813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حازم مبيضين: "سنّي في البلاط الشيعي"- ح6 والأخيرة

نتابع في فينكس, نشر مخطوط كتاب "سنّي في البلاط الشيعي" للكاتب والصحفي الأردني المعروف حازم مبيضين. والآن إلى الحلقة السادسة والأخيرة:

شيعة قطر

يشكل شيعة قطر جزءاً من نسيج المجتمع، وهم منسجمون مع الأكثرية السنية، وموالون للحكم، ويتمتعون بحقوق المواطنة على قدم المساواة مع مواطنيهم السنة، ويبدو أن قلة عددهم أسهمت في عدم إثارة النعرة المذهبية في المجتمع القطري. وتصل نسبتهم الى 10% . ويتحدر الشيعة في قطر من أصل عربي، وهم "البحارنة" الذين تكون أصولهم بحرينية، أو من الأحساء والقطيف في السعودية، والعجم الذين هم من أصول إيرانية، ويوجد في قطر أيضاً شيعة يحملون الجنسية الإيرانية. ومما تجب الإشارة إليه هنا أنه توجد في قطر قبائل تسمى الهولة (أو الحولة)، والتي كانت تاريخياً تستوطن الساحل العربي من الخليج، إلا أنها انتقلت إلى الساحل الفارسي، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين عادت إلى الساحل العربي مرة أخرى، بيد أن هذه القبائل عربية القومية وسنية المذهب، وهي معروفة في دول الخليج الأخرى، ومن هذه القبائل في قطر، الأنصاري والصديقي وآل عبد الغني وفخرو وغيرها. ولا يشكل الشيعة أغلبية في أي منطقة سكانية، إلا أنهم يكثرون في مناطق الهلال، والمطار، والروضة، والدفنة. ومعظم شيعة قطر يتبعون لمرجعية آية الله العظمى علي السيستاني في العراق. ومع أن المذهب السائد في الدولة هو الحنبلي، مثل السعودية، إلا أن شيعة قطر يمارسون شعائرهم واحتفالاتهم الدينية بحرية في مساجدهم وحسينياتهم. أما منهاج التربية الدينية المعتمد في المدارس الحكومية، فيستند إلى المذهب السني، لكنه لا يزدري المذاهب الأخرى، وخصوصاً المذهب الجعفري. وكان الشيعة يحتكمون في قضايا الأحوال الشخصية إلى المحاكم الشرعية، وفي عام 2005 أنشئ لهم ضمن هذه المحاكم شعبة للمذهب الجعفري، تبت بقضايا الزواج والطلاق والميراث وغيرها. ومن أبرز مساجد الشيعة في قطر، مسجد البحارنة، ومسجد ومركز الإمام الصادق، ومن أكبر حسينياتهم، حسينية الرسول الأعظم بالدوحة.

لا يوجد تمييز في حقوق المواطنة أو الحقوق السياسية ضد الشيعة، إضافة إلى وجود عضو شيعي واحد في مجلس الشورى الذي يعينه أمير الدولة، وآخر في المجلس البلدي المركزي، الذي ينتخب أعضاؤه بالكامل، إلا أن العضوية تمنح في المجلس الأول، وتكتسب في المجلس الثاني على أساس شخصي.

وقد استضافت قطر عام 2007 مؤتمراً للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وصدر عنه "بيان الدوحة"، الذي نص على عدم السماح بالتبشير لمذهب التشيع في بلاد السنة، أو التسنن في بلاد الشيعة، درءاً للفتنة والشقاق بين المسلمين. وناشد المؤتمر أتباع المذاهب والفرق الاسلامية احترام مقدسات كل طرف، والحفاظ على الاحترام المتبادل في الحوار والنشاط الدعوي. كما دعا إلى إصلاح المناهج التعليمية، بما يدعم فكرة الوحدة والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية. وقرر المؤتمر أن تكون الدوحة مقراً لمجمع عالمي يضم علماء السنة والإمامية والزيدية والإباضية، لتعزيز فكرة التقريب بين المذاهب.

لا يختلف الوضع الاقتصادي لشيعة قطر كثيراً عن وضع مواطنيهم السنة؛ فكلا الطائفتين استفادت من توزيع الثروة الناتجة عن الموارد الطبيعية الغنية بالإمارة، ويعد متوسط دخل الفرد في قطر من بين الأعلى في المنطقة. ومن أبرز الشخصيات الشيعية العامة القطرية الحاج حيدر سليمان حيدر، عضو مجلس الشورى، والحاج ناصر بوكشيشة عضو المجلس البلدي، والحاج خليل إبراهيم رضواني، عضو غرفة تجارة وصناعة قطر، ورجل الأعمال الحاج حسين الفردان.

ومع كل الحديث عن المساواة المذهبية في المشيخة المحكومة وهابياً فان هناك من يتهم رئيس جهاز أمن الدولة محمد المسند المنحدر من عائلة موزة بنت ناصر المسند زوجة أمير قطر، بأنه من أشرس وأخطر المسؤولين القطريين في التعامل مع الشيعة وتضييق الخناق عليهم منذ توليه منصبه حيث تتبين يوماً بعد يوم أمام أنظار أبناء الشيعة الذين خذلهم عددهم القليل وشخصياتهم المغلوب على أمرهم وشراسة النظام، ويقول هؤلاء إن العائلة الحاكمة في قطر تقوم بممارسات قمعية ضد المواطنيين الشيعة. منها هدم المساجد الشيعية لحسينيات وآخرها مسجد الصفار ومسجد وحسينية الإمام الحسن التاريخي بالدوحة دون إعطاء تراخيص ببناء جديدة وتم إغلاق المركز التثقيفي الشيعي وسحب ترخيصه. كما تم هدم القبور في مقبرة الشيعة في منطقة بوهامور وأدى بالشيخ الشيعي الوحيد في قطر الشيخ محمد حبيب أن يذهب إلى المقبرة ليعارض هذا الفعل اللإنساني واللأخلاقي فتم تهديده إذا لم يسكت، ويترافق ذلك مع التضييق على علماء الشيعة القطريين وعددهم اثنان فقط وهما السيد شاكر الذي مارس الجهاز ضغوطات كبيرة جعلته مُحجّماً و مُهمّشاً ومُنع من صلاة الجماعة عدة مرات، والشيخ محمد حبيب الذي تم سجنه والهجوم على بيته وسلب محتوياته دون أي إذن قضائي ومؤخراً تم سحب جنسيته وبقاء أولاده الذين يدرسون بالخارج لا يستطيعون العودة وإلا سحبت جميع جوازاتهم ولقد أعطي مهلة لخروجه من قطر نهائياً، كما تم عدم السماح لأي قطري شيعي بالدراسة في الحوزات العلمية مما يهدد مستقبل الشيعة في قطر، وأيضا عدم السماح باستقدام خطباء للحسينيات الموجودة ومؤخراً تم استقدام الشيخ فيصل الكاظمي المعروف للقراءة في مأتم البحارنة شهر صفر, ولكنه بعد بضع ليال تم طرده. وفي قطر يمنع إنشاء مكتبة تسجيلات صوتية وكتب شيعية خاصة بالشعية على غرار مكتبات في دول الخليج الأخرى، ويطرد كل إيراني من قطر لأبسط الأسباب رغم العلاقات الظاهرية التي توحي بالعلاقات الجيدة بين قطر وإيران وذلك يدل على أسلوب النفاق الذي تعتمده الحكومة القطرية في التعامل مع الدول والشعوب، ويؤشر كثيرون بأن الإعلام القطري وعلى رأسه قناة الجزيرة يتميز بإلازدواجية في التعاطي مع الظروف التي يعاني منها أتباع مدرسة أهل البيت في مختلف البلدان العربية لا سيما في الخليج، حيث دعمت انتفاضات تونس ومصر وليبيا واليمن وتتغاضى عن تغطية أو نقل أخبار الانتفاضة البحرينية بزعمهم أنها ثورة شيعية كما يصفها مفتيهم وعالمهم القرضاوي. الذي لقيت فتاواه وبيانه ضد إيران تحركا شعبيا شيعيا يقوده الدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين الذي يرأسه القرضاوي وهو يبذل جهوداً حثيثة لإقناع عدد من الأعضاء بالتوقيع على بيان الرد على بيان القرضاوي ، وسحب «الشرعية» عنه ، ورفع فريق من المحامين الشيعة برئاسة ابن طاهر البديوي دعوى قضائية مستعجلة ضد القرضاوي أمام المحكمة الشرعية بالدوحة لطرده نهائياً من قطر ، وسحب جنسيتها منه، وعبر رافعو الدعوى في خطاب تقدموا به إلى أمير قطر عن احتجاجهم على تصريحات القرضاوي ، بحجة أنه يشعل الفتنة بين المسلمين ويتطاول على المسلمين الشيعة ويشوه سمعتهم ويحرض ضدهم ويكفر أتباع الطائفة الشيعية ويشبههم باليهود والخونة مشعلا الفتنة بين المواطنين السنة والشيعة في قطر وطالبوا بطرده من الإمارة وسحب الجنسية القطرية منه ، "لتفادي شره".

------------------------------------------------

شيعة مصر

لا يوجد إحصاء رسمي بعدد شيعة مصر ويقدر البعض عديدهم بحوالي المليون إن أغفلنا أن هناك ما يزيد على عشرة ملايين صوفي، بينهم ما لا يقل عن مليون يتبعون الفكر الشيعي، والمهم هنا أن كثيراً من الشيعة في مصر لا يعلنون عن معتقدهم نتيجة الضغوط الأمنية والإعلامية. وقد دخل التشيع مصر يوم دخلها الإسلام ، حين شهد بعض من شيعة الإمام علي فتح مصر ، منهم المقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر الغفاري، وأبو رافع، وأبو أيوب الأنصاري، وزارها عمار بن ياسر في خلافة عثمان. وقد اعتنق المصريون التشيع برغبة وجهروا بحي على خير العمل ، وتفضيل علي على غيره، كما جهروا بالصلاة على النبي وآله، وتاريخياً قامت في عهد الفاطميين مراسم عاشوراء وعيد الغدير، ولم تزل هذه المراسم إلى يومنا هذا . وكان التشيع مُخيماً على مصر في عهد الفاطميين وضاربا أطنابه في القرى والبلدان، لولا أن صلاح الدين الأيوبي أزال سلطتهم ومذهبهم من مصر بقوة السيف والنار.وتتكاثر أعداد شيعة مصر في مدينة المنصوره ومحافظات الشرقية و المنوفية وأسوان و الغربية وبعض أحياء القاهرة ومن مؤسساتهم المجلس الأعلى لرعاية آل البيت وجمعية آل البيت وحزب الوحدة والحرية وهو أول حزب شيعي في مصر تأسس عام 2011، لتمثيل المستضعفين، انطلاقاً من مقولة الإمام علي للحسن والحسين “كونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا.

تاريخيا وجد الشيعة عند استيلاء الأيوبيين على مصر أنفسهم أمام خيار اللجوء للتقية وادعاء التسنن أو الاندماج في الطريق الصوفية، أو الفرار إلى جنوب مصر والشام واليمن والهند و غيرها.

المتسننون وبمرور الزمن تحولوا على يد الأبناء والأحفاد الذين وجدوا في ظل واقع تظلله رايات المذاهب الأربعة و كأنه لا يوجد في الإسلام سواها. مع الافتقاد التام لكل الأدوات الفكرية والبشرية التي تقودهم إلى معتقد الآباء. وأنطبق هذا الحال على قطاعات الشيعة التي اندمجت في الطريق الصوفية وحتى التي فرت إلى الجنوب. أما الذين فروا إلى الشام و غيرها فقد وجدوا متنفساً لهم هناك.

ومع ذلك ظل الأمل قائماً باستمرار الانتفاضات الشيعية ضد النظام الأيوبي. لكن شيئا لم يحدث، في حين تم الاستلاء على جميع أملاك العاضد وأولاده، أما اللاجئون المتخفين بالتصوف فقد وجدوا أنفسهم أمام حقيقة أن تاريخ التشيع في مصر يسبق تاريخ التصوف بفترة زمنية طويلة. وهذا هو التاريخ الطبيعي لحركة التصوف باعتبارها حركة وليدة التشيع. فيما اضطر الأيوبيين والمماليك إلى احتضان الصوفية ودعمها لقدرتها على احتواء التشيع وتصفيته على أساس أن حركة التصوف ترفع شعار آل البيت الذي ترفعه الشيعة. وهكذا سادت الصوفية في مصر وأصبحت التيار الإسلامي الأول على حساب آل البيت، ومن جهة ثانية كان الأشراف من أبناء الإمام علي (ع) متواجدون في مصر قبل ظهور الدولة الفاطمية ولهم أنشطتهم المشروعة التي لم تكن لها صلة بالسياسة إنما كانت أنشطة تقليدية هدفها تدبير أمور الأشراف والدفاع عن مصالحهم ورعايتهم من قبل نقيب يمثلهم كما هو حال أعيان المجتمع المصري وطوائفه آنذاك.

ومن الأشراف الذين أصبحوا أعلاماً ورموزاً وطنية السيد أحمد عرابي الزعيم الوطني الذي قاد حركة الجيش المصري في مواجهة الخديوي توفيق و في مواجهة الانجليز, وقاد معارك عسكرية في مواجهتهم انتهت بنفيه من مصر، وينتشر الأشراف اليوم في صعيد مصر وهناك بلدة في الجنوب تتبع محافظة قنا تسمى "الأشراف" ومعظم أهلها ينتسبون إلى أهل البيت، وهناك عدد من المدن في مصر برز التشيع فيها وارتبط بها ولعل السبب في ذلك يعود إلى هجرات الطالبيين أو العلويين إلى هذه المدن. أو وجود عدد من دعاة التشيع الذين استقروا بها، وعلى الرغم من وجود الدولة الفاطمية في مصر وسيطرتها على كل ربوعها لا نجد أثراً بارزاً للتشيع في مناطق الوجه البحري الشمال، و ربما يكمن السبب في هذا إلى أن الهجرات العربية إلى مصر و التي تتابعت مع حركة الفتح الإسلامي استقرت في الجنوب و تمركزت به. وأن الشمال حتى ذلك الوقت كان يتكون من أخلاط الناس ممن أصولهم غير عربية و قد كانت هناك أماكن ومدن في مصر موقوفة على العلويين. كمدينة قفط التي كانت وقفا على العلويين من أيام الإمام علي .
و كان في القاهرة تجمعات شيعية تقل وتكثر حسب أحوال الزمان في حي الحسين و كان أغلبها من الشيعة الوافدين إلى مصر بهدف الاستقرار فيها. والذين كانوا يقدمون من الشام وبلاد فارس والعراق و غيرها. و لا تزال لهذه العائلات بقايا في مصر حتى اليوم.

 على الرغم من حملات الحصار الفكري لمحو معالم التشيع من نفوس المصريين فإن الكثير من العادات والتقاليد الشيعية التي توارثها المصريون بقيت حتى اليوم وأصبحت جزءاً من الشخصية المصرية ومن بينها ذكرى عاشوراء والاحتفال بليلة النصف من شعبان و رأس السنة الهجرية وعادة اقتناء الفوانيس في رمضان ولعب الصبيان بها في الطرقات من العادات الشيعة التي لا زالت تمارس في رمضان و قد انتقلت من مصر إلى بلاد أخرى.

تبرز ملامح التشيع المصري من خلال السلفية المترهبنة والانعزالية، فالطابع السلفي طغى على شيعة مصر وأصبح ملمحاً هاماً من ملامح شخصية الشيعة المصرية. وفي الوسط الشيعي المصري الكثير من العناصر الثرية لكن ترهبنها يحول دون التحرك الإيجابي لصالح دعوتهم.

يدين الشيعة في مصر بالمذهب الجعفري (الإثنى عشري)، وهو معترف به من قبل أعلى مرجعية دينية في مصر، وهو الأزهر، وكان شيخه العلامة محمود شلتوت، قد أصدر فتوى في العام 1959 تجيز التعبد بالمذهب الجعفري (الإمامي) كسائر مذاهب أهل السنة. وبعده أكد شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي استمرار العمل بالفتوى عام 1997، حين ألقت قوات الأمن القبض على مجموعة من الشيعة في مصر، ومع ذلك فالمذهب الجعفري غير معترف به رسمياً، فلكي يتم الاعتراف رسمياً بجماعة دينية يجب أن يتم التقدم بطلب لإدارة الشؤون الدينية بوزارة الداخلية، والتي تحدد بدورها إن كانت هذه الجماعة تشكل خطراً على "الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي".
ويصدر قرار الاعتراف بالجماعة الجديدة من رئيس الجمهورية، وفي حالة تجاهل أي جماعة دينية لعملية التسجيل الرسمية على هذا النحو، فإن أعضاءها يكونون عرضة للاعتقال، وقد يواجهون حكماً بالسجن، وفي أوائل العام 2004 تقدم بعض الشيعة، وعلى رأسهم المتشيع المعروف الدكتور أحمد راسم النفيس، بطلب إلى وزير الداخلية للاعتراف بالشيعة كطائفة دينية رسمية بموجب القانون، إلا أن الوزارة لم تقم بالرد على الطلب حتى الآن، ولا يوجد لشيعة مصر مراجع دينية، أو حتى وكلاء لمراجع في الخارج، مثلما هو قائم في بعض دول الخليج، وغيرها من الدول العربية التي توجد فيها طائفة شيعية. كما لا يوجد لهم أي مسجد خاص بهم، بعد أن وضعت الحكومة يدها على مسجدهم الوحيد، مسجد آل البيت، وضمته في العام 1979 إلى المساجد التابعة لها، مع أنه يوجد في مصر نحو 74500 مسجد قائم بذاته، و18000 مسجد ملحق بمبان خاصة، وكلها مساجد سنية.

وتوجد في مصر عدة مقامات وأضرحة ومشاهد لآل البيت، تشرف عليها وتديرها الدولة، وهي إن كانت مقدسة لدى الشيعة، فإنها تعد مزارات للمصريين أجمعهم، مثل ضريح الحسين بن علي قرب الجامع الأزهر، وضريح السيدة زينب بنت علي وضريح السيدة سكينة بنت الحسين، وضريح السيدة نفيسة بنت الحسن، ومقام الإمام علي زين العابدين بن الحسين، وغيرها.
ويذكر تقرير "الملل والنحل والأعراق"، الصادر عن مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية بالقاهرة عام 2005، أنه مع تحسن العلاقات المصرية - الإيرانية في التسعينيات، طرحت بقوة على بساط البحث فكرة استجلاب السياح الإيرانيين والشيعة للقيام برحلات سياحية في مصر، وزيارة أضرحة آل البيت. وبدأت وزارة السياحة المصرية بحث الأمر، بيد أن مخاوف أمنية وتحفظات من جانب علماء أزهريين، أجهضت الفكرة.
ومن ناحية أخرى، شهدت مصر منذ أواخر عهد السادات هجرة من جانب طائفة البهرة، والتي تنتمي إلى إحدى فرق المذهب الإسماعيلي، الذي كانت تدين به الدولة الفاطمية، والذي ينتسب أتباعه إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، ويعتبرون الإمامة في نسله، وتذكر بعض الروايات، أن هذه الطائفة انتشرت في الهند بعد سقوط دولة الفاطميين، وتعني لفظة "البهرة" باللغة الهندية "التاجر"، فيعرف عن أتباعها اشتغالهم بالتجارة، ولذا تعد من أكثر الطوائف ثراءً، ومعظم أتباعها من الهند وباكستان، وارتبط البهرة بمصر ارتباطاً روحياً لكونها كانت تمثل قاعدة الفاطميين، لذا يحرصون على زيارة الآثار الفاطمية ومقامات آل البيت في مصر. وقد قامت الطائفة بترميم جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي (المسمى الجامع الأنور) في القاهرة، والذي يحجون إليه ويقيمون فيه شعائرهم. وقد تملَّك بعضهم عقارات ومحلات محيطة بالجامع، وأقاموا فيها. ومنح الأزهر زعيم الطائفة، وهو محمد برهان الدين الملقب بالسلطان، الدكتوراه الفخرية، وهو الذي تبرع بالمقصورة الحالية لضريح السيدة زينب بالقاهره.

يبدو مهماً ملاحظة أنه رغم أن الكثيرين يعتبرون الأزهر عنواناً للوسطية فإن في مناهجه وعند بعض مدرسيه الكثير من التشدد والميل لتكفير الآخر ويبرز ذلك مع أسماء اشتهرت بالتطرف والتشدد ومالت إلى الأعمال الإرهابية تخرجت من أروقة هذا الصرح العلمي الذي بدأ شيعياً عندما بناه القائد جوهر الصقلي قبل حوالي ألف عام, ومن هؤلاء عمر عبد الرحمن والأردني محمد سالم رحّال المنظّر الجهادي الأول للجماعات المسلحة، وأبو بكر شيكاو زعيم جماعة "بوكو حرام" النيجيرية، وعبد الله عزام رائد الجهاد الأفغاني، وأحد أعلام جماعة الإخوان المسلمين، وعبد رب رسول سياف أحد ألمع قادة المجاهدين ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان، وبرهان الدين رباني ثاني رئيس لدولة المجاهدين في كابول بعد سقوط الحكم الشيوعي في إبريل 1992- 1996.

تاريخياً بدأ القائد الفاطمي جوهر الصقلي بناء الجامع الأزهر في مصر، واستغرق بناؤه عامين وثلاثة أشهر. وكان يحمل في البداية اسم جامع القاهرة، كان الهدف واضحاً من إنشاء الأزهر، فقد كانت الدولة الفاطمية دولة الإمامة الشيعية الإسماعيلية، وكان الأزهر أول مسجد أقامه الشيعة بمصر، ومن ثم كان قيام الأزهر رمزاً لسيادة دعوة دينية جديدة كما كانت القاهرة رمزاً لظفر الدولة الجديدة، وقد بدأ التعليم بالأزهر شيعياً. وكان مركزاً لدعاية الفاطميين وقد أسندت رئاسة الدعوة الإسماعيلية في عهدهم إلى "داعي الدعاة"، وكان يلي قاضي القضاة في الرتبة ويرتدي مثل زيه، وكثيراً ما كانت تُسند الوظيفتان إلى رجل واحد. وكان داعي الدعاة يعقد المجالس ويحاضر في الرجال بالأزهر، بل كان يُعقد أحياناً في الأزهر مجلس خاص للنساء يسمى مجلس الدعوة يتلقين فيه أصول المذهب الشيعي الإسماعيلي.

معروف أن فكرة الإمامة كانت عماد الدعوة الفاطمية وكان المعز لدين الله يحرص على أن يؤم الناس بنفسه في صلاة الجمعة وعيدي الفطر والأضحى في الأزهر، وكان يخطب في هذا الجامع في جمع رمضان والأعياد. ولم يكن الأزهر أيام الفاطميين جامعاً وجامعة فحسب بل مركزاً للكثير من المظاهر والمناسبات الرسمية الأخرى. فمن ذلك أنه كان مركز المحتسب، وهو ثالث أهم المناصب الدينية بعد قاضي القضاة وداعي الدعاة، وعمله يتناول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة. كما كان مركزاً للاحتفال الرسمي بالمولد النبوي. حيث يتوجه القاضي إلى الأزهر يرافقه حملة صواني الحلوى التي أعدت في قصر الخلافة لتفرق على الحاضرين في الجامع كقاضي القضاة وداعي الدعاة وقراء القرآن الذين يمكثون بعض الوقت في الأزهر قبل التوجه لقصر الخلافة. وكانت ليالي الوقود، وهي التي تسبق أول ومنتصف شهري شعبان ورمضان من أشهر المواسم التي اختصت بها الدولة الفاطمية، ففيها تضاء جميع المساجد بعد غروب الشمس فتبدو القاهرة في حلة من الأنوار ويخرج الناس إلى الجامع الأزهر الذي تضاء حافاته بالمشاعل، ويعقد في صحنه مجلس حافل من القضاة والعلماء برئاسة قاضي القضاة.

وكان الشعب المصري يستقبل هذه المواسم بمظاهر الفرح والسرور إلا يوم عاشوراء، فقد كان يعتبر يوم حزن عام تعطل فيه الأسواق ويخرج المنشدون إلى الأزهر ليلقوا الأناشيد في رثاء الحسين. وفي نفس اليوم يقام سماط يسمى سماط الحزن في بهو بسيط، وكان يقدم عليه خبز الشعير والعدس والجبن ويحضره الخليفة ملثماً ومرتدياً الثياب القاتمة.

وتراجعت مذهبية الأزهر عندما أقام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله دار الحكمة عام 1005 وقد أطلق الحاكم هذه التسمية لأنها رمز الدعوة الشيعية، فمجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة. وزود الحاكم هذه الدار بمكتبة عرفت باسم دار العلم وحوت الكثير من الكتب في سائر العلوم والآداب من فقه ونحو ولغة وكيمياء وطب، وسمح لسائر الناس بالتردد عليها. وعملت هذه الجامعة على نشر المذهب الشيعي بطريقة علمية منظمة وأسندت نظارتها لداعي الدعاة شخصياً. وقد سحبت الجامعة الجديدة البساط كثيراً من تحت أقدام جامعة الأزهر كمنبر للدعاية للمذهب الشيعي.

كان للأزهر أثره في توجيه الحركة الفكرية المصرية في العصر الفاطمي، لحظوته بالرعاية الرسمية. لكن هذا الأثر كان محدوداً، خصوصاً عند قيام دار الحكمة، جامعة الدولة الرسمية، وتبوؤها مقام الزعامة في توجيه الحركة الفكرية. لكن أثر الأزهر كان أقوى في نشر العلوم الدينية، وتخريج علماء الدين، لأنه كان موئل الثقافة الدينية، بينما كانت دار الحكمة موئل الثقافة المدنية.

في عام 1169 وضع صلاح الدين الأيوبي نهاية للدولة الفاطمية واستقل بمصر ودعا للخليفة العباسي، وبادر الأيوبيون بإزالة كل مظاهر التشيع فتوقفت الخطبة وصلاة الجمعة بالأزهر وحل محله جامع الحاكم. وفقد الأزهر مظهره الرسمي في الدولة الجديدة ولم يعد يتمتع بمباهج ليالي الوقود والمولد النبوي وغيرهما من المناسبات. وبدأت الحركة العلمية فيه تصاب بالركود والخمول لأن الدولة الجديدة أنشأت حوله مدارس تنافسه في رسالته.

 

روابط الحلقات السابقة:

رابط الجزء الأول

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20273-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9.html

رابط الجزء الثاني

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20314-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%AD2.html

رابط الجزء الثالث

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20379-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%AD3.html

رابط الجزء الرابع

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20447-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%AD4.html

رابط الجزء الخامس

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/20579-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D9%91%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%AD5.html

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏