813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

دراسة مختصرة عن أصل الحركات التكفيريّة في سوريا

اللواء علي سليمان يونس

تمتاز الحركات التكفيريّة بجذورها الضاربة في عمق الحياة السوريّة الحديثة، ويعتبرها البعض من أقدم الحركات التكفيريّة في العالم الإسلاميّ. وفي هذا الإطار من الممكن أن يُنظر إلى حركة الشيخ مكّي الكناني “دمشقي” كأوّل حركة تكفير في العالم العربي عندما اتّهمت الدكتور عبد الرحمن الشهبندر بالكفر والخروج عن الدين وقضيّة بلاده: “عندما أذاع حديثًا امتدح فيه الحلفاء ومنهم فرنسا” فاغتالته في عيادته.
هذه الدراسة لم ألتزمّ فيها بتسلسل الأحداث بقدر اهتمامي بالفكرة ونموّها في نطاق بقعة جغرافيّة محدّدة. فالحدث التاريخي كان بالنسبة إلى هذه الدراسة مؤشّراً، يضيء على وجود الظاهرة التي أتكلّم عنها، لذلك لن أتطرّق إلى كيفيّة حضور الظاهرة بذاتها والتنظيمات المنتمية إليها، إنّما سأكتفي بالبحث عن الأصول الفكريّة المؤسّسة للحديث عنها لا سيّما الجوانب الأكثر تأثيرًا فيها.
من هنا نلاحظ أنّ الدراسة عملت على البحث عنها في غمار ما يتعدّى الحديث والمعاصر، فسبرت غور التاريخ لتصل إلى الجذور الأولى لهذه النبتة، والتي تتمثّل بالمؤثّرات التالية:
1- الفكر السلفي: يرتبط الفكر التكفيري بالسلفيّة التقليديّة لا سيّما كما وصلت من خلال ابن تيميّة الذي يعتبر المؤسّس الفعلي لهذا التيّار، حيث عمل على تقعيد النظرة السلفيّة ووسّع بموضوع الجهاد، وساوى بينه وبين الصلاة، وحتّى ليبدو أنّه يضعه فوق الأركان الشرعيّة الأربعة (الشهادة والصوم والزكاة والحجّ)، من هنا، تحوّل الدين مع ابن تيميّة إلى إيمان يقوم على الأخذ بحرفيّة الكتاب والسنّة كما وردت في الإصحاح عند أهل الجماعة والعمل بمقتضاه، وهكذا تحوّل من فقيه إلى مجاهد يحثّ على الجهاد في العقيدة وهو ما يعمل الأصوليّون والسلفيّون المعاصرون على إحيائه”.
وهذا التيّار وبعد قرون من الضعف، عَرف نموًّا مفاجئًا في منطقة الجزيرة العربيّة، حين خرج محمّد بن عبد الوهاب بدعوته، التي عَمِلت على توسيع دائرة التكفير وتحت حجّة تنقية الإسلام من مظاهر الوثنيّة، أخذت تعامل المسلمين معاملة الوثنيّين، فأخذت الناس بالمظنّة، واعتبرت نظرتها للدين هي الأصل الذي تقيس عليه عقائد الآخرين، فارتكبت المجازر بحقّهم وهدمت المقامات والأضرحة، ووصل بها الأمر إلى حدّ التلويح بهدم القبر الشريف للنبي (ص). فهذه الحركة لم تميّز بين تكريم المسلمين لأوليائهم وبين الشرك، فاعتبرتهم عبدة أوثان، ولم تكتف بذلك بل ذهبت إلى اعتبار من لا يكفّرهم كافراً… وهذا ما فتح المجال أمام التكفيريّة للأخذ بالمظنّة والقطع في الحكم والموقف التكفيري، على ضوء ما عُرِفَ في أدبيّات الوهّابيّين بنواقض الإسلام أو قواعد التكفير العشرة التالية، ومنها:

أ- الشرك في عبادة الله ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم.

ب- من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم فقد كفر إجماعاً.

ج- من لم يكفّر المشركين أو شكّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم.

فالوهّابية عمّمت التكفير وجعلته شاملًا وعامًّا، ويُخرَجُ من الإسلام حتّى التيّارات والأحزاب الإسلاميّة، وهذه الحدّة تظهر من خلال موقف الوهّابيّة من مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنّا. انتقلت الوهّابيّة والتيميّة إلى بلاد الشام منذ منتصف القرن الثامن عشر، وكان من نتائجها الأحداث التي اندلعت في حلب ونابلس بمواجهة إصلاحات السلطان محمود الثاني. بعد ذلك عرفت نموًّا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ووصلت إلى ذروتها مع الشيخ ناصر الدين الألباني، الذي تأثّر بالتجربة الهنديّة والوهّابيّة التقليديّة فضلًا عن تأثّره بالسلفيّة التقليديّة.
وافق الألباني الوهّابيّة نظرتها العقيديّة، ولكنّه انتقد بُعدها الفقهي بسبب انتمائها المذهبي لابن حنبل، فدعا للتخلّي عن كلّ تقليد مذهبيّ، وحصر المصادر بالقرآن الكريم والصحاح، حيث يمكن إنتاج فتوى بدون أيّة واسطة أخرى، فالألباني كان يرى: ”إنّ محمّد بن عبد الوهّاب كان سلفيًّا في ما ذهب إليه في مسائل العقيدة، لكنّه لم يكن كذلك في مجال الفقه. إضافة إلى ذلك، لم يكن ابن عبد الوهّاب، في نظر الألباني، عارفًا جيّدًا بالحديث بدليل أنّ إحدى رسائله تحتوي على حديث اشتهر بأنّه حديث ضعيف”. وهكذا أخذ هذا التيّار ينمو داخل الفكر الوهّابي وخارجه، ثمّ استحدث لنفسه تسمية ترتبط بماضيه المرجعي، فعُرِفَ أنصاره بأهل الحديث. هذا التيّار الذي عرف صعوداً كبيراً ابتداءً من سبعينيّات القرن العشرين، وسرعان ما ظهر منه “الجماعة السلفيّة المحتسبة”، وهي الجماعة التي قادها جهيمان العتيبي، والتي كانت مسؤولة عن اقتحام المسجد الحرام في مكّة المكرّمة عام 1979، والتي تحوّلت أدبيّاتها إلى جزء من أدبيات الجهاديّة المقاتلة. وهذا التراث سيعود وينتشر في أوساط التيّارات التكفيريّة، ولا سيّما في بعده الفقهي، حيث يلاحظ ميل التيّار التكفيري للعودة إلى النصوص دون مرجعيّات إسلاميّة معروفة.
2 – من الإخوان المسلمين إلى الطليعة: تميّز الإخوان المسلمون عن نظائرهم في العالم العربي – الإسلامي بطابعهم الخاصّ، فهم منذ ظهورهم على مسرح الأحداث، اتّجهوا اتّجاهًا مذهبيًّا واضحًا، ورفعوا شعار الدفاع عن ”المحرومين أو المبعدين عن السلطة”. كما أنّ هذا الحزب الذي تأسّس في الفترة ما بين شتاء عام 1945 وحتّى صيف 1946 من خلال اندماج ثلاث جمعيّات خيريّة هي جمعية الشبّان المسلمين في حمص، وجمعيّة دار الأرقم في حلب، وجمعيّة شباب محمّد في دمشق، مال باكرًا باتّجاه العمل العسكري. وتشير المصادر إلى أنّ إعلان الحزب عن نفسه بشكل رسمي، تمّ في آب عام 1946 في مدينة يبرود، عندما استُكمِلَ إعداد دورة الفتوّة الأولى تحت إشراف المراقب العامّ للإخوان في سوريا مصطفى السباعي.
وعلى غرار التنظيمات الإخوانيّة التي تتبنّى المرحليّة في حراكها السياسي، عَمِلَ الإخوان على جبهتَين الأولى سياسيّة من خلال الاندماج بالحياة السياسيّة والمشاركة بالانتخابات وعدم إظهار المعارضة للديمقراطيّة، وبالمقابل كانت النزعة الانقلابيّة والعسكريّة تُعلن عن نفسها بمناسبات عدّة، أبرزها “عصيان حماة” عام 1964 الذي برز فيه “مروان حديد” (1934 – 1975)، الذي يشكّل نقطة مفصليّة في ولادة الطليعة المقاتلة، فهذا الاخونجي الذي التحق عام 1956 بجامعة عين شمس في قسم الهندسة الزراعيّة، تعرّف هناك إلى “سيّد قطب”، وعندما عاد إلى سورية، عَمِل في صفوف الإخوان، وتفرّغ لمقاومة الأفكار اليساريّة ومؤامرة الأقليّات الدينيّة على المجتمع السوري فيما سمّاه “خبايا النوايا”، وعندما حصلت أحداث حماة عام 1964م ترسّخت لديه القناعة بضرورة العمل العسكريّ ضدّ السلطة، فبدأ بتأسيس “كتائب محمّد” التي تميّزت بروحها القطبيّة وحضور قويّ لفكرة الحاكميّة لديها.
بعد أحداث حماه ازداد “مروان حديد” إصرارًا على مواقفه ضدّ السلطة، فغادر سورية إلى الأردن وهناك التقى بـ”عبد الله عزام”، وأسّسا “الطليعة المقاتلة” التي استمرت حتّى “أيلول الأسود 1970″، عاد بعدها إلى دمشق حيث نشط وأسّس “الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين” واستفاد من تصاعد الاحتجاجات على دستور عام 1973، فبدأ بتوسيع قاعدته الجماهيريّة وتصادم مع الإخوان بسبب ميل جزء كبير منها نحوه، إلى أن أُلقي القبض عليه في 30- 6-1975 في بيته بمنطقة العدوي بدمشق بعد معركة عسكريّة، تُوفّي بعد ذلك نتيجة إضرابه عن الطعام.
فجّر موت “حديد” الأحداث الأمنيّة، التي أخذت طابعًا طائفيًّا، وانجرّ الإخوان المسلمون إلى جانبهم، ووصل إلى ذروته من خلال البيان الذي حمل عنوان” الثورة الإسلاميّة في سوريا ومنهاجها” بتاريخ 9-11-1980، والذي: “يتضمّن تحوّلًا باتّجاه فكرة الدولة الإسلاميّة التي لا مكان فيها للأقليّات الدينيّة إلّا باعتبارهم رعايا وحسب”، ووصلت الأمور إلى ذروتها في أحداث حماه عام 1982.
يقودنا الكلام السابق إلى أنّ التكفيريّة اتّكأت على تراث “مروان حديد” الذي تأثّر بسيّد قطب. ويمكن القول إنّ تجربة الطليعة المقاتلة وفّرت تربة خصبة لولادة التكفيريّة المعاصرة. ويذهب البعض إلى اعتبار: ”مروان حديد الشخصيّة الثانية بعد سيّد قطب، والتي ساهمت في نشأة التيّار الجهادي، كما أنّ الجهاديّين الذين هاجروا إلى ساحات الجهاد نشأ معظمهم في كنف الطليعة المقاتلة”. فمروان حديد ترك أثراً كبيرًا بطرحه وعمله على إنشاء الفئة الطليعيّة التي تنطلق من المجتمع الجاهلي وتعمل على تغييره، وهذه الفئة تتميّز بقدرتها على التكيّف مع العزلة النفسيّة والعمليّة بحيث لا تتأثّر بما يحيط بها، ما يجعلها قادرة على اختراق المجتمع وإجراء التغييرات المطلوبة فيه، عبر إدخال ثقافة الوعي الحركي كأصل جديد في تمييز أفكار الحركات الإسلاميّة، وهو ما سمح بتحويل الاتّجاه الديني إلى منحى أيديولوجي.
بالإضافة إلى “مروان حديد” انشقّ عن الإخوان “محمّد سرور بن نايف زين العابدين” عام 1969، وهاجر إلى السعوديّة، حيث عمل مدرّسًا للرياضيّات، وهناك ظهر تيّاره الفكري، الذي يمزج بين السلفيّة التقليديّة والوهّابيّة وسيّد قطب، وفي هذا المجال يمكن القول ان: “السروريّة هي منهج يختلف عن المنهج الإخواني والسلفي التقليدي، تقوم على المزج بين شخصيّتَين إسلاميّتَين هامّتَين هما: ابن تيميّة وسيّد قطب، أخذوا من ابن تيميّة موقفه السلفي الصارم من المخالفين للسنّة من الفرق والمذاهب الأخرى مثل الشيعة، وبالتالي فهم استمدّوا من ابن تيميّة المضمون العقائدي، وأمّا سيّد قطب فأخذوا منه ثوريّته وآمنوا إيمانًا تامًّا بمقولة الحاكميّة لديه”. هذا وارتكزت عمليّة التوفيق والتكيّف بين السلفيّة والقطبيّة على ترسيخ وتشريع “عقيدة الولاء والبراء” بعد إعادة إنتاجها وتشكيلها، فحلّت محلّ فكرة الحاكميّة التي اتّكأ عليها التيّار القطبي الأصولي. حيث إنّ فكرة الحاكميّة بالنسبة لهم ملوّثة بشبهة الخوارج. فالسروريّة استبدلت مصطلح الحاكميّة بالولاء والبراء مع إبقاء المحتوى العامّ للمصطلح الأوّل، حيث أصبح الولاء كلّ الولاء للإسلام والبراء من المشركين وغير المسلمين.
وهذه الفكرة تغلغلت في أوساط الدعاة في السعوديّة، ووجدت طريقًا في المناهج الدراسيّة، ما أدّى إلى تحوّلات عميقة في السلفيّة الوهّابيّة، سمحت لبروز جيل من التكفيريّين الشباب كانوا أعمدة التكفيريّة والفكر القاعدي، ولم يتمّ التنبّه إلى هذا الأمر إلّا بعد أن ساد التكفير حتّى للعائلة الحاكمة. فالمزاوجة التي حصلت بين الوهّابيّة والقطبيّة، أدّت إلى شحن الموقف من الآخر مسلمًا أو غير مسلم بمضامين عقيديّة، فضلًا عن المحتوى السياسي.
فالسروريّة تسرّبت إلى السلفيّة الوهّابيّة وبدّلت بمحتواها، وأنشأت أكثر من جيل يؤمن بأفكارها، وهي وإن تعرّضت للقمع بعد 1990 في السعوديّة، ولكنّها بقيت فاعلة بحكم تغلغلها في المؤسّسات السعوديّة لا سيّما المؤسّسة الدينيّة، وهذا ما يجعل هذه الدولة مصدّرة للتكفيريّين، الذين وإن لم ترسلهم الدولة مباشرة، ولكنّهم يستطيعون الحركة بسهولة نتيجة الاختراقات التي قاموا بها للمجتمع.
3- الفكر القاعدي: شكّلت التكفيريّة السوريّة رافدًا أساسيًّا من الروافد الفكريّة للقاعدة، حيث بنت كوادر الطليعة المقاتلة اللبنة الأولى فيها. فأسامة بن لادن الذي يعتبر أحد أهمّ مؤسّسي تنظيم القاعدة، بدأ باكرًا بالتعرّف على الفكر القطبي عبر “محمّد قطب وعبد الله عزّام” في الندوات التي كان يقيمها في مكة المكرمة، هذه العلاقة تطوّرت بعد عام 1982 عندما ذهب مع عبد الله عزّام إلى باكستان حيث تعرّف على قيادة المجاهدين.
استفاد أسامة بن لادن من عبد الله عزّام ورؤيته لموضوع الجهاد، فهو واضع أسس مفهوم القاعدة الصلبة التي اشتقّ منه اسم التنظيم، والتي ذكرت لأوّل مرّة في مقال له في صحيفة شهريّة اسمها “الجهاد” في عام 1988، وهذا المفهوم يقوم على ضرورة وجود قاعدة أساسيّة للجهاد في أرض المسلمين، من خلالها يتمّ نقل هذه التجربة كلّما توفّرت الظروف الملائمة؛ يقول عبد الله عزام: “لأنّ الناس تهزّهم مظاهر القوّة والنصرـ والناس بطبيعتهم لا يدخلون في دين الله بسهولة، ولا يلتزمون دين الله بيُسر، فهم ينتظرون المعركة بَين فئة تدفع التكاليف، وبَين الطواغيت، وكلّما حقّق المسلمون خطوة إلى الأمام، كلّما دخل فوج في دين الله”.
وظهر في إطار فكر القاعدة شخصيّة مؤثّرة هي “مصطفى ستّ مريم نصّار”، والذي أصبح يحمل لقبًا جهاديًّا هو “أبو مصعب السوري” أو “عمر عبد الحكيم”، والذي ركّز منذ البداية على ضرورة تثوير المجتمع السوري ومقاومة الأقليّات الدينيّة والمذهبيّة. وبعد وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد وجّه رسالة إلى الشعبَين اللبناني والسوري داعيًا إياهما للتحرّك والثورة, يقول بجزء من الكلمة:
المراقب للأوضاع في لبنان وسوريا خلال السنوات الأخيرة من عام 1986 إلى عام 2000 يرى كيف أخمدت بذور المقاومة لدى أهل السنّة، حيث لم يعكّر صفو الركود المقيت […] إلّا حركة تمرّد مسلّح حصلت في منطقة طرابلس السنّيّة في لبنان [أحداث الضنّيّة]، حيث كانت مجموعة من شباب السنّة تعدّ العدّة لجهاد العلويّة النصيريّة والنصارى، فكشف تنظيمهم وأجبروا على تلك المعركة غير المتكافئة، لتفاجأ السلطة العلويّة النصيريّة السوريّة، والنصرانيّة اللبنانيّة أنّ التنظيم يضمّ شبابًا سوريّين ولبنانيّين تربّوا على فهم الصراع الطائفي في الشام وفهموا أبعاده رحمهم الله.
وهذه الرؤية التي نادى بها أبو مصعب السوري تنطلق من محوريّة الشام – وليس سوريًّا وحسب – في استراتيجيّته؛ وتعتبر بلاد الشام بالنسبة إليه أرض جهاد تقع تحت سيطرة أقليّات دينيّة تحكم الأكثريّة- وفي هذا المجال يعدّد أبو مصعب الدروز والنصارى والشيعة والعلويّين-، وعلى هذه الأكثريّة أن تبدأ عمليّة تحرّر داخلي عبر إثارة موضوع الهويّة المذهبيّة للأكثريّة السنّيّة، ويقول في هذا المجال: “يجب إبراز الهويّة الأساسيّة لهذه المواجهة […] بتركيز المواجهة باتّجاه المفتاح الصحيح لهذا الصراع الجهادي بين الحقّ والباطل[…]”.
وهذا التحرّر لا بدّ من أن يؤسّس على قاعدة صلبة من الجهاديّين عبر السرايا المنفصلة الصغيرة، التي تستطيع أن تستغلّ الثغرات للتسرّب إلى المجتمع ليصل الأمر إلى إذكاء حرارة المواجهة وتسعيره وصولًا إلى الصدام العلني والمفتوح بين أهل السنّة والأقليّات، ويقول بهذا الخصوص:
ننصح بهذه المرحلة على صعيد المواجهة العسكريّة، بالاقتصار على السرايا الصغيرة. والعمل العسكري المتركّز في قضيّة التصفية الجسديّة [للأقليّات] في مدن وأحياء ومساكن أهل السنّة، وفي تنفيذ عمليّات الاغتيال لرؤوسهم المدنيّة والعسكريّة والأمنيّة، وشنّ حرب لا هوادة فيها عليهم داخل البلاد، وتتبّع رؤوسهم وعناصرهم في الخارج، ولا سيّما البعثات الديبلوماسيّة والتجاريّة والطلّابيّة.
فأبو مصعب السوري حاول أن يستفيد من التجارب السابقة للطليعة المجاهدة، وعمل على تحويل المعركة إلى معركة بين هويّات متناقضة داخل المجتمع السوري، وذلك عبر إثارة المظاهر الطائفيّة والمذهبيّة والدينيّة داخله.
4- قاعدة الرافدَين: يعتبر أبو مصعب الزرقاوي مؤسّس الدولة الإسلاميّة في العراق والشام، وعلى الرغم من صلة الوصل القويّة التي تربطها بالقاعدة على مستوى الانتماء التكفيري، إلا أنّ هناك تمايزاً فيما بين التنظيمَين، وهذا ليس نتيجة آنيّة ظهرت في العراق، إنّما نتج قسم منه من النشأة التي لم تكن مشتركة، فالزرقاوي وإن كان ذهب إلى أفغانستان إلّا أنّه لم يكن في معسكر من معسكراتها، لذلك لم يتلقّ التجربة من أصحابها إنّما من فرق هامشيّة غير فاعلة في التنظيم.
ركّز تنظيم الدولة الإسلاميّة على العداء للشيعة والأقلّيّات الأخرى، وجعل التسنّن هويّة عامّة جاذبة، واعتمد بموقفه على التناقض الذي وُجِد في المجتمع العراقي نتيجة سنوات طويلة من القهر، فعمل على زرع الشقاق بين المسلمين عبر أعمال طائفيّة. كما أنّ هذا التنظيم عمل على نقيض القاعدة على تفعيل المبنى السياسي، وأعطى مسألة الخلافة والإقليم أولويّة في عمله، وربط موضوع الإيمان والكفر من خلال تبعيّة الفرد لها.
فإن كان هذا التنظيم ينفي عن نفسه تهمة تكفير أهل السنّة، ويقول المتحدّث باسمه أبو محمد العدناني في كلمة له: “إنَّ القول بأنّ الأصل في الناس الكفر: لهو من بدع خوارج العصر، وإنّ الدولة بريئة من هذا القول، وإن مِن اعتقادها ومنهجها وما تدين الله به: أنّ عموم أهل السنّة في العراق والشام مسلمون، لا نكفّر أحدًا منهم إلّا مَن ثبتت لدينا ردّتُه بأدلّة شرعيّة قطعيّة الدلالة قطعيّة الثبوت، ومَن وجدناه مِن جنود الدولة يقول بهذه البدعة: علّمناه وبيّنّا له، فإن لم يرجع: عزّرْناه، فإن لم يرتدع: طردناه من صفوفنا وتبرّأنا منه، وقد فعلنا هذا مرارًا كثيرة مع مهاجرين وأنصار”.
فالكفر بالنسبة إليهم نوعان، أحدهما الفرق الإسلاميّة غير السنّيّة كالروافض والنصيريّة والفرق الأخرى فضلًا عن النصرانيّة… وثانيهما الكفر الناتج عن موالاة القوانين الوضعيّة أو معاونة العدوّ، يقول أبو عمر البغدادي: “نرى كفر وردّة من أمدّ المحتلّ وأعوانه بأيّ نوع من أنواع المعونة من لباس أو طعام أو علاج ونحوه، ممّا يُعينه ويقوّيه، وأنّه بهذا الفعل صار هدفًا لنا مستباح الدمّ”، وعلى هذا الأساس حكم على أفراد الصحوات في العراق بالكفر والردّة، فقال: “وإنَّي أخطب فيكم اليوم وأقول: ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم بمرتدّي الصحوات فإنّهم صاروا للصليب أعواناً، وعلى المجاهدين فرساناً، فهتكوا العرض، وسرقوا المال، وأرادوا أن يقطفوا ثمرة دماء الشهداء…”. والتكفير لا يقف عند الأفراد بل هو يطال الدول، حيث تصبح الدولة كافرة:
إذا علتها شرائع الكفر، وكانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي ديار كفر، ولا يلزم هذا أن نكفّر ساكني الديار، وبما أنّ الأحكام التي تعلو جميع ديار الإسلام اليوم هي أحكام الطاغوت وشريعته، فإنّنا نرى كفر وردّة جميع حكّام تلك الدول وجيوشها، وقتالهم أوجب من قتال المحتلّ الصليبي.
فتنظيم الدولة بحسب هذا الفهم، وضع مسألة الخلافة في موضع لا يتلاءم مع التراث الفكري عند أهل الجماعة, إذ جعل منها مسألة اعتقاديّة يتمّ محاسبة الناس على أساسها بالتالي فهي تحوّلت إلى ركن من أركان الدين، بالتالي يجري محاسبة الناس على هذا الأساس، ولعلّ هذا هو سبب تصادمها مع العديد من التنظيمات الفكريّة التكفيريّة التي تحمل الأسس المرجعيّة نفسها.

الخلاصة:
حاولت في هذا البحث أن اقدّم مقاربة أوّليّة مختصرة للمرجعيّات الفكريّة للمنظّمات التكفيريّة في سوريا، وحاولت أن ارصد المنطلقات النظريّة التي تعتمد عليها، وانا لا ادّعي أنّنني أوفيت الموضوع حقّه، لأنّ هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة أكثر سعة تدخل في التفصيلات والتفريعات، ولا يمكن لبحث بهذا الحجم أن يقوم بذلك.
وعلى الرغم من ذلك، يمكنني التأكيد على أنّ معظم التنظيمات التكفيريّة، لا تتعدّى هذه المرجعيّات، ومن الممكن أن ننسب كلّ منها إلى أصل من الأصول التي أوردناه، وفي هذا المجال من الممكن أن ننسب صقور الشام وأحرار الشام إلى السلفيّة السروريّة، والنصرة إلى القاعدة وداعش إلى قاعدة الرافدَين فضلًا عن الجبهة الإسلاميّة التي تعتبر التوجّه الوهّابي التقليدي...

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏