تكاد تستكمل عامها السّابع. كانت كلّ المعطيات العسكريّة و السّياسيّة تشير إلى أنّ بشّار الأسد و حلفاؤه يتّجهون صوب أكبر عمليّة حسم عسكريّ في معظم الأراضي السّوريّة.

 
أوّلاً – في دور الأسد و أسباب الحرب و تأثيرهما في الخطاب
*يتبيّن لنا من التّحليل لبراغماتيّ لخطاب الرّئيس بشّار الأسد، و من خلال رصد شخصيّته و تربيته و المؤثّرات العقائديّة و السّياسيّة و الأمنيّة فيه، و كذلك من متابعتنا الدّقيقة للأحداث و لتطوّر خطاب الأسد حيالها، أنّ خطاب
الرّئيس السّوريّ لم يكن منفصلاً عن الواقع، و إنّما كان ثمرة أفكاره كقائدٍ حقيقيّ للسّياسة السّوريّة و لعلاقتها مع الحلفاء. فهو الذي يُصدّر الأوامر العسكريّة العامّة، و هو الذي يُشرف مباشرة على المفاوضات مع المعارضة و داعميها عبر التّواصل الدّائم مع مستشاريه حتّى في قلب جنيف؛ هذا مع أنّ جهوده كلّها لم تؤثّر كثيراً في مسار الأحداث و مواقف المواجهات من قبل الخصوم أو من قبله.
*الرّجل صلبٌ و عنيد و قويّ الأعصاب و يُعطي الأولويّة للدّاخل على الخارج حتّى لو غضب الخارجة، و يتمتّع بصبر طويل حيث لا يتردّد في تحليل أيّ مفردة و ربط الأسباب بالنّتائج، و هو جدليّ بامتياز.
*أبدى في أكثر من مرّ شجاعة نادرة تقارب المغامرة الخطيرة في بعض المرّات التي كان يخرج فيها للمشاركة في مناسبات عامّة كالأعياد أو لزيارة مواقع قتاليّة و غيرها في أوج تعرّض دمشق لقصف يوميّ.
*لم يتضمّن خطابه تنازلات كثيرة في ثوابت النّظام التي أرساها والده حافظ الأسد، مع أنّ الخطاب حمل لاحقاً عدداً من المفردات التي أضفتها الظّروف و التي بدت كتنازلات و منها ما يتعلّق خصوصاً بالمعارضة و التّحاور معها في جنيف، و بتغيير المادّة الثّامنة في الدّستور و تسليم السّلاح الكيمياويّ؛ و لكنّه بقي حتّى لحظة إعداد هذا الكتاب يؤكّد أنّه لن يرحل إلّا بإرادة شعبه، و نجح كثيراً في فرض بقائه واقعاً على العالم.
*هل كان يمكن أن يُجنّب بلاده الدّمار لو أنّه انفتح على المعارضة الاتي كانت تريد الإصلاح لا التّغيير، بالرّغم من أنّ قرار التّمزيق و الحرب كان معدّاً و جاهزاً كما تؤكّد جميع الوثائق الإسرائيليّة و الأميركيّة، كتجربة محمد السّادس في إشراك المعارضة و الإتيان بشخصيّة إسلاميّة هو عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة و التّنمية، التي كانت نموذجاً جيّداً مع أنّ الملك بقي قابضاً على كلّ مفاتيح السّلطة؟ هذا سؤال يحتاج في الواقع إلى نقاش مستفيض.
*الخطأ الآخر الذي أثاره البعض يتعلّق بخطاب المواجهة الذي لجأ إليه الأسد و تغليب لاعبارات "المؤامرة"، مع أنّ كلب السّعوديّة كان ابتعاد سوريا عن إيران؟
*لعلّ المفاجأة بكلّ ما جرى أدّت إلى إرباك واضح في البداية قبل إتمام الإعداد مع الحلفاء لاحقاً لتطويق النّار و الانتقال من الدّفاع إلى الهجوم.

*لم تتغيّر الثّوابت الأيديولوجيّة و المقاومة في خطاب الأسد من مرحلة ما قبل الحرب إلى زمن الحرب.

ثانياً – في جوهر خطاب الأسد و دوره في الحرب و المصالحة:
*أظهر لنا التّحليل البراغماتي أنّ خطاب الأسد متماسك إلى درجة كبيرة، فثوابته لم تتغيّر أبداً.
*من ناحية الشّكل و الاسّياق، طوّر الأسد كثيراً من أسلوبه الخطابيّ، و بخاصّة أنّ خطابه في المراحل الأولى كان أقرب لى درس أستاذ جامعيّ يشرح و يُسهب و يُفصّل، و خصوصاً في بداية الحرب.

ثالثاً – في التّحليل البراغماتيّ لخطاب الأسد:
*أظهر لنا التّحليل البراغماتيّ و بخاصّة في أفعال الخطاب نموذجاً مهمّاً و مفيداً جدّاً لرصد مقاصد الخطاب السّياسيّ من حيث إقناع النّاس بتأييد الدّولة في الحرب و تهميش المعارضة السّياسيّة و قتال التّنظيمات المسلّحة.

رابعاً – في بعض الاحتمالات السّياسيّة:
*مع نهاية هذا الكتاب في السّنة السّابعة للحرب ما تزال الحرب دائرة ، بينما الحلفاء يعزّزون مواقعهم و يربحون المدن الكبرى. لا نتوقّع تغييراً في خطاب الأسد و لا تغييراً جوهريّاً في الاتّجاهات السّياسيّة أو الأيديولوجيّة لثوابت النّظام، و ذلك لأنّه من الصعب بخاصة انتظار تبدّل دولي كبير في تنافس المحاور الدّوليّة و الإقليميّة.
*تشكّل سوريا السّاحة الفضلى للمبارزة السّعوديّة الإيرانيّة التي يرعاها (ترامب)؛ و إذا كانت الرّياح في السّنة السّابعة للحرب تميل بقوّة صوب الأسد و حلفائه، و بخاصّة مع الانقسامات الخليجيّة، فإنّ الانتهاء الكامل للحرب يحتاج إلى زمن طويل و تسويات و تفاهمات.
*و إذا كان الرّئيس السّوريّ قد أوحى باحتمتل عودة الخطوط مع أميركا دونالد ترامب، بقوله: "إنّ التّعامل مع ترامب كشخص أمر ممكنٌ بالنّسبة إليّ"، إلّا أنّه قال في المقابلة عينها: "إنّ المشكلة في الولايات المتّحدة تتعلّق بالنّظام السّياسيّ و ليس بشخص واحد".

 خاتمة
لم يتنازل الرّئيس الأسد عن الثّوابت المتعلّقة بالمقاومة و بفلسطين و بالعروبة و بالبعث، كما أنّه لم يتنازل عن شيء من صلاحيّات الرّئاسة. إنّ ثبات خطاب الأسد في الحرب دفع الكثيرين إلى تبنّي الكثير من وجهات نظره في نهاية المطاف، و بخاصّ منها أنّ الحرب هي بين الدّولة و الإرهاب.
بقي الأسد حتّى لحظة إعداد هذا الكتاب ثابتاً صامداً عند موقفه بأنّه لن يرحل بالضّغط الدّوليّ مهما كبرت الآلة الإقليميّة و الدّوليّة العسكريّة و السّياسيّة و الإعلاميّة ضدّه.
عرفت سوريا خضّات كثيرة و هزّات كبيرة مع أميركا لكنّ حافظ الأسد كان يقول: "لا يوجد حبّ أو كراهية دائمان، و إنّما مصالح دائمة؛ و على أساس هذه القاعدة علينا الدّفاع عن مصالحنا و التّعامل مع الدّول الأجنبيّة. ينبغي أن تكون سياستنا الخارجيّة منفصلة عن انفعالاتنا و تقلّبات مزاجنا"؛ و لا شكّ أنّ الرّئيس بشّار الأسد يعتمد المنطق نفسه.

******

هذا, وقدم الدكتور بهجت سليمان قراءة موازية لكتاب سامي كليب, من خلال دراسة نقدية وتحليلية معمّقة تحت عنوان:

{مع كتاب: د. (سامي كليب)}:

[خطاب الأسد من الإصلاح إلى الحرب]

 

□ دراسة نقدية للكتاب □أ بهجت سليمان في مكتبه

["الرّئيس الأسد"، في "الأيديولوجيا الإعلاميّة"..
و انحياز "الأكاديميّة" إلى "صفقةِ الحِيَاد"]

● د . بهجت سليمان

1 لم يُخطئ (كارل ماركس) في نقده الفظّ و الفذّ، في آن، لما يوصف بالأيديولوجيا الأكاديميّة المحايدة.
"أيديولوجيا"؟ نعم! ذلك أنّ إخفاء الموقف الموضوعي و الحازم من أحداث العالم الذي نعيش في قلبه، و بخاصّة عندما يكون الانتماء ضرورة وجوديّة و أخلاقيّة و سياسيّة، إنّما يعكس موقفاً أيديولوجيّاً تختلط فيه الضّبابيّة مع التّمويه الأكاديميّ، الذي يطرح نفسه على حياد حريق العالم في المكان و الزمان، مع الرّغبة في صورة "أخرى" للحدث الذي يُحاصر أولويّات التّمنّي و بواعث الرّغبة، لعلّ ذلك، لعلّ الصّورة الأخرى، لعلّ العكسَ.. يوفّر المادّة الأغنى لما تعتاش عليه قرائح "المحايدين" في صراعات الواقع و أحداثه الدّامية.

2 و كنّا سنكتفي بهذه الأطروحة النّقديّة على كتاب "خطاب الأسد - من الإصلاح إلى الحرب"، الصّادر مؤخّراً، للكاتب و الإعلاميّ د. (سامي كليب)، عن "دار الفارابي" في (بيروت)، و "دار الفرقد" في (دمشق) (2018م)؛ لولا أنّ ما نطرحه قد أسّس لجملة من "المشاكل" الفكريّة و السّياسيّة ما كنّا نتمنّاها للصّديق الإعلامي الدكتور (سامي كليب)؛ رغم الجهود الكبيرة المبذولة في الكتاب، ورغم الجدية والمثابرة والفائدة العامة التي خرج بها الكاتب في هذا الكتاب، بما يضاف إلى تاريخه المهني الإحترافي في دنيا الإعلام.

و لهذا حبّذا أن نقرأ في هذا "الكتاب" قراءة متأنّية في مستويين: الشّكل.. و المضمون.

■ أوّلاً – في الشّكل و المنهج:

3 للحقيقة، فإنّ المؤلّف قد حاول، و بجهد صادق، أن يكون "موضوعيّاً"، إلّا أنّ الحسابات الأخرى، الإعلاميّة و التّرويجيّة السّياسيّة للشّخص، قد تركت ظلالها المباشرة و الكثيفة على "الحقيقة" الضّارعة في عيون و قلوب "المراقبين"، ناهيك عن أصحاب "الحساسيّة" الجماليّة و السّياسيّة و الأخلاقيّة التي انصدمت صدمة تاريخيّة مؤلمة و عميقة، و ربّما أبديّة، لما دار و يدور في (سورية) من حرب أقلّ ما يُقال فيها إنّها حرب ظالمة، شرسة، دمويّة، همجيّة و بربريّة، و لا أخلاقيّة، تبتعد عن "المعقوليّة" بقدر ما تبتعد الأيديولوجيا، نفسها، عن "العقلانيّات".

4 يرصد الكاتب "الحرب السّوريّة" من زاوية المتفرّج الإعلاميّ؛ و لكنْ حتّى الفرجة المسرحيّة، نفسها، لا يمكن أن تترك المشاهد من دون انعطافة عن "الحياد" الجماليّ، في الأقلّ، و هذا إن لم نقل عن مضمون و مغزى الأحداث، بما تستدعيه "الفرجة المسرحيّة" من تعاطف و عواطف، و ربّما ألمٍ عاطفيّ – هذا إذا أخذنا بمذهب المسرحيّ الرّوسيّ العظيم (ستانسلافيسكي) – يبقى في الخاطر الرّوحيّ ليُنتج مفاعيله الأخلاقيّة و الاجتماعيّة الحاصلة في قلب التّاريخ.

5 و نحن عندما نتحدّث على الانتماء، فإنّنا لا نذهب إلى معناه المؤطّر بالأعراف السّياسيّة، و إنّما نبتعد إلى الحدّ الذي يحدّ مسافة البعد، هذه، بالضّرورة التي تُكسب الموقف الإنسانيّ لونه و رائحته الطّبيعيّة؛ إذْ ما من شيء في هذا العالم ليس له، بالحدّ الأدنى، هذه الخواصّ، و لو كان الحديث يدور على "الماء" الذي يُصنّف و يُنعتُ بأنّه لا رائحة و لا لون و لا طعم له، مع أنّ كلّ هذا التّعريف هُراءٌ بهراء، و هو أضعف وصف طبيعيّ لشيء تخترق أهميّته كلّ ما في الوجود، و يكاد يكون معنى و مغزى الحياة!

6 حتّى و لو كان (أرسطو) متحاملاً على (أفلاطون)، و هو كذلك، طبعاً؛ فإنّ له مقولة كان يُكرّرها باستمرار: "نحن نُحبّ أفلاطون، و لكننا نُحبّ الحقيقة أكثر".
و نحن من هذا المنطلق على الأقلّ سنداعب صديقنا د. (سامي كليب)، دعابة الأصدقاء فيما بينهم، و لو كانت الدّعابة أحياناً قاسية بعض الشّيء و صريحة و حازمة، و ذلك في مناسبة قراءتنا لكتابه المذكور قراءة جدّيّة تتناسب، على الأقلّ، مع "جِدِّيَّة" أو وقاحة هذه الحرب العالميّة التي تُشنّ على سورية منذ ثماني سنوات. و هذا هو الذي سأبدأ فيه هذا الحديث!

يُطالعنا "العنوان" بتباشير تحليل أسرار و وثائق "خطاب" (أو "خطابات") الرّئيس السّوريّ بشّار الأسد.
و إذ يعتمد الكاتب "المنهج البنيويّ" و "الكمّي" و "الوصفيّ"، من دون المنهج "التّحليليّ المفهوميّ"، لتحليل "الخطاب"، فإنّه يقع في ارتباك منهجيّ بين أن يُميّز "الخطاب" بمفهومه "الّلغويّ" (أو الدّارج، بالأحرى)، و بين أن لا يُمارس نقده "الخطابَ" بوصف هذا الخطاب هو حاصل تفاعل المُضمر في القول، و هذا وفق عدم تمكّن د. (سامي كليب) من ممارسة هذا "المنهج" بالذّات.

7 يقول لنا "المُعجم" (القاموس) في المادّة "خِطَابٌ" : هو كلّ كَلاَمٌ يَحْمِلُ شَكْوَى أَوْ تَذَمُّراً يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ إِثارَةَ انْتِبَاهِ الْمَسْؤُولِيَن ؛ و منه جاء "فَصْلُ الْخِطَابِ" : الذي هو كَلاَمٌ تُوَضَّحُ بِهِ قَضِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ أَوْ مُشْكِلَةٌ وَيَكُونُ حُكْماً بَيِّناً ؛ و منه ، أيضاً ، "فصلُ الخِطاب" : الحُكْمُ بالبَيِّنَةِ ، أَو اليمين ، أَو الفقه في القضاء ، أو النُّطْقُ بأمَّا بعْدُ ، أو أن يفصل بين الحقِّ والباطل ، أَو هو خطابٌ لا يكون فيه اختصار مُخِلٌّ ، ولا إسهاب مُمِلّ ؛ و منه "تَحْلِيل الْخِطَابِ" : تَحْلِيلُ حَدِيثٍ أَوْ مَجْمُوعَةِ نُصُوصٍ مُرْتَبِطَةٍ . و منه "الخِطابُ" بمعنى : "محاورة ، جدال ، كلام" ؛ و كذلك منه "الخِطابُ" : الرِّسالَة" .

وفق "المنهج" الكمّيّ ، الوظيفيّ ، البراغماتيّ ، و البنيويّ ، في إطار علوم "الألسُنيّات" ، فإنّنا نلاحظ أنّ مادّة "خطاب" قد انتشرت في الغرب ، ثمّ عندنا ، بما هو الخطاب أحد أو مجموعة "ظاهريّات" (فينومينولوجيّات) "النّصّ" أو الإبلاغ عن حقيقة أو حقائق أخرى عجز "النّصّ" عن إحداث "الأثر" عبرها ، أو سكت عنها "النّصّ" بقصد ، أو أنّ مجرى "الدّلالة" نفسه يؤدّي إلى إحدى ظاهريّات "النّصّ" كأثر يُرتِّب على تلك العلاقات "الخطاب" ؛

و نحن مُضطرّون ، إزاء ذلك ، إلى قراءة كتاب المؤلّف بوصفه قراءة في "خُطب" الرّئيس بشّار الأسد إو في خِطبةٍ (أو خُطبةٍ) واحدة أو أكثر من خُطب الرّئيس – و ليس في خطاب - كأثرٍ دالٍّ على فعل القول المباشر و حسب ، ذلك لأنّ "الخطاب" قد استقرّ مع "البنيويين" من أمثال (دي سوسير) و (ألتوسير) و (رولان بارت) و (غولدمان) و (فوكو) ، بل و حتّى مع (بول ريكور) آخر عنقودِ فلاسفة البنيويّة في القرن العشرين على أنّه الأثر الدّلاليّ (النّسقيّ) للمقول ، و الذي يترتّب على "المقول" ، حتّى أنّ واحداً منهم ، و هو (بول ريكور) قد ذهب بعيداً جدّاً في تعريف "الخطاب" بحيث قال إنّ "الخطاب" هو ما يتقدّم النّصّ من جملة الاستراتيجيّات المقولة ، و ليس هو ما ينتج عن "النّصّ" من أثر !

لقد حاول د. (سامي كليب) أن يُطبّق هذا المنهج –وفق ما يُصرّح به ، هو ، من اقتباسات عابرة و غير معبّرة و في غير مناسبتها في البحث ، لكلّ من (فوكو) و (دي سوسير) بشكلٍ خاصّ ؛
فإذا به ينتهي ، إلى الحديث على "الخِطبة" (الخُطبة) السّياسيّة مخضعاً لها إخضاعاً تعسّفيّاً و قسريّاً للمنهج "البنيويّ" (و الألسنيّ) ، بما هي "الخطبة" – قاموسيّاً - تعني "قطعة من الكلام توجَّه إلى جمهور النَّاس ، أو كلامٌ يخاطب به المتكلِّم جمعًا من النَّاس لإعلامهم وإقناعهم بغرض أو بمجموعة من الأغراض في مناسبات الكلام" .

يذهب (الجرجانيّ) ، كنحويّ و "متكلّم" ، إلى ما هو أقرب إلى المذهب "البنيويّ" المعاصر ، منه إلى التّعريفات السّائدة في عصره (1009- 1078م) و حتّى اليوم ، عندما يُعرّف "الخطابة" بأنّها "قياس مركّب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه والغرض منها ترغيب الناس في ما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم كما يفعله الخطباء والوُعّاظ" .

يؤيّد وجهة نظرنا القائلة بأنّ د. (سامي كليب) قد خلط ما بين "الخطاب" بمفهومه البنيويّ و بين الخِطبةِ كمقول سياسيّ ، ما ذهب إليه في عنوان الكتاب "خطاب الأسد .. " ، فيما قرأنا تحليلات كمّيّة لمقولات و إشارات ضمنيّة في أحاديث الّرئيس الأسد ، في الوقت الذي كان فيه د. (سامي كليب) – على طول كتابه – يحاول أن يعمل على أساس المنهج البنيويّ الوصفيّ و الكمّيّ – و أحياناً المفهوميّ – للخُطبِ السّياسيّة للأسد و ليس للخطاب السّياسيّ للرّئيس .

8 على هذا ، و لكي لا نُبقي القارئ في غرفة الانتظار ، يمكن لنا أن نعرّف "الخطاب" السّياسيّ للرّئيس (و "الخطاب" ، بوجه عامّ) ، بوصفه "مؤدّى" أو "مؤدّيات" النّصّ السّياسيّ للخُطب الكلاميّة التي تضمّنتها نصوص الأحاديث في مناسباتها السّياسيّة المختلفة ، أو في غير ذلك من المناسبات ؛
فالبنيويّة تحدّد الإطار الفلسفيّ و المنهجيّ لقراءة "النّصّ" ، في حين أنّ "الّلسانيّات" هي النّموذج الإجرائيّ (وفق مقاربتنا التعبيريّة لمقترحات رولان بارت) ، على اعتبار أنّ د. (سامي كليب) قد جرى هذا المجرى الأكاديميّ "البنيويّ – الّلسانيّ" ، أو حاول على الأقلّ ، في تحليل "خُطب" الأسد ، و ليس "خطاب الأسد" كما أحبّ أن يقول .

و علينا ألّا يفوتَنا في هذا المكان التّذكير بأنّ "الخطاب" شيءٌ جامع للنّصّ و السّلوك و الممارسة و المواقف و الأحوال و الأقوال ؛ و هكذا فإنّ التّحليل البنيويّ (القراءة) للنّصّ ، هي ليست مجرّد تطبيق آليّ لمفاهيم نظريّة عامّة لمدارس أكاديميّة ، و إنّما هي قراءة "فينومينولوجيّة" (ظاهرياتيّة) بحسب ما تُفهم "الظّاهريّات" (الفينومينولوجيا) عند كلّ من (هوسّرل) و (هايدغر) و (باشلار) ، بشكل خاصّ ، مع عدم إهمالنا للمؤسّسين الكبار للبنيويّة و الألسنيّة من أمثال (دي سوسير) و (ألتوسير) و حتّى (كلود ليفي ستراوس) أيضاً .

■ ثانياً – في المضمون :

9في حدود عدم استقلال "الشّكل" عن "المضمون" ، يُمكننا أن نقول إنّ المضامين في أنظمة الدّلالة (الأنساق) هي جزء لا ينفصل عن نظام الدّلالة الذي يُعتبر فيه "الشّكل" مؤطِّراً لفروض "المضمون" التي يتكفّل بها "المدلول" . إنّ المدلول نفسه ليس أكثر من المضمون الذي دخل في نظامٍ دلاليّ مُلزِمٍ ، أي في نسق من الأنساق الثّقافيّة أو الفكريّة أو السّياسيّة .

يقودنا هذا االقول إلى فحص "المضمون" على ضوء الكلّيّة الظّاهريّاتيّة التي باح بها الكتاب ، و لو أنّ لصاحب الكتاب ، ربّما ، آراءً أخرى لم تسمح له بها "المناسبة" في إطارها الواقعيّ السّياسيّ العمليّ الذي يُملي على "البعض" موقفاً أو مواقف إشكاليّة في تعقيدها و تركيبها العمليين .

أظهرت الحرب على سورية الكثير من تعقّدات المواقف الفكريّة و السّياسيّة ، التّسويغيّة أو التّبريريّة ، الواضحة أو الموارَبة ، الصّريحة أو الضّمنيّة ، و أخبراً المنخرطة في الصّراع أو تلك التي تعمل على أن تكون على "الحياد" .

و طالما أنّ الأثر هو نتاج صاحبه في ظروف محدّدة و شروط قياسيّة موصوفة و مُسمّاة ، فإنّنا لن نحكم على "الكاتب" أحكاماً تعسّفيّة أو سريعة ، فيما يكفينا الحكم على "الكتاب" ؛

مع أنّنا اخترنا هنا الولوج في مغالطة ظاهريّة تقول بقسرنا الأشياء للفصل بين الأثر و صاحب الأثر ، إذ ما من برهان تاريخيّ على ادّعائنا هذا ، و لو أنّنا نميل ، عادة ، إلى قراءة تعقيدات المواقف السّياسيّة و ظروفها و شروطها قبل أن نباشر بقراءة الأثر بالذّات و بالتّالي صاحب الأثر .

10 "الكتاب" في القراءة الأولى و غير الاحترافيّة ، يُبدي موضوعيّة كافية ليُصنَّف في عداد الكتب "الحياديّة" من تلك التي تناولت الحدث السّوريّ المفارق ، حتّى الآن ، من جهة أنّه يقول "شهادة" اختصاصيّة على الحرب السوريّة ، لا يعنيها الانحياز إلى هذا الطّرف أو ذاك من أطراف الصّراع .
يُبرز فيه الكاتب الآراء و المواقف المختلفة ، و كلّ بحسب روايته أو رواياته ، بجميع مكونات و أطراف و ظروف و مواقف و مضامين الحرب السّوريّة بمنعكساتها الدّاخليّة و الإقليميّة و الدّولية الغربيّة بخاصّة ..
في هذا الإطار جعل الكاتب هدفه دقّة نقل جميع آراء و مواقف الأطراف المنخرطة في الصّراع ، و كلٌّ من وجهة نظره ، بطبيعة الحال ، و لكنْ مع غيابٍ شبه كامل لرأي الكاتب – الّلهمّ إلّا فيما يحتاجه في بنائيّته من تنظير - مع أنّ الكتابة هي أيضاً موقف من العالم ..
إلّا أنّ التّغيّرات الدّوليّة و تعقيدات الحرب أربكت عقول الكثيرين ففضّلوا "التّريّث" في الاصطفاف ، و هذا أمر يخصّ أصحاب هذا الأمر ، و ليس لأحد أن يفرض على الآخر رأيه أو وجهة نظره .. لولا أنّ الصّراع ، و إن تخفّى في بداياته المبكرة جدّاً ، قد أفصح بعد قليل ، و مباشرة ، عن طبيعته ، فكان الأولى بالكاتب تخفيف عقدة المهنيّة الاحترافيّة الإعلاميّة التي تميل غالباً إلى عدم الانحياز .

11 لا تطلب الحرب أو قوى الحرب التي تدافع عن الحقيقة و الحقّ - مع أنّ الحقّ لا يحتاج إلى أحد للدّفاع عنه ، لظهوره بجلاء على غموضه العابر و العَرَضيّ – أيّ تعاطف أو انزياح أو اصطفاف إلى جانبها إلّا بقدر ما تتطلّب الموضوعيّة من الممارسة ، ذلك .
ينقسم ، عادة ، المراقبون السّياسيّون ، و الإعلاميّون منهم بطبيعة الحال ، إلى أقسام ثلاثة :

• الأوّل هو من يقف إلى جانب المنخرط في الحرب و المؤجج الأوّل لها كسبب جوهريّ و مقصود لمصالح أو لأخرى ؛

• و الثّاني من هو ينخرط مبدئيّاً في الحرب للدّفاع عن الحقيقة التي يُعبّر عنها النّاس بأشكال شتّى ، يجمعها رفض الحرب الظّالمة و الرّغبة في تجاوزها ؛

• و أمّا الثّالث فهو المشاهد أو المراقب البارد الذي لا تعنيه الحرب مباشرة ، من حيث زمانها و مكانها ، و من حيث الأطراف الدّاخلة فيها ، بقدر ما يعنيه أن ينظر إلى الجانب الفيزيائيّ من الحرب بوصفها واقعة مادّيّة اجتماعيّة و سياسيّة تاريخيّة ، و بوصفها أيضاً أحد مبرّرات وجود هذا النّوع من الأشخاص الذين يعتاشون ، بحكم طبيعة عملهم ، على الأحداث الكبرى ، و الذين منهم يُصنّف رجالات الإعلام ، و القائمين على مؤسّسات الإعلام .

و لكنّ هذا النمط الأخير من الأشخاص و البشر هو أيضاً ينقسم إلى صنفين أساسيين :

الأوّل منهما صنف مزوّر للتّاريخ ..

و الثاني منهم من ينقل أحداث التّاريخ بعناية شخصيّة أخلاقيّة براغماتيّة ، بغضّ النظر عمّا إذا كان مراقباً دقيقاً للحقائق ، أم أنّه من النّوع الارتجاليّ و غير المتروّي في تأمّل الأحداث .

في هذا الجانب الثاني ، يقف صديقنا د. (سامي كليب) ، ليُعبّر عن "الحقيقة" بطريقته التي ؛ و إن كان لنا عليها مآخذ المبالغة في الأكاديميّة (بما فيها الأخطاء التي عالجناها ، أعلاه ، على عجل) بهدف الهروب أو التّهرّب من الوصفيّة الدّقيقة للأحداث ؛ اختار فيها عدم "التّورّط"(!) بالمواقف المنحازة إلى درجة جعلت من الكتاب ظاهرة أقلّ تشويقاً ، إذ أنّ القارئ غالباً ما ينتظر ما لا يعلمه من الحدث السّياسيّ ، في الوقت الذي لم يَرِدْ أيّ شيءٍ جديد في ثنايا الكتاب ، ممّا جعله كتاباً يُضاف إلى الكتب الأخرى التي عالجت وقائع الأحداث بتسجيليّة دقيقة !

12 و في كلّ حال فإنّ ما يُنظر إليه في الجهود الواضحة في إعداد الكتاب و مادّة الكتاب ، إنّما هو هذا الاهتمام التّخصّصيّ بالظّروف السّوريّة و الحرب فيها و بشسخصيّة الرّئيس الأسد ، مع أنّنا لا نوافق على الكثير ممّا جاء في هذا الكتاب ، سواءٌ بالنّسبة إلى حقيقة الحرب منذ اندلاعها كحرب على سورية منذ لحظاتها الأولى – و هذا ما لا يوافق عليه صديقنا كما بدا – أو بالنّسبة إلى الحديث على شخصيّة الرّئيس بشّار الأسد ؛
إذ أنّنا في الظّروف العالميّة الدّامية لا يعود الأهمّ هو الصّفات الشّخصيّة للقائد أو الرّئيس أو الزّعيم ، بقدر ما يكون الأهمّ هو وقوف هذه الشّخصيّة في الجانب الصّحيح من التّاريخ ، سواءٌ أُعجبنا كرأي شخصيّ بموقفه أم لم نُعجب ، و ذلك تحت طائلة بُعْد الأفق السّياسيّ العالميّ و التّاريخيّ أو العكس من ذلك ، و أعني اللانحياز إلى اللحظة التّاريخيّة المختزلة و المُضلِّلة ، ناهيك عن التّعامل معها على نحو حياديّ .
يؤخذ على صديقنا الكاتب أنّنا لم نعثر له على أثر شخصيّ في مادّة الكتاب ، من موقف أو آخر ، و إنّما شاهدنا "الجميع" ، من أشخاص و أحداث و مواقف و معتقدات و معتنقات .. ، باستثنائه هو الذي اختار حجم هذا الغياب !

13 أمام بعض الوثائق التّسجيليّة التي أبرزها الكاتب، و الصّادرة عن جهات لا يمكن لها أن تُحابي الرّئيس الأسد، كبعض الصّحف الأميركيّة وما فوق العالميّة، كالواشنطن بوست و الواشنطن تايمز و غيرها، و التي قالت بعض الحقائق بتجرّد حول هذه الحرب؛
كا ن يُمكن لصديقنا د. (سامي كليب) أن يُجاهر بمواقفه دون تردّد و من دون أن يوصف بالتّحيّز أو بمحاباة الأطراف و الاصطفاف على أنه قد يُضعف من مصداقيّته و موثوقيّته الإعلاميّة؛
إذ أنّ الأعداء قبل الأصدقاء قد أشاروا إلى حقائق واقعيّة في الاستقطابات المشوِّهة للتّاريخ و الإنسانيّة جمعاء، و المشوَّهة في تخندقاتها في الطّرف الرّجعيّ في التّاريخ أو للتّاريخ.

بقي لنا أن نداعب صديقنا الكاتب دعابة أخيرة:

و هل يا تُرى يحتاج أحدٌ في العالم أن يعرف أكثر ممّا عُرفَ، أو أنّ "شدّة" المهنيّة (!) "تتطلّب" هذا الاختباء وراء "الرّأي".. بأن ثمّة دولاً في المنطقة الإقليميّة و العالم قد عاينت الواقع الأوليّ بسورية و درست و خطّطت و درّبت و موّلت و رعت و سلّحت و وجّهت و ساعدت.. و حاربت مع قطعان التّخريب و التّدمير و الموت، وفق رأي الرّئيس الأسد و حسب؛
و هل له أن يتجاهل هذا الخراب العالميّ الذي تسبّبت فيه قوى الدّمار التي صارت معروفة حتّى لجراد الحقول و الصّحارى في الإقليم و العالم، لنحتاج إلى "اعتراضيّة" تقول: "برأيه"؛ و هل هو، الرّأي، هو الذي يصنع العالم و الأحداث و ليس العكس؟!
و إذا كان ثمّة جواب يمكن أن يُخالف هذا "الواقع" المتضمَّن في هذا التّساؤل، فإنّنا نكون قد دخلنا، جميعاً، نحن و "الكاتب"، في ما لا يجوز و في ما لا يُمكن أن يجوز.

صفحة الدكتور بهجت سليمان