813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حازم مبيضين: "سنّي في البلاط الشيعي"- ح3

يتابع فينكس نشر مخطوط كتاب "سُنّي في البلاط الشيعي" للكاتب والصحفي الأردني حازم مبيضين, وأدناه الحلقة الثالثة: 

شيعة البحرين

----------------

مملكة الصراع المستمر

البحرين إسم أطلق على إقليم جغرافي واسع، يشمل أغلب المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية المطلّة على الخليج العربي، ويمتد من البصرة إلى سلطنة عمان، أما اليوم فهو يعني الجزيرة الصغيرة التي تقع بالقرب من الشواطئ الجنوبية للخليج، التي لا تتجاوز مساحتها 737 كيلومتر مربع من الشواطئ الجنوبية للخليج العربي، وأكثر سكانها من القومية العربية، وتتميز البحرين بأن التركيب الطائفي فيها مخالف لما في دول الخليج، فأغلبية سكانها هم الشيعة "70% من عدد السكان" بينما يمثل السنة أقلية، ويعد الحراك السياسي وتحرك المعارضة فيها الأقدم والأنشط بين تلك الدول. ومع أن التيارات الليبرالية واليسارية شاركت في المعارضة، إلا أن الشيعة يمثلون مادة المعارضة الرئيسية، ومحركها الأساسي. فقد دخل الشيعة منذ عقود في صراع مع نظام الحكم السُني، وانخرطوا في كثير من أعمال الاحتجاج الجماعي. إلا أن العلاقة بين القوى الشيعية والنظام الحاكم شهدت أسوأ مراحلها خلال التسعينيات، ووصل التوتر بين الطرفين ذروته في نهاية عام 94، إثر قيام حركة احتجاج شعبية شيعية مطالبة بالإصلاح والمساواة، وتخللها مواجهات مع الحكومة، وكان رد فعل الحكومة قاسياً وعنيفاً إذ جرى احتجاز الآلاف من المتظاهرين، والتنكيل بهم كما تم اعتقال عدد من قيادات المعارضة، وشهدت علاقات الطرفين بعض الهدوء مع تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم, غير أنها عادت للتوتر بصورة أكبر مؤخراً. وشيعة البحرين ومعظمهم من أصول عربية، مثل شيعة المنطقة الشرقية بالسعودية ينتمون إلى الأصول نفسها، ويشتركون في التاريخ نفسه، ويتبعون المذهب نفسه، وهو الإمامية.

غلب على البحرين الطابع الشيعي على مرّ التاريخ، وقد أنجبت الكثير من العلماء الكبار الذين أثروا المكتبة الإسلامية بعطاءاتهم العلمية ومصنفاتهم الكثيرة، ولا زالت البحرين كذلك حيث يمثل الشيعة الغالبية في المجتمع البحريني، مع ذلك لم يحظوا من الحقوق بما يناسب حجمهم الطبيعي على المستويين القيادي والإقتصادي، إضافة الى الضغوط التي توجهها السلطة ضدّهم والإضطهاد الذي يمارس بحقهم، مما ولّد ردّة فعل طبيعية تمثل بانتفاضة الشعب البحريني عام 2011م تلك الانتفاضة الواسعة التي اندلعت بوجه السلطة الحاكمة وما زالت قائمة حتى هذه اللحظة، وقد وصفت منظمة العفو الدولية "هيومن رايتس ووتش" عام 2011م الوضع في البحرين وحقوق الإنسان في البحرين بأنها كئيبة.

عام 2004 أسس مجموعة من العلماء الشيعة البارزين في البحرين "المجلس الإسلامي العلمائي"، وهو بمنزلة مؤسسة دينية عليا للشيعة، غير رسمية، ويتبع وزارة الشؤون الإسلامية "مجلس الأوقاف الجعفرية"، الذي يشرف على الأوقاف التابعة للطائفة الشيعية، كما يحتكم الشيعة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية أمام محاكم جعفرية.

ومع ذلك، يشير تقرير "الحرية الدينية في العالم" إلى أن الشيعة في البحرين مازالوا يعانون من التمييز الحكومي ضدهم في مجالات معينة، فالأفضلية في المناصب الحكومية الحساسة تعطى للسنة، كما أن الوظائف العليا في بعض المواقع، حكر على السنة، مثل وزارتي الداخلية والدفاع. ويجمع المراقبون على أن قضية "التجنيس" تعتبر من أكثر القضايا التي تثير توتراً بين الشيعة والسلطة. فالشيعة يرون أن سياسة التجنيس العشوائي، المخالفة للوائح والمراسيم الملكية التي تتبعها الحكومة، إنما هي "محاولة لتغيير التركيبة الديمغرافية لمصلحة السنة".

تشكل البطالة عاملاً رئيسياً في توليد التذمر لدى الأوساط الشيعة. فنسبة البطالة، حسب الجهات الرسمية، تصل إلى نحو 15 في المائة، إلا أن الرقم الفعلي هو أعلى من ذلك بكثير، وخاصة بين صفوف الشباب الشيعة، بحسب تقارير دولية.

تعود الجذور التاريخية للشعب البحريني إلى العصرين الحجري والحديدي، وقد كشفت الآثار التاريخية المتبقية في تلك الجزيرة عن وجود مدنية فيها يعود تاريخها إلى خمسة آلاف عام، وأنّ الفينيقيين والسومريين قد قطنوا تلك الجزيرة, بالإضافة إلى القبائل العربية العدنانية والقحطانية، ربيعة، وائل وعبد قيس. وكانت البحرين في عهد الأخمينيين وقبل الإسلام جزءاً من بلاد فارس.

وبظهور الإسلام خضعت لحكم الدولة الإسلامية. ومؤخراً خضعت لحكم آل خليفة وهي أسرة عربية ترجع إلى عشيرة العتوب السعوديين الذين هاجروا في بدايات القرن الثامن عشر إلى الساحل الجنوبي للخليج العربي، و تمكنوا من السيطرة على جزر البحرين وتعاقب على حكمها منهم، 10 شيوخ حتى آل أمرها لحاكمها الحالي حمد بن عيسی الذي حولها من إمارة إلى مملكة يسكنها خليط من السكان الأصليين والعمالة الوافدة إليه. و قد أظهرت إحصائية عام 2010م أن عدد سكان البحرين نما إلى 1234596 نسمة يشكل البحرينيون 46/0 من السكان، و تتساوى نسبة الرجال و النساء تقريبا، و يتصدر الهنود الأغلبية بين العمالة الوافدة ممّا يجعلها أكبر جالية في البلاد، و قد منح الدستور البحريني الحكومة حق إسقاط الجنسية عن المواطن البحريني في حالات خاصة، وقد أقدمت الحكومة البحرينية مؤخراً على إسقاط الجنسية عن بعض مواطنيها من أتباع آل البيت بعد توجيه تهمة الإرهاب والإخلال بالنظام اليهم، تلك الخطوة التي فسّرت بأنها محاولة من السلطة لإحداث تغيير ديموغرافي يراد منه التقليل من نسبة الشيعة في البلاد.

 في السنة الثامنة للهجرة بعث النبي العلاء الحضرمي موفداً عنه الى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، فلما أتاه العلاء بن الحضرمي يدعوه و من معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، و كانت ولاية البحرين للفرس، أسلم المنذر بن ساوى، و أسلم جميع العرب بالبحرين. إلا أن البعض منهم إرتد بعد وفاة الرسول فتصدى لهم العلاء بن الحضرمي و تم فتح البحرين و عودتها إلى الإسلام بعد مواجهة ضعيفة أبداها البعض من المرتدين. و تعود جذور التشيع في البحرين إلى عصر النبي حينما أرسل اليهم أبان بن سعيد بن العاص الذي كان هواه مع أمير المؤمنين, و لعل السبب الأساسي في انتشار التشيع في البحرين يعود إلى تواجد بني عبد القيس الذين كانت لوجهائهم و شيوخهم علاقات حميمة مع أمير المؤمنين.

صحيح أن التشيع بقي بعيداً عن حكم البحرين بعد عمر بن أبي سلمة الذي وجهه علي أميراً إلى البحرين و من بعده النعمان بن عجلان، حيث ذكر المؤخرون أنه لم يزل عمر بن أبي سلمة عاملا لأمير المؤمنين على البحرين حتى عزله واستعمل النعمان بن عجلان الرزقي على البحرين مكانه, و إنما عزله لحاجته إليه في حربه مع معاوية و بعد أن أشاد بحسن ولايته و أدائه للأمانة. إلا أن نسبة الشيعة في الوسط البحريني بقيت هي الأكبر, مما وفر الأرضية المناسبة لقيام بعض الحكومات الشيعية، منها، حكومة القرامطة وهؤلاء وإن كانوا الشيعة الاسماعيلية إلا أن حكومتهم تصنف ضمن الحكومات الشيعية، وحكومة العيوني والحكم العصفوري ثم الجرواني والجبرية، وبعدها خضعت البحرين للإحتلال البرتغالي حتى تمكن الشاه عباس الصفوي من تحريرها سنة 1035 هـ، وإرجاعها إلى أحضان الحكومة الشيعية التي سقطت على يد الخوارج الذين تمكن السلطان نادر شاه من طردهم وإعادتها إلى ما كانت عليه، حتى تمكنت أسرة آل خليفة من اعتلاء سدة الحكم في البحرين و ما زالوا يحكمون تلك البلاد.

يقطن الشيعة غالباً في القرى و الأرياف، في حالة من الفقر و التخلف الإقتصادي، باستنثاء البعض منهم، ممن استطاعوا وبجهودهم الخاصة التصدي لبعض المناصب الحكومية، ومن هنا فإن أكثر الشيعة يمارسون مهنة صيد الأسماك وبعض الحرف الزراعية، ويقطنون السواحل البعيدة. غير أن بعضهم تمكن مؤخراً من الإنتقال إلى المنامة و المحرّق و الإلتحاق ببعض الشركات النفطية في سترا وغيرها، ومن أهم المنظمات و الأحزاب الشيعية في البحرين، جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، وجمعية التوعية الإسلامية، والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، وحركة الخلايا الثورية، وحزب الله البحريني، وطالما وجهت السلطات البحرينية ومنذ عام 1987م أصابع الاتهام إلى حزب الله البحريني، وحركة أنصار الشهداء الإسلامية، و جمعية العمل الإسلامي وجمعية الإخاء الوطني. ويأخذ شيعة البحرين على سلطات بلادهم إهمالها لما يبدونه من اعتراضات وعدم فتح قنوات حوار مباشرة معهم، وعدم السماح لهم بلعب دور فاعل في المواقع الرئيسية والحساسة في البلاد، ويتهمون آل خليفة باعتماد منهج الإقصاء وإبعاد الشيعة عن كل المؤسسات والمواقع الحساسة للبلاد كالمؤسسات الإدارية والقضائية والأمنية، و لم تصل نسبة إشراك الشيعة في تلك المؤسسات في أحسن التقادير لأكثر من عشرة بالمائة، واعتمدوا سياسة الحرمان و التفقير تجاه الشيعة، الذين يمثلون غالبية الشعب البحريني، وبحسب ما أشار إليه القادة الشيعة هناك زجّت الحكومة البحرينية في السنين الأخيرة الآلاف من أبناء الطائفة في المعتقلات، حتى أنّ البعض منهم استشهد فيها، ومن الملاحظات التي سجلتها المعارضة البحرينية على السلطة الحاكمة اعتماد الشرطة البحرينية شتّى أنواع العنف الجسدي والروحي في مواجهة أبناء الطائفة، والتنكيل بهم واقتحام البيوت والمنازل بطريقة فجّة، مع العبث بمحتوياتها وإسماع أهلها كلمات نابية تسخر منهم، بالإضافة إلى إرعاب النساء والأطفال بطريقة وحشية، بعيدة عن القيم الحضارية، بل جلبت المرتزقة من الدول الأخرى لمواجهة أبناء الوطن من الطائفة الشيعية كالسودانيين، والنازحين السوريين مقابل منحهم الجنسيه، وأنشأت محاكم أمنية خاصة بالشيعة، ومازال ما يقرب من الألفين من أبناء الطائفة الشيعية رهن الإحتجاز دون محاكمة تذكر وإتباع منهج منحاز لإدارة التعليم الجامعي.

ومن أبرز رموز علماء الشيعة في البحرين الشيخ عبد الأمير الجمري والشيخ عيسى أحمد قاسم والسيد عبد الله الغريفي والشيخ محمد صنقور والشيخ حسين النجاتي والشيخ محمد السند والشيخ محسن آل عصفور.

مرت على أهل البحرين مواقف معادية من الخلفاء الراشدين عندما امتنعوا عن دفع الخمس إلا لمستحقيه من أهل البيت, وكذلك من الأمويين والعباسيين والعثمانيين حيث زجوا بالكثير من مراجع الشيعة وعلمائهم في السجون وقتلهم وهدم مساجدهم ومنعهم من إقامة شعائرهم الدينية، ومر على البحرين الاستعمار اليوناني والبرتغالي والانجليزي حتى منحت الاستقلال في عام 1971م.
والشيعة في البحرين لهم العديد من المآتم ومجالس العزاء على أهل البيت، كما يحتفل الشيعة في البحرين بمواليد أئمة أهل البيت ويقيمون الولائم والآفراح وإنشاد القصائد في هذه المناسبات، ويوم العاشر من المحرم إجازة رسمية كيوم حداد على مقتل سبط الرسول الحسين بن علي، وشيعة البحرين يعتنقون المذهب الجعفري، وينقسم شيعة البحرين إلى قسمين وهم الشيعة العرب (البحارنة) ويشكلون 85% من شيعة البحرين, والشيعة من ذوي الأصول الفارسية (العجم) ويشكلون15% من شيعة البحرين. ومن أهم مساجدهم مسجد الشيخ محمد أبو رمانة ومسجد الإمام الرضا ومسجد الروضة ومسجد الإمام المنتظر ومسجد الشيخ إبراهيم الوسطي "تم هدمه وإعادة بنائه" ومسجد الإمام الحسين المعروف بمسجد العالم، ومن مآتمهم مأتم الشيخ حسن الدمستاني ومأتم الإمام الحسن ومأتم بنت حسن ومأتم أم البنين ومأتم الزهراء ومأتم البتول.

يرفض شيعة البحرين اتهامهم بأنهم يخفون ولاء مزدوجا. ففى 1970، بينما كانت بريطانيا بسبيلها لإنهاء احتلال البلاد، طالب شاه إيران بضم البحرين إلى بلاده، اعتماداً على أن إيران كانت تسيطر عليها حتى القرن السادس عشر، عندما استولى البرتغاليون على الجزيرة. وكان أمام شيعة البحرين الفرصة للمطالبة بالوحدة مع إيران، فى استطلاع الرأى الذى تم برعاية الأمم المتحدة عام 1970. ولكنهم بدلاً من ذلك شاركوا غالبية البحرينيين من السنة والمسيحيين واليهود اختيار الاستقلال. فصارت البحرين دولة مستقلة فى 1971.

ونتيجة لعدم تمتع البحرين بنظام إحصاء سكانى يضمن المساواة بين المواطنين، بل تم تقسيم الأقاليم المحلية، بما يضمن الهيمنة السنية. وقد مهد هذا الوضع الطريق لأحداث 2011. فمع اندلاع أحداث الربيع العربى التى أطاحت ببعض الحكام المستبدين، دعا البحرينيين ليوم الغضب فى 14 فبراير 2011، مع الذكرى العاشرة للاستفتاء على ميثاق العمل الوطنى. واستغل المواطنون الشيعة المناسبة، للاحتجاج على سوء المعاملة، والمطالبة بدستور جديد، يشترك فى إعداده الشيعة والسنة معا، والإفراج عن السجناء الشيعة، ووضع حد للتعذيب. وأدى تدخل قوات الأمن فى ظل القبضة الحديدية لرئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة إلى قتل أحد المتظاهرين. ومثلما يحدث فى أنحاء المنطقة، حفزت جنازته المزيد من المحتجين، مما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا. وهكذا، تحول ما بدأ كمظاهرة سلمية إلى حركة هزت أسس الاستقرار البحرينى وأدت بعد شهر، إلى التدخل العسكرى والشرطى من قبل قوات مجلس التعاون الخليجى وأغلبها من السعودية. وفى غضون شهر، توفى أكثر من 30 متظاهرا.

معروف أن الاضطرابات فى البحرين ذات جذور عميقة، ولدى الشيعة البحرينيين مظالم مشروعة ليس لها علاقة بإيران. ومن شأن عدم تصدى الحكومة البحرينية بجدية للمشاكل التى يعانى منها الشيعة، أن يخلق أرضا خصبة ليس فقط للاحتجاج المشروع، ولكن أيضا لأولئك الذين يسعون للقضاء على النظام الملكى فى البحرين أو إخضاع السيادة البحرينية لإيران. ويرفض الملك حمد ورئيس الوزراء خليفة، إجراء إصلاح موضوعى، اعتقادا بأن المملكة العربية السعودية لن تسمح بانتصار المعارضة. وفى الوقت نفسه، يعملان على تغيير التركيبة السكانية الطائفية فى البحرين من خلال منح الجنسية إلى السنة من الباكستانيين، واليمنيين والأردنيين، والعراقيين، فى مقابل قيامهم باستثمارات كبيرة، أو الخدمة فى قوات الأمن. ولن تؤدى هذه الاستراتيجية إلى تآكل هوية البحرين بإخضاعها إلى سيطرة إيران، لكنها ستدفع البحرين ايضا إلى اضطرابات دائمة، ويعنى ذلك أنه حتى لو لم تكن الاضطرابات الحالية ناجمة عن تدخلات إيرانية، سيكون من الحماقة أن تفترض السلطات البحرينية أن الحرس الثورى الإسلامى ليست لديه خطة للسيطرة على الجزيرة كما فعل فى 1981. وفى حين قد يؤمن شباب الشيعة البحرينيين حقا أنهم يناضلون من أجل الحقوق المدنية الأساسية، ربما يكون قادتهم من جيل 1981، يخفون أهدافهم في دفع الشباب فى الصراع بهدف قلب النظام الملكى. ولا شك أن البحرين سوف تظل صندوقا من البارود، ما لم يتمتع المواطنون الشيعة بالمساواة فى ظل القانون. وفى الوقت نفسه، يتعين على المعارضة البحرينية أن تكون حذرة إزاء أى محاولة من جانب أي كان لاستمالتها، مما قد ينزع الشرعية عن المعارضة ونضالها من أجل الإصلاح لعشرات السنين القادمة.

-----------------------------------------

شيعة العراق

العراق

------------

ازدواجية الشخصية العراقية تتجلى لدى البعض في كونه "أقل الناس تمسكاً بالدين وأكثرهم انغماساً في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحداً من ناحية، وطائفياً من ناحية أخرى"

الباحث علي الوردي

ينتمي شيعة العراق عرقاً إلى العرب, ومذهباً إلى طائفة الشيعة المعروفة منذ القدم في الخريطة الفكرية والسياسية الإسلامية. ويطلق وصف الشيعي على كل من ينتمي إلى المذهب الجعفري ولادة أو اختياراً، فالشيعة ليسوا عرقاً ولا جنساً ولا قومية، بل هم مجموعة من الشرائح الاجتماعية التي تتبنى رؤية دينية وفكرية محددة. وينحدر شيعة العراق في الغالب من أصول عربية ويشكلون ثلثي سكان العراق لكنهم كانوا مستبعدون تماماً من أي منصب مهم.


كان العراق المركز الأصليّ للشيعة في العالم الإسلاميّ طوال القرون العشرة الأولى في تاريخ الإسلام، وظلّ ولا يزال يُعدّ المركز الأصليّ حتّى بعد تأسيس الدولة الصفويّة في إيران.

ويعود أقدم اهتمام سياسي بشؤون هذه الطائفة في العراق الحديث إلى العهد الملكي حين وجه الملك فيصل الأول إلى الوزراء في عام 1932 رسالة نبه فيها إلى الحيف الذي لحق بالأكثرية الشيعية في العراق وضرورة تلافيه. وكذلك الرسالة التي وجهها الشيخ محمد رضا الشبيبي عام 1964 إلى الرئيس العراقي عبد السلام عارف والتي فصّل فيها المظالم التي وقعت على الأكثرية الشيعية في العراق. ثم جاء تحرك المرجعية الدينية في النجف برعاية السيد محسن الحكيم في الستينات من القرن الماضي للمطالبة ببعض الحقوق السياسية للطائفة الشيعية. ويرى شيعة العراق أن الحكومات العراقية المتعاقبة على السلطة منذ الثورة على الهاشميين كانت تعبر دائماً عن الإرادة السنية، وبالتالي ظل الشعور الشيعي بالإقصاء والتهميش يتعاظم بحكم كونهم الأغلبية. لكنهم استعاضوا عن المشاركة السياسية بالنشاط التجاري ونجحوا فيه.

وقد ظلت الإشكاليات الشيعية الفكرية الكبرى مسيطرة على الفكر الشيعي في العراق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما منعهم من التفكير في إنشاء دولة مستقلة. ومن أبرز تلك الأفكار قضية الإمام الغائب, وهي القضية المحورية في الفكر الشيعي, حيث ينتظر الشيعة ذلك الإمام لرفع الظلم والجور عنهم، غير أن فكرة ولاية الفقيه، أدت إلى نمو الفكر الشيعي السياسي في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين بشكل أعمق وخاصة مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران. ويعني مفهوم ولاية الفقيه، تقليدَ المراجع الشيعية واشتراط أن يحظى الحاكم الزمني بإجازة من المرجع الشيعي، فهنالك ربط للسلطة الزمنية في تحركها السياسي بتوجيهات السلطة الروحية ومباركتها، ما يعني فقهياً حصر العملية التشريعية في الفقهاء والمجتهدين، وسياسياً أن قوة الشيعة في العراق سوف تعني قوة المراجع الدينية وبالتالي فمن المحتمل أن يشكلوا دولة داخل الدولة.

تعود بدايات التشيّع في العراق إلى ما قبل هجرة الإمام عليّ عليه السّلام إلى الكوفة، أيّ إلى زمن هجرة قبيلة هَمْدان وبني النَّخَع من جنوب جزيرة العرب إلى العراق. وكان هؤلاء قد عرفوا الإمام علي في السنوات الأخيرة من عمر النبيّ عليه السلام، وأسلموا على يده حين بعثه إلى بلاد اليمن.

وكان لشيعة العراق مساهمات هامة في صياغة التاريخ الإسلاميّ، فقد جاءوا سنة 35 هـ إلى المدينة للاحتجاج على عثمان، وطالبوه بالعودة إلى سنّة الرسول والكفّ عن سياسة تفضيل بني أميّة وتحكيمهم في رقاب المسلمين، وكان لحركتهم تلك الأثر الكبير في إعداد الأرضيّة لحكومة الإمام عليّ، ومن أهم رجالهم آنذاك، مالك الأشتر النَّخعيّ، وكُميل بن زياد وأصحابهما الذين اشتركوا في جيش أمير المؤمنين عليه السّلام، ونال بعضهم الشهادة في ساحات الجهاد والقتال.

وتعدّ قبيلة هَمْدان والنَّخع وبني عبدالقيس وكثيرٌ من القبائل العربيّة من اوائل الشيعة، وكان لسياسة الامام علي في العراق الأثر الكبير في انتماء هذه القبائل إلى صفّه وإيمانها بعدالة موقفه، فقد رأوا مساواته في العطاء واقتفاءه سيرة الرسول، وقد انتشر التشيّع في العراق واتّسع بمجيء الامام عليّ إلى الكوفة واتّخاذه إيّاها عاصمة لحكمه. وقد تنعّم أهل العراق في ظلّ حكمه ما يقرب من خمس سنوات، وكان خلالها يخطب فيهم ويعظهم، فأثمر ذلك في انتشار الأفكار الإسلاميّة الأصيلة على أيدي أتباعه.

 

 

"تربة تُحبّنا ونُحبّها".

بذلك وصف الامام الكوفة التي ذكّر هشام بن عبدالملك واليَه على العراق "الحجّاج" في رسالةٍ بعثها إليه، بحقيقة أنّ أهلها يدينون بالولاء لأهل البيت، ويدينون لهم بالطاعة كما حذّر المنصور العبّاسي العبّاس السفّاحَ من اتخاذ الكوفة مقرّاً لحكومته، لأنّها كانت مركزاً لشيعة الإمام عليّ ، وظلّت الكوفة منشأ للثورات العلويّة وظل العراق شيعيا بأغلبه رغم أنه كان مركزاً للحكم العبّاسيّ الذي يُعدّ من المدافعين عن "السنة"، غير أنّ البصرة اختارت المذهب العثمانيّ فواجهت الكوفة لتستعر بين المدينتين قبل أن يتّسع التشيّع في البصرة، فتكون أحدَ أهمّ مراكز التشيّع في العراق في عصرنا الحاضر.

وكان لمجيء الدولة البويهيّة الشيعيّة في بغداد ووجود علماء أجلاّء من أمثال الشيخ المفيد، والشريف الرضيّ، ومن بعدهم الشيخ الطوسيّ الأثر الكبير في انتشار التشيّع في العراق. كما كان لدور العتبات المقدّسة، ومدينتي النجف وكربلاء، أثر كبير في هجرة الشيعة من سائر البلاد إلى هذه العتبات، لِما لها من موقع في قلوب الشيعة ومحبّي أهل البيت، وهو أمرٌ له دوره في رواج التشيّع وازدهاره.

وضع الشيخ الطوسيّ أُسس الحوزة العلميّة في مدينة النجف الأشرف، فاجتذبت طلبة العلوم الدينيّة في سائر البلاد الإسلاميّة. وكان لازدهار علم الكلام، والحديث، والفقه الشيعيّ متمثّلاً في مؤلّفاته تأثير كبير في اتّساع وازدهار العلوم الإسلاميّة الشيعيّة في سائر البلاد ، حتّى قبل قيام الحُجّاج الخراسانيين بنقل الكتب الهامّة من أمثال « التمسّك بحبل آل الرسول » تأليف ابن أبي عقيل، إلى ديارهم، الأمر الذي أثمر في انتشار الفقه الشيعيّ هناك. وبعده كان لعائلة آل طاووس الحسنيّة في الحلة دور هامّ في نشر التشيّع في العراق، وقد تسنّم رجال هذه العائلة من السادة الحسينيّن منصب نقابة العلويّين بعد سقوط دولة بني العبّاس لفترة طويلة من الزمن.

وقد انتمى كثير من القبائل العربيّة خلال القرنَين الفائتَين إلى المذهب الشيعيّ، ومن هذه القبائل "خزاعل" و"زبيد" و"كعب" و"ربيعة"، ووفقاً للإحصائيّات البريطانيّة سنة 1919 م، كان مجموع شيعة العراق مليوناً واحداً و 492 ألف نسمة، يُقابلهم 992 ألف نسمة من أهل السنّة والأكراد، و 86 ألف من اليهود، و 87 ألف من النصارى، و 42 ألف من الطوائف الأخرى (248). ويؤشر ذلك إلى أنّ أكثريّة العرب العراقيّين هم من الشيعة، خلافاً لما يُشاع من أنّ شيعة العراق غالبيّتهم من الإيرانيّين، وهي اشاعة جهد خصوم الشيعة على الدوام في نشرها والتأكيد عليها.

وتُشير بعض التقارير إلى أنّ محافظات كربلاء، والديوانيّة، والحلّة، والعمارة، والكوت يقطنها الشيعة؛ وأنّ محافظتَي السليمانيّة وأربيل يقطنهما السنّة من أتباع المذهب الشافعيّ؛ أمّا محافظة الموصل فيغلب على سكّانها الانتماء للمذهب الشافعيّ والحنبليّ، وأمّا محافظة كركوك فغالب سكّانها من أتباع المذهب الشافعيّ.

ويقطن محافظة ديالى أكثريّة شيعيّة، كما يقطن العاصمة بغداد ومحافظة البصرة أكثريّة شيعيّة، وتنتمي القبائل التي تقطن على ضفاف دجلة والفرات في وسط العراق وجنوبه إلى المذهب الشيعيّ، ويمثل الشيعة اليوم الأغلبية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء والبصرة والعمارة والناصرية. الكوت والحلة والديوانية والسماوه وديالى وتبلغ نسبتهم في بغداد حوالي 75% تقريباً وفي بعض المناطق فيها يشكل الشيعة 9. 99% من سكانها مثل مدينة الكاظمية والثورة والكرخ والبياع وغيرها ورغم هذه النسبة، وما يمثله الشيعة من أكثرية، فقد كانوا خارج المناصب العليا في الدولة.

غير أن إحصائية المنظمة الإنسانية الدولية "هيومانيتارين كوردينيوتر فور إيراك" المتعلقة بإحصاء أنفس سكان المحافظات العراقية عام 1997. تقول أن عدد أبناء السنة يزيدون بحوالي مليون عن الشيعة في حين تذهب إحصائية أخرى، أقيمت بالاستناد إلى معطيات التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء العراقي إلى أن نسبة السنة من مجموع أبناء العراق المسلمين تبلغ 53 في المائة، في حين تبلغ نسبة الشيعة 47 في المائة.

لم يكن التنوع العرقي والطائفي في العراق وليد التاسع من نيسان (2003, تاريخ سقوط بغداد- ملاحظة من فينكس), فمنذ القدم تعايشت على أرض العراق مختلف القوميات والطوائف وجمعتهم القضية الوطنية، لكن ما ولد يوم التاسع من نيسان كان الأمل في أن ينال العراقيون جميعاً حقوقهم في هذا البلد سواء كما تترتب عليهم الواجبات بعد أن حرم أغلبهم من ذلك في ظل النظام السابق، ومن المعلوم أن حياة الطوائف والقوميات على أرض العراق كانت هادئة وطبيعية دائماً باستثناء بعض الفترات التي حكمت فيها الحكومات الجائرة والتي استغلت مسألة التنوع العراقي والطائفي بطريقة سيئة وبذرت بذرة الخلاف والشقاق وعمدت على اذكاء الخلافات بين أبناء البلد الواحد اعتماداً على شعار فرق تسد وتوظيفاً للتنوع بطريقة تصب في مصلحتها وكان نظام صدام أشدها انتهاجاً لتلك السياسة.

بعد أن لم يكن أحد يناقش في مسألة كون الشيعة هم الأغلبية, بدأت هذه الأيام أصوات تتعالى وتشكك في هذه الحقيقة بل وتذهب أبعد من ذلك وتدعي أن الأغلبية هي للسنة, الأمر الذي لم يجرأ أن يدعيه طاغية العراق، ولعل السبب وراء ذلك هو من سيكون على رأس السلطة وتجاهل هؤلاء الاحصائيات الرسيمة التي جرت خلال الفترة المنصرمة, فقد جرت في العراق العديد من الاحصائيات خلال المئة سنة الأخيرة ولأن تلك الاحصائيات لم يجر أياً منها في ظل حكومة شيعية فلا مجال لأن يشك في نتائج تلك الإحصائيات والتي أظهرت بعمومها أن الغالبية في العراق هي للشيعة.

وقد قال المؤرخ الفرنسي فيكتور بيرار عام 1907: "إنه رغم استبداد الخليفة السني, فإن أربعة أخماس السكان ما زالوا يبجلون الأئمة الاثني عشر"، وذهب لذلك أيضاً الكاتب الروسي كوتلوف في كتابه (ثورة العشرين) الذي ألفه عام 1958 حيث يقول: "إن الشيعة يشكلون الأغلبية في العراق"، وفي كتاب (وجاء دور المجوس) يذهب عبد الله محمد الغريب إلى أن نسبة الشيعة في الـعراق قد بلغت (50%) في عام 1971, فيما يذهب كتاب واعتماداً على دراسات حديثة إلى أن نسبة الشيعة قد بلغت حجاً أكبر من ذلك، ويذكر الكاتب البريطاني روبرت فيسك في مقالة له أن الشيعة يشكلون (60%), كما ذكرت ذلك أيضاً الصحافية الأمريكية لور اكينغ حيث قالت أن الشيعة يشكلون نسبة (60%), وتذهب إلى تأكيد الأغلبية الشيعية التقارير التي تعدها الهيئات الحكومية منها والمستقلة فهي الأخرى قد أكدت على أن الشيعة هم الأغلبية في العراق، فقد جاء في تقرير اصدرته لجنة مراقبة الشرق الأوسط لحقوق الإنسان في عام 1991 أن الشيعة يشكلون ما بين 50 الى 55%, فيما يذكر التقرير السنوي الذي أصدرته وزارة للخارجية الأمريكية عام 2002 أن نسبة الشيعة من 60 الى 65%, أما السنة فنسبتهم 30 الى 37% وفي تقرير آخر الخارجية الأمريكية يذكر أن نسبة الشيعة كانت بين 60 الى 67%, ويشير تقرير آخر صدر عن مركز ابن خلدون العربي في عام 1999 إلى أن الشيعة يمثلون 52%, بيما تقدر الموسوعة البريطانية نسبة الشيعة بـ 53%, على أن هناك من يذهب إلى أن نسبة الشيعة تفوق تلك الأرقام بكثير وتصل إلى 80% وعموماً وباعتماد بعض القرائن كالجهة التي أعدت الاحصاء والهدف من الاحصاء وزمان الاحصاء يمكن الركون إلى نسبة 60 الى 65%, والى حين اجراء احصاء دقيق كونها أكثر النسب قبولاً في الوقت الحاضر. وتؤكد الخارجية الأمريكية أن نسبة الشيعة في العراق تبلغ من 60 الى 67%.

في أواخر القرن التاسع عشر عاش عدد كبير من الشيعة في محافظتي بغداد والبصرة, وطوال القرن التاسع عشر لم يكن لهم نمو على حساب الطائفة السنية, وكان وجود أعداد كبيرة ومتنامية من الشيعة العراقيين يمثل مشكلة سياسية خطيرة للسلطات العثمانية "السنية" وهي لاتثق برعاياها الشيعة، الذين لم يعترفوا بالمطالبة العثمانية بالخلافة الإسلامية، وهنا برزت مشكلة ذات أبعاد دولية. فللعراق حدوده مع إيران "الشيعية" التي خاضت حروبا كثيرة مع العثمانيين للسيطرة على  العراق.

قبل ذلك وفي القرن الثامن عشر أصبحت العتبات مركزا لمدارس الفقه الشيعي والتي صنعت دوراً سياسياً للعلماء الشيعة وإبقاء تفوق العتبات كمركز للسلطة الدينية لجميع المجتهدين الشيعة, فالعدد الكبير من  الطلاب الذين أقاموا ودرسوا في هذه العتبات كان لهم دور مميز في احتجاج التبغ 1891-1892, وبعد ذلك في 1902 وخصوصاً دورهم خلال سنوات الثورة الدستورية الإيرانية (1905-1911) حيث اشترك مجتهدو العتبات وشاركوا بنشاط في السياسة الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك هناك التجار والحجاج. حيث في كل عام يزور عدد كبير من إيران والهند المدن المقدسة في العراق أو لدفن موتاهم في هذه العتبات. وكان لبريطانيا صلات مع العتبات، ليس فقط من خلال زيارة العديد من الشيعة من رعايا الهند البريطانية الى العتبات، ولكن الروابط المباشرة للحكومة البريطانية مع المجتهدين الشيعة من خلال تركة العود. حيث كانت هذه التركة والتي  أنشأها الملك عود من الهند، تنص على التوزيع السنوي من الصدقات لأغراض خيرية للعتبات. وبعد ضم الحكومة البريطانية للهند في 1850، كانت السيطرة على تركة العود وتنفيذ الوصية قد أجريت على أيدي القوات البريطانية، فكان التوزيع السنوي للأموال من قبل القنصل العام البريطاني  في بغداد من خلال اثنين من المجتهدين المختارين واحد في النجف وواحد في كربلاء..

كان نمو التشيع في صفوف أبناء القبائل معروفاً عند الباب العالي قبل  فترة عبد الحميد، ورغم أنه لم ينظر إليها بالجدية خلال فترة حكم مدحت باشا للعراق (1869-1872)", لكن كان من الواضح أن هناك مشكلة لإثارة قلق بالغ من جانب السلطات العثمانية ويبدو أن هذا القلق سرعان ما هدأ، وأبدت الحكومة العثمانية القليل من الاهتمام لهذه المسألة، فعلى سبيل المثال يذكر أن عددا قليلا من التقارير حول الشؤون العراقية المقدمة للسلطان عبد الحميد قبل 1885 تذكر المشكلة الشيعية. لكن بعد عام 1885 تغير الموقف حيث أكدت التقارير استمرار نمو التشيع في المنطقة. وكل هذه التقارير أزعجت النظام الحميدي. ففي أواخر 1880 دفع القصر إلى الشروع في دراسة جادة للشيعة واتخذت تدابير مختلفة لقطع الطريق على النمو الشيعي. وتم ارسال عدد من اللجان للمنطقة وطلب من المسئولين المحليين كتابة تقارير مفصلة حول هذا الموضوع، واتخذت بعض الخطوات في مجال التعليم. اضافة الى ذلك، بدا ان هناك شيئا جوهريا سيبدأ من خلال جهد السلطان عبد الحميد حين سمح ببدء مناقشة فكرة التقارب بين السنة والشيعة وإيجاد حل طويل الأجل للمشكلة الشيعية في العراق.

 بعد سلسلة من المراسلات بين السلطان والجيش والمسؤولين المحليين، لبحث مسألة تواجد الشيعة في الجيش العثماني في العراق، تم إيفاد لجنة من التفتيش العسكري إلى العراق في منتصف عام 1890، وبالتزامن استمر السلطان بالتشاور مع العلماء في وسط العراق، وبعدها كانت الخطوة العملية الأولى للسلطان عبد الحميد في حزيران 1891, بإقالة والي بغداد وإصدار التعليمات بنقل بعض الجنود الشيعة لجيوش أخرى، والحفاظ على الجنود السنة  فقط في بغداد. ولأنه كان مستحيلا تغيير حياة الناس والمعتقدات بالقوة، فانه لا يمكن تحقيق هذا الهدف الا عن طريق التعليم والوعظ. لذلك تم الاقتراح بإرسال عدد من الطلاب الشيعة، إلى الأزهر ليتسننوا وبدلا من ذلك قرر السلطان إنشاء مدرسة في اسطنبول تدرس باللغة العربية مع رواتب مجزية للمدرسين وأن يكون للطلبة رواتب كافية  عند عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، بعد إشباعهم بمفاهيم مختلفة عن عقائدهم. لكن الخطة فشلت بعودة معظم الطلاب الى العراق وحصول عدد قليل منهم على شهادات تخرجهم وتعيينهم كمدرسين وخطباء بأمر من السلطان في بغداد.

 كان جمال الدين الأفغاني الذي كان يعيش في إيران رائد النشاط السياسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي أوائل عام 1891 تم طرده إلى البصرة من قبل الشاه. وفي حزيران 1891 أرسل رسالة إلى ميرزا حسن الشيرازي المجتهد الكبير في سامراء وحثه على التحرك. وفي أواخر عام 1891، تحت ضغوط من علماء الدين الشيعة في ايران ومن العتبات أصدر الشيرازي فتوى قائلا فيها "إن استخدام التبغ هو ضد إرادة الإمام الثاني عشر، ويجب اتباع مقاطعة عالمية للتبغ في جميع أنحاء إيران". وبسبب هذه الفتوى اضطر ناصر الدين شاه إلى إلغاء الامتياز الداخلي وبعد اضطرابات أخرى ألغى امتياز التصدير، وبذلك أظهرت العتبات والمجتهدين مدى قوتهم السياسية داخل إيران, وجاء هذا التطور في أعين السلطان عبد الحميد بأنه بداية الصدع بين الحكومة الإيرانية والمجتهدين الشيعة, ثم باعتباره فرصة لترويج برامج جذرية لتأمين التقارب الديني بين الشيعة والإسلام السني، وتوسيع نطاق نفوذه السياسي الخاص به على  حساب الشاه. ولأجل ذلك كانت أداته جمال الدين الأفغاني الذي كتب للسلطان في مناسبات عدة للحصول على دعمه "لوحدة المسلمين".

في وقت مبكر من عام 1894 اندلعت اضطرابات خطيرة  بين السنة والشيعة في سامراء. ما أعطى حافزاً إضافياً لجهود السلطان لشراء التقارب السني الشيعي، فقرر السلطان عبد الحميد استمالة بعض المجتهدين الإيرانيين إلى جانبه بعدما اعتقد أن الإيرانيين كانوا وراء الحادث. وأنه يواجه بالفعل مشكلة مع الثوار الأرمن عبر الحدود الإيرانية في شرق الأناضول، ويبدو أن السلطان شعر أيضا بان شاه إيران زاد الضغوط عليه في العراق, ورداً على ذلك قرر تنفيذ مقترحات عن التقارب السني والشيعي بهدف احتمال التوصل إلى حل نهائي لمشكلة الشيعة في العراق، وأيضا إيجاد وسيلة للهجوم المضاد ضد شاه إيران، فتم تشكيل مجموعات عمل في إطار مبادرة الأفغاني، وأرسلت  مئات الرسائل إلى العلماء الشيعة البارزين في جميع أنحاء العالم الإسلامي داعياً إلى الوحدة، ونتيجة لاستجابة المجتهدين الشيعة فقد خصص السلطان لهم راتباً شهرياً، بينما قام المسؤولون العثمانيون بمراقبة سير المعاملة الطيبة تجاه الإيرانيين في مكة والمدينة وفي المدن المقدسة في العراق تقديراً لعمل العلماء الشيعة.

شيعة العراق في معظمهم قبائل عربية الأصول مستوطنة في العراق منذ مئات السنين، وهو ما جعل عدداً من قبائل وعشائر العراق منقسمة بين شيعة وسنة، ولا عجب في أن ترى في العراق قبيلة تضم شيعة وسنة في إطارها القبلي الواحد. والمرجع السيد السيستاني ورغم أنه من أصول إيرانية فإن مرجعيته عربية. وهو أكد مراراً أن العراق لن يطبق النموذج الإيراني في الحكم لأنه لا يصلح للعراق المكون من طوائف وأعراق متعددة. غير أن المهم أن العراق أكثر من غيره تأثراً بسياسات الطوائف التي تعم المنطقة، لأنه يضم أكثر من مكون مذهبي، وهو بحكم الجغرافيا يقع بين أكبر دولة شيعية في العالم وهي إيران من الشرق، وتركيا الدولة السنية بامتياز إضافة إلى أن حدوده الجنوبية تمتد أكثر من 800 كلم مع السعودية الوهابية، وفي كل ذلك لا يملك العراق إلا أن يتأثر بهذا المحيط المذهبي المتنوع، وقد يؤثر فيه أيضاً, وإذا كان البعض يتهم شيعة العراق بالولاء لايران فإن من الواجب تذكيرهم بأن العراق هو مهد التشيع وليس إيران التي دخلها المذهب متأخراً في العهد الصفوي قبل 600 سنة, ومعظم علماء الشيعة العراقيين لا يقرون مبدأ ولاية الفقيه المطلقة. ويرون أن الولاية المطلقة حق مكفول للإمام المعصوم حصراً، والعراقيون ليس عندهم أي ارتباط سياسي بولاية الفقيه القائمة في إيران، لكن يوجد ارتباط عقائدي مع شيعة إيران، والفرق كبير بين المعنيين. في المقابل نشاهد كثيراً من السلفيين في العالم مرتبطين بالسعودية، وهذا لا يعني ارتباطاً سياسياً، بل يعني ارتباطاً مذهبياً بالسلفية الوهابية القائمة في السعودية. وإذا كان بعض أهل السنة يأخذون على شيعة العراق تناغم مواقفهم مع طهران على مستوى العالم فإن تفسير ذلك عند آخرين يكمن في أن الشيعة بعديدهم يمثلون أقلية في الإسلام، وبالتالي فإن من الطبيعي أن تحتشد الأقلية لدعم مواقفها أمام الأغلبية ولتحافظ على تكوينها.

والمهم هنا التأكيد أن "شيعة العراق عرب, لكنهم لم يجدوا صدراً دافئاً عطوفاً عربياً يرتمون إليه، ولم تفتح الدول العربية لهم الباب، فكانت إيران هي الدولة الوحيدة التي احتضنتهم وفتحت لهم الأبواب".

ثمة وجهة نظر غريبة تشير أن التشيع دخل العراق خلال القرن التاسع عشر مع استقرار القسم الأعظم من عشائر العراق العربية الرحل وتوجهها إلى ممارسة الزراعة, وكان هذا التطور إيذانا ببداية عملية لتكوين دولة شيعية في جنوب العراق، أجهضت في أعقاب الاحتلال البريطاني في عام 1917 وإقامة النظام الملكي العراقي لاحقا في عام 1921. وأن ظهور النجف وكربلاء كمعقلين للمذهب الشيعي في العراق كان في منتصف القرن الثامن عشر، ومهد الأرض لعملية تكوين الدولة الشيعية هذه، واتسم تطور الكيان السياسي وتوسعه بتوطن العشائر ثم تشيعهم خلال القرن التاسع عشر، وتسبب الاستقرار في تفتيت الاتحادات العشائرية القديمة، وتغيير التوازن بين الجماعات الرحل والجماعات المتوطنة، وزيادة الإنتاج الزراعي والتجارة في جنوب العراق، وأسفر قبول العشائر بالمذهب الشيعي عن قيام دين موحد أكثر ونظام قيم أشد تماسكا يضم السكان الحضريين في مدن العتبات المقدسة وأفراد العشائر في عمق أراضي هذه المدن، وزاد توطن أفراد العشائر وقبولهم العشائر وقبولهم بالمذهب الشيعي على السواء، من درجة التراتب وسلطة المؤسسة الهرمية الحاكمة ضمن العشائر، وأفضيا إلى ظهور شخصيات جديدة تؤدي وظائف اقتصادية - اجتماعية ودينية بين العشائر، وكذلك إلى نشوء طبقة من الوجهاء الشيعة ونخبة شيعية كان أعضاؤها يسيطرون على الموارد، وكان إدخال الإسلام الشيعي كدين توحيدي، ضروريا للحفاظ على الطبقات المختلفة والجماعات الاثنية والعناصر العشائرية والمدنية التي تشكل المجتمع الجديد، وضروريا كذلك لتوسيع الكيان السياسي الشيعي، والواضح أن الهيمنة المتزايدة التي مارستها النجف وكربلاء، على عمق الأراضي التابعة لهما لم تتحقق من خلال الفتوحات بل من خلال كسب العشائر التي توطنت إلى المذهب الشيعي والصلات الوثيقة التي اتسمت بها العلاقات بين المدينتين والعشائر .

وكانت السمة المحددة لهذا الكيان السياسي العشائري تتمثل بالتفاعل الاقتصادي الاجتماعي والديني الهائل بين العشائر التي تشيعت وبين النجف وكربلاء العصب المركزي لذلك الكيان السياسي، وكان هذا التفاعل في جوهره نوعا من الشراكة السياسية بين المكونات العشائرية والمدنية وكذلك بين الأفراد الاعتياديين ونخبة المجتمع الشيعي، الذي كان حجمه ينمو باستمرار، في حين كان من المنتظر من رجال العشائر الذين قبلوا بالمذهب الشيعي أن يمتنعوا عن الصراعات الداخلية و أن يساهموا بقوات لحماية مدن العتبات المقدسة وممارسة الدين المنظم، وكان يقف على قمة الهرم المجتهدون الكبار الذين كانت وظيفتهم الإشراف على هذه الشراكة وممارسة الرقابة على الموارد المتحققة من الضرائب والهبات الدينية.

واجهضت عملية تكوين الدولة الشيعية في أعقاب الاحتلال البريطاني لإقامة (دولة سنية) في البلاد. فقد وجه قيام العراق الحديث كدولة يهيمن عليها السنة، ضربة موجعة إلى موقع الإسلام الشيعي في البلاد، فلقد نجح حكام العراق السنة في اجتثاث الكثير من السلطة التي مارستها تقليديا المؤسسة الدينية الشيعية التي اتخذت من مدن العتبات المقدسة مثل النجف الأشرف وكربلاء المقدسة مركزاً لها، وقوضت الحكومة العراقية موقع المدينتين بوصفهما مدينتي سوق صحراوية، وقلصت دخل رجال الدين الشيعة من النشاطات الخيرية والزيارات وحركة الجنائز، وعرقلت الحكومة دور مؤسسات التعليم العالي الشيعية حيث فقد الكثير من مدارس النجف استقلالها الاقتصادي، ووقعت تحت سيطرة الحكومة، ومع ذلك فإن قيام العراق الحديث اجتذب الكثير من الشيعة العرب إلى بغداد، وظهرت الدولة العراقية بوصفها مركز الهوية الرئيسي للشيعة.

****

الكرد الفيليون

"ليس من السهل بالنسبة لنظام قومي سني قبول أن تكون قلوب الفيليين في مدينة النجف العاصمة الروحية للشيعة في العالم وجزء من اموالهم في خدمة البيشمركة في الجبال"

يطلق إسم (الأكراد الفيلية) على الأكراد الشيعة القاطنين في بغداد ووسط العراق وليس على نظرائهم في إيران. وهناك مدن عراقية تقطنها غالبية من الكرد الفيليين من بينها خانقين ومندلي وزرباطية وبدرة, كما أنهم موجودون بكثافة في بغداد والبصرة والكوت والعمارة. ويقدر البعض عددهم داخل العراق بثلاثة ملايين نسمة. وقدم هؤلاء للعراق والعالم العربي عددا من الشخصيات ممن قدموا إنجازات بارزة في مجال الفنون والآداب واللغة العربية. عاشوا مأساة الصراع السياسي الطويل بين الدولتين العثمانية التركية والصفوية الإيرانية, والذي أدى إلى منح أبناء العراق حرية المفاضلة بين التبعية الإيرانية والتبعية التركية, فكان أن اختار كثير من الشيعة العراقيين التابعية الإيرانية ومن بينهم الكرد الفيلييون. وتعمقت مأساتهم على يد النظام الصدامي حيث أسقط عنهم الجنسية العراقية بعد أن نكل بهم محاولا إبادتهم وإنهاء وجودهم القومي من بغداد والبقاع العربية الأخرى في العراق عن طريق البطش بمئات الألوف من أبنائهم وتهجيرهم قسرا إلى إيران وما رافق ذلك من عمليات سبي وقتل للرجال والنساء والأطفال. وتجاهل عدة حقائق تاريخية منها أن الدولة العراقية الحديثة تضم شعبا متعدد القوميات والأصول والأديان واللغات, تنازعت عليه الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية مئات السنين وتبادلتا التحكم بمصيره عدة مرات في حين ظلت الحياة الروحية والثقافية لأكبر نسبة من سكانه من أهل الشيعة عربا وأكرادا فيليين مرتبطة بجارتهم إيران. وكان ذلك هو واقع الحال في عموم العراق قبل تأسيس الدولة العراقية وصدور أول قانون للجنسية عام 1924. إذ كان معظم سكان العراق قبل تأسيسها إما من التبعية العثمانية أو من التبعية الإيرانية. ولأسباب تتعلق بتلكؤ الدولة الإيرانية في مسألة الاعتراف بالدولة العراقية الملكية نص قانون الجنسية العراقية على اعتبار السكان المقيمين ضمن حدود الدولة عراقيين إذا كانوا من رعايا الدولة العثمانية، ووضع القانون المذكور عراقيل في قبول سكان المناطق الجنوبية ولاسيما القريبة من الحدود الشرقية للدولة كمواطنين عراقيين، وشمل ذلك أفراد القبائل العربية والكردية الفيلية على حد سواء.

وتجاهل قانون الجنسية العراقية أن إقليم لورستان كان تابعا من الناحية الإدارية للكوفة في الحقبة العباسية, كما كانت العلاقات التجارية والثقافية مزدهرة بين بلاد لورستان أي إمارة الفيلية مع عاصمة الخلافة العباسية في بغداد ومع المدن الشيعية المقدسة في جنوب العراق، ولم يكن إلحاق لورستان بالدولة الإيرانية إلا نتيجة للصراع بين السلاطين العثمانيين وملوك الفرس على هذا الإقليم, وقد اشتد الصراع منتصف القرن التاسع عشر على ترسيم الحدود الفاصلة بين الإمبراطوريتين, حيث أصر العثمانيون على المطالبة بعربستان والمنطقة الواقعة شرقي نهر دجلة بما في ذلك جزءا كبيرا من أراضي لورستان, وبعد مفاوضات مضنية ومعقدة قضت معاهدة أرضروم الموقعة عام 1847 بتقسيم الإقليم بين الدولتين.

وفي عام 1914 استكملت الإدارات الاستعمارية ترسيم الحدود الدولية الشرقية بين العثمانيين والفرس من أقصى الشمال إلى شط العرب جنوبا وهي الحدود التي تفصل الآن بين إيران والعراق. وكان من نتائج ذلك الترسيم إلحاق منطقة السليمانية بالعراق، واقتطعت منطقة من لورستان محاذية للعراق والحق هذا الشريط الحدودي بأملاك الدولة العثمانية في ولايتي بغداد والبصرة والتي أصبحت بعد ذلك جزءا من المملكة العراقية بما في ذلك جزءا من أراضي الكرد الفيليين.

أما ابتكار صدام الأغرب فهو إجبار الرجال على تطليق زوجاتهم من التابعية الإيرانية مقابل 4000 دينار للعسكري و2500 للمدني بشرط ثبوت حالة الطلاق وإجراء عقد زواج جديد من عراقية وإلزام المستفيد من القرار بعدم الزواج ثانية من إيرانية وفي حالة زواجه يسترد منه كافة المبلغ. وبعد سقوط نظام صدام أعلن مجموعة من الكرد الفيليين تأسيس كيانات سياسية خاصة بهم للاضطلاع بمهمة تجميع صفوفهم ورصها وتوحيد كلمتهم للدفاع عن حقوقهم وتمثيلهم في كافة المواقع والمجالات أسوة بباقي مكونات وشرائح المجتمع العراقي.

عندما ترك اليهود العراق تحوّل قطاع التجارة والاقصاد إلى سيطرة الفيليين, حيث كان معظمهم يعملون عند اليهود وقد تعلموا أموراً كثيرة حول السوق وتجارة البضائع, وكانت تجارة استيراد السكر والأكياس والحديد وأنواع اخرى من الأغذية إلى العراق تدار من قبل رجال أعمال فيليين حتى قبل تعرضهم لتلك الحملة. أمّا اليوم فإن هناك صعوبة في عودة هذه الشريحة للإمساك برأس الاقتصاد العراقي بسبب الوضع الأمني وتوجه معظم رجال الاعمال والاغنياء الفيليين للاستثمار في الدول الاوربية والخليجية لأنهم يضمنون حياتهم وأموالهم فيها.

خلال حكم البعث كان هناك تميز طائفي في كل شيء, ومما يؤكد هذا التميز الطائفي هو أن فرص الاكراد الموالين للسلطة كانت أفضل من فرص أهل الناصرية و العمارة حتى في الوظيفة، ولذلك لو نظرنا إلى مكونات السلطة الحقيقية نجد عدداً من الأكراد أو ذوي الأصول الكردية لهم أدوارهم في الدولة العراقية، فقط لأنهم ليسوا شيعة، وفي الجيش العراقي كان الضابط الشيعي يحال إلى التقاعد عند رتبة عميد، ولم يكن مسموحاً له دخول كلية الأركان إلا نادراً, ولم يتول أي شيعي وزارة الداخلية أو الدفاع, وكانت الخدمات في تكريت تتميز عنها في مدن عراقية أخرى.
في العراق تميز التركمان بموالاة آل البيت وحبهم، ولا يخفى أن الشيعة التركمان عبر التأريخ تأثروا بالوضع الشيعي العام في العالم ولحقهم الكبت السياسي والاجتماعي والاقتصادي كبقية إخوانهم في المناطق الاخرى، ومن الناحية الثقافية كذلك تأثروا بالحواضر الشيعية حيث لا يخفى تأثرهم بالتصوف حينما انتشرت الصوفية، ولربما يمكن مشاهدة آثار تلك المرحلة لحد الآن عند كبار السن من التركمان الشيعة، وتأثر قسم منهم بالطريقة البكتاشية حينما تغلغل أصحاب هذه الطريقة في وسط المسلمين الشيعة ولحد اليوم لهم بعض التكايا في بعض المناطق التركمانية الشيعية، وبعدما فتحت المرجعية الآفاق أمام الشيعة التركمان بدأ يزداد توجههم نحو الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ويمكننا قراءة ذلك بوضوح خصوصاً في زمان مرجعية الامام أبو الحسن الأصفهاني, وبعد تسلط النظام الدموي على رقاب الشعب العراقي في العقدين الماضيين من القرن الماضي هاجر المئات من الشباب التركماني المؤمن واختلط مجموعة كبيرة منهم في الحوزات العلمية في قم المقدسة واكملوا مراحل متقدمة من الدراسات الحوزوية ورجع قسم منهم في الوقت الحاضر إلى مناطقهم بعد سقوط النظام البعثي لأداء مهمتهم التبليغية. وهم يتواجدون في مدينة تلعفر والموصل وأطرافها وطوز خرماتو ومدينة آمرلي وقره تبه ونواحي داقوق وليلان وتازه وقريتي الأمان وبشير وشهربان ومندلي وتل عفر وكركوك التي تعتبر مركز التركمان في العراق والعنوان الدال عليهم.

--------------------------------------

رابط الجزء الأول: http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20273-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9.html

رابط الجزء الثاني: http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20314-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%AD2.html

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏