زيد نابلسي: إلى أصحاب مقولة "بشّار الأسد يقتل شعبه"
كتبت هنا قبل سنة هذه الشهادة للتاريخ، وسأظل أكررها كل سنة، فلن أخشى في قول الحق لومة لائم، وليذهب عبيد ضباع الصحراء إلى قعر الجحيم...
__
منذ بداية ثورة الذبح الوهابية في سوريا، كتبت كثيراً عن الجيش السوري وعن الدولة السورية، وعن ملاحم البطولة الأسطورية، وعن حتمية النصر على أعداء الحياة...
كتبت كثيراً عن حزب الله وأمينه العام، وعن رجال الله في الميدان، وعن دور إيران المفصلي، وعن روسيا الحليفة الوفية، وعن خليفة الدواعش المجرم إردوغان...
كتبت عن أمراء وشيوخ الوهابية، داعمي قاطعي الرؤوس ومموليهم ومدربيهم ومسلحيهم، وعن المرشدة العامة للإخوان المتأسلمين هيلاري كلينتون، وعن قنوات الجريمة والتحريض المذهبي والطائفي، وعن خونة الأوطان في ما يسمى بالمعارضة السورية، وعن عصابة 14 آذار المرتهنة لإسرائيل، مجرمي الحرب الأهلية اللبنانية والجناح السياسي لداعش وجبهة النصرة في لبنان...
كتبت كثيراً، ولكني لم أخصص بعد مقالاً منفرداً عن الرئيس السوري بشار الأسد...
بعد توالي انتصارات الجيش السوري على الأرض واندحار هذه الثورة الملعونة بلا رجعة، سأعطي اليوم هذا الرجل حقه، وسأقول ما يمليه علَيّ ضميري في شخص رئيس الجمهورية السورية...
بدايةً، يجب التوضيح بأنني لا أنكر ولم أنكر يوماً وجود سلبيات كبيرة في أسلوب إدارة الدولة السورية وأجهزتها المختلفة، ولا أنكر ولم أنكر يوماً تفشي الفساد والتسلط والتجبر في كثير من مفاصل هذه الدولة ومرافقها...
ولكن ما يتم التغاضي عنه وتجاهله من قبل كارهي حكم الرئيس بشار الأسد هو أن هذه السلبيات لم يخلقها أو يتسبب بها الشاب طبيب العيون المثقف عندما ورث حكم أبيه، وإنما هي عبارة عن تراكمات تاريخية ومرآة تعكس واقع المجتمع السوري ومكوناته وثقافته وتركيبته بعد قرون من الإستعمار العثماني ثم الإنتداب الفرنسي تلتها فوضى من الإنقلابات العسكرية، فحزب البعث لم ينزل على السوريين من الفضاء، بل إن "دود الخل منه وفيه"...
والأهم من ذلك كله هو أن هذه السلبيات لا تتميز بها سوريا وحدها عن غيرها من الدول العربية، وإنما هي آفات تشوّهية تعاني منها كل بلدان ومجتمعات هذا الشرق المنكوب بالقبلية والتخلف والإستبداد وتدني الأخلاق، ولا تخلو منها أي دولة ونظام عربي من المحيط إلى الخليج...
في أوائل الحرب على سوريا، عندما بدأ الإعلام المنحط تكرار مقولة "بشار يقتل شعبه" دون كللٍ أو ملل، كنت مع أصدقاء لي نتناول الغذاء في مطعم تنورين في عمّان ذات نهار، وسألوني كيف يؤيد شخص مثلي رئيساً يقتل شعبه؟
أجبت بكل بساطة أن بشار الأسد أتى للحكم في حزيران عام 2000، وبقي رئيساً مطلق الصلاحيات لمدة إحدى عشر عاماً قبل أن يشن بعير الصحراء الحرب على سوريا في آذار 2011، وتحديت أصدقائي يومها – وبما أن عبارة "بشار يقتل شعبه" أصبحت من المسلمات غير القابلة للنقاش عند الكثيرين – أن يأتوا لي بإسم مواطن سوري واحد فقط قتله بشار الأسد خلال 11 عاماً من حكم سوريا، وسأسلم لهم عندئذٍ بأنه رئيس يقتل شعبه، وطبعاً لم يفلح أحد في ذلك...
أنا أعلم أن هذه الصفحة يتابعها آلاف الأشخاص، كثيرون منهم ممن يكررون عبارة "بشار يقتل شعبه" دون تفكير، ولذلك في نيسان الماضي أعلنت هنا وكتبت ما يلي:
"هنالك 24 مليون مواطن سوري في هذا العالم، ولا بد للرئيس الذي يتلذذ بإبادة شعبه بأن يكون على الأقل قد قتل مواطناً واحداً خلال 11 سنة من الحكم قبل اندلاع الحرب الطاحنة، أليس كذلك؟ إذاً ليس صعباً أن تأتوا بإسم مواطن سوري واحد فقط قتله هذا الرئيس المولع بقتل شعبه كما تزعمون لنحسم هذه المسألة؟ والذي نفسي بيده، قصة مواطن سوري واحد فقط قتله النظام السوري من حزيران 2000 إلى آذار 2011، وسأعتزل الكتابة إلى يوم القيامة!!"
وحتى هذه اللحظة، لم يفلح أحد من ألد أعداء الرئيس الأسد الذين يواظبون على صفحتي بأن يأتوا بإسم إنسان من هذا الشعب الذي يتهمون الرئيس الأسد بقتله!!
أما بعد اندلاع الحرب على سوريا، فهنا يتوجب على كل من في قلبه مثقال ذرة من ضمير صادق أن يسأل نفسه أولاً وأساساً وقبل كل شيء عمَّن الذي بدأ هذه الحرب وأتى بها وفرضها على سوريا، وما هو الذي فعله الرئيس بشار الأسد في مواجهة هذه الحرب الشرسة على الدولة والشعب السوري؟
في البداية، انتشرت أكاذيب روجها ذات الإعلام المنحط، مفادها أن ما يسمى بـ"الثورة" قد بدأت سلمية، وأنها اضطرت للتسلح لمواجهة رصاص النظام، وأن بشار الأسد قابل المسيرات المسالمة بقلع أظافر الأطفال في درعا، وهنا يجب التوقف عند حجم الأكاذيب التي روجتها قنوات الفتنة والعهر الإعلامي، الفضائيات ذاتها التي انفضحت مصداقيتها اليوم بعد اندلاع حرب البسوس الأخيرة بين دول الخليج العربي...
اليوم، وكما كشف أشهر صحفي استقصائي في العالم، الكاتب الأمريكي سيمور هيرش، أصبح معروفاً لكل من لديه خط إنترنت وعقل سليم بأن هيلاري كلينتون هي التي أمرت سفيرها قبل مقتله في بنغازي بشحن الأسلحة التي غنمتها في ليبيا ونقلها إلى سوريا قبل بداية الأزمة، بما في ذلك غاز السارين الذي ثبت استعماله من قبل المسلحين في الغوطة الشرقية في دمشق وبعدها في خان شيخون في إدلب...
اليوم أصبح معروفاً أن قنص جنود وضباط الجيش والأجهزة الأمنية السورية من قبل "الثوار" كان قد بدأ منذ اليوم الأول، وأن مخازن الأسلحة في درعا كانت مكدسة في المساجد قبل أن يطلق الجيش السوري رصاصة واحدة، ومع ذلك كانت أوامر الرئيس بشار الأسد تدعو إلى التهدئة وعدم التصعيد، إلى أن حصلت مجزرة جسر الشغور في أوائل حزيران من ذات العام، أي بعد ثلاثة أشهر فقط على بدء الأحداث، عندما تم ذبح 123 ضابط عسكري سوري والتمثيل بجثثهم في الشوارع بهمجية لا يعرفها إلا أحفاد محمد بن عبد الوهاب، ليتبين عندها لمن يبحث عن الحقيقة أن هذه لم تكن ثورة حرية ولا ما يحزنون...
ولهذا فإن المجرم الحقيقي في سوريا والذي تسبب بقتل المدنيين الأبرياء هو ليس من دافع عن الدولة السورية بكل ما أوتي من قوة ومن براميل متفجرة، وإنما هي تلك الدول التي أنفقت مئات المليارات لشن هذه الحرب على سوريا للإنتقام منها ومعاقبتها على تمكين هزيمة إسرائيل في 2000 وفي 2006، فهم الذين أغرقوا سوريا بملايين أطنان السلاح الخفيف والثقيل، وهم الذين أرسلوا مئات آلاف الكائنات الوهابية المشحونة بعقيدة الكراهية والقتل لكي يمعنوا تنكيلاً بشعبها، ولكي يقتلعوا قمحه، ويسرقوا نفطه، ويقطعوا ماءه، ويطفئوا كهرباءه، ويدنسوا مساجده وكنائسه، وينبشوا قبور أسلافه...
هذه الدول ذاتها هي التي عرضت على الرئيس بشار الأسد في بداية الأزمة أن يطلب ويتمنى من المليارات ما يشاء مع العيش الرغيد الآمن هو وأهل بيته، بشرط أن يتنحى عن الحكم إلى المنفى ويسلم سوريا إلى خليط من عصابات تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين...
وهنا ظهر المعدن الحقيقي لهذا القائد عندما رفض جميع هذه العروض المغرية وآثر البقاء في سوريا واختار المواجهة، مع أنه كان يعلم أن ثمة وحوشاً مفترسة تتربص بقصر المهاجرين، وأن فصيلة مرعبة من مصاصي الدماء تتوعد أطفاله وزوجته بمصير يجعل من مقتل القذافي قبلها بأشهر قليلة موتاً رحيماً مقارنةً بما ينتظره هو وعائلته لو تمكن الهمج من عرينه في دمشق...
في تموز 2012، عندما فجرت هذه العصابات مقر مكتب الأمن القومي في دمشق وقتلت فيمن قتلت المرحوم اللواء آصف شوكت، زوج شقيقة الرئيس السوري وأحد أهم أركان حكمه، هو ووزير الدفاع داوود راجحة وعدد من أهم القيادات الأمنية، كانت هذه الجريمة هي بمثابة الإمتحان الأكبر لصلابة الرئيس بشار الأسد، فحزب الله لم تطأ قدم مقاتل منه أرض سوريا إلا بعدها بسنة في صيف 2013، وروسيا لم تدخل الحرب إلا في أيلول 2015، ويومها كان العالم بأكمله يردد مقولة أن "المسبحة" قد فرطت، وأن "أيام الرئيس السوري أصبحت معدودة"...
لم يستسلم يومها بشار الأسد، مع أن المشهد كان محبطاً والأفق كان قاتماً، بل أصر على الصمود ومجابهة الأهوال، ولم يتزحزح عن موقفه الرافض للمؤامرة، وازداد تمسكه بشعبه وإيمانه بجيشه، فازدادت معه وتيرة قطع الرؤوس وأكل القلوب، وانهمرت المليارات على تسليح وتدريب المزيد من حثالة الأرض لإرسالهم إلى سوريا عبر تركيا...
كانت قناة الجزيرة، الراعي الرسمي لتنظيم القاعدة ولا تزال، تعلن كل جمعة بإسمٍ جديد، فتارة جمعة إرحل يا بشار، وتارة جمعة الغضب، ولم يبق إسم في القاموس لم تحمله أيام الجمع في سوريا، وبقي الرئيس الأسد كالصخرة لا ينكسر ولا يخنع ولا يتراجع، بالرغم من حجم الدمار والذبح والغدر والتنكيل...
يُقال أن معدن الرجال يظهر ويلمع في خضم المحن والشدائد، لا في زمن الرخاء وراحة البال، ولذلك وبالرغم من كل ما تروجه أبواق الإعلام المتصهين، فإن الذي لا شك فيه بعد ست سنوات ونصف من أشرس حروب العصابات قساوةً في التاريخ هو أن الرئيس بشار الأسد قد برهن أنه من أشد الرجال بأساً في هذا الكوكب، ومن أصلبهم عوداً، وأثبتهم موقفاً، فما مرت به سوريا من حربٍ إرهابية ساهمت بها أكثر من ثمانين دولة هو امتحانٌ تخر له الجبال وتنشق له الأرض وتتهاوى أمامه الهامات...
ولكن بشار الأسد بقي صامداً وشامخاً يتحدى الموت، لا يهاب من زيارة خطوط النار بنفسه ليعانق جنوده الأوفياء ويمالحهم من كسرات خبزهم وزيتهم وزعترهم، بينما بقيت السيدة الفاضلة أسماء الأسد تربي الأولاد، وتجد الوقت الكافي لتضمد جراح المكلومين وتعانق أمهات الشهداء وأيتامهم، ولم تغادر سوريا ولم ترتاح ولا ليومٍ واحد منذ اندلاع الحرب حتى هذه اللحظة...
أما بالنسبة لمن اكتشفوا موضوع الديمقراطية وتداول السلطة فجأة بينما هم يعملون بأجر لدى مزارع يملكها هي وترابها وهواءها وما تحت أرضها شيخ القبيلة بإسمه شخصياً، فأرجوكم أن توفروا محاضراتكم علينا حول حق الشعوب في اختيار من يحكمها، وأن تخجلوا على أنفسكم وأن تعيرونا صمتكم...
فلستم أنتم من يمنح الرئيس الأسد شرعيته، وإنما هذا أمر يخص الشعب السوري لوحده، فلماذا تنكرون إذاً على هذا الشعب حقه في إجراء انتخابات حرة نزيهة يقرر من خلالها من يريد أن يحكمه؟
هل السبب هو أنكم تعلمون أن بشار الأسد سيفوز بهذه الإنتخابات بأغلبية ساحقة من ناخبي الشعب الذي ذاق الأمرين من ويلات حريتكم وثورتكم ومن بربرية ثواركم ولحاهم وسواطيرهم المضرجة بدماء هذا الشعب؟
وفي الختام، لست أنا أيضاً من يعطي الرئيس بشار الأسد شهادات الرجولة، بل إن التاريخ هو الذي سيشهد أن الحرب على سوريا كانت مصنع الأُسُوُد، والتاريخ هو الذي سيسجل أن تحدي وصمود هذا الأسد أمام جحافل الوحوش التكفيرية التي غزت بلاد الشام هو الذي أنقذكم وأنقذ كل هذه المنطقة من طوفان وهابي عارم كان سيجتاحنا جميعاً لو سقطت سوريا، وما هذه إلا كلمة حق أقولها إنصافاً وعرفاناً وجزءاً بسيطاً من رد الجميل...
