كتب خضر عواركة: عمل فضائحي لـBBC مع وثائقي نيك غرين: "Dangerous Dynasty"
رمت "بي بي سي" ثوب المهنية على قارعة المطلوب منها في خدمة المؤسسة التي تمولها وتشرف على عملها، أي أجهزة الحكومة البريطانية التي نادرا ما تضحي بمصداقية مؤسساتها. مصداقية عمرها عقود اكتسبتها هيئة الاذاعة البريطانية بمهنيتها رفيعة المستوى وموضوعيتها المشهودة. ومع ان لها سقطات كثيرة سابقة لكنها لم تصل أبدا الى المستوى الوضيع والفاضح الذي أنزلها اليه وثائقي "نيك غرين" المسمى العائلة الخطيرة.
الوثائقي مشغول ليوجه ضربة الى الجهود الديبلوماسية الروسية التي تكشف يوما بعد يوم للرأي العام العالمي حقيقة ما جرى من جرائم ضد الشعب السوري.
فمجرمي الحرب ليسوا من رجال السلطة في دمشق فقط بل ان مسؤولين كبارا في واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب والرياض والدوحة وابو ظبي وكرواتيا هم من كبار مجرمي الحرب السورية الذين مولوا وسلحوا ودربوا وأداروا عمليات حربية هائلة لجيوش مشاة تعمل بتوجيههم مؤلفة من مئات الاف الارهابيين ممن قتلوا مدنيين بشكل متعمد وقصفوا مناطق مدنية اَهلة وارتكبوا فظائع بحق المدنيين.
الوثائقي غير الموضوعي اولى فضائحه أنه ليس فيه ضيف واحد يقدم وجهة نظر محايدة وموضوعية بل أشرك مجموعة من اصحاب المصلحة في ادانات متكررة محسومة سلفا. علما أن اطرافا أساسية في المجتمع الدولي بينها الصين وروسيا تعترف أن الاسد خاض حربا ضد isis والقاعدة طوال السنوات السبع الماضية.
الرئيس السوري ليس حمامة سلام ترفع في وجه من يتمرد عليها اجنحة بيضاء وبالتالي سيكون من غير المنطقي الحديث عن صورة رومانسية له في اعلام يعاديه لكن سقوط شاشة عريقة مهنيا بمستوى البي بي سي مضحك ومزري في اَن ... مضحك لأن ما يظهره الوثائقي في اسلوبه وفي توقيته يثبت ان الغرب وعلى الاخص المؤسسة الحاكمة في بريطانيا تشعر بالرعب على مصالحها من فكرة انتصار الاسد بعد سبع سنوات من الحرب ضده.
الامكانيات المالية التي اتيحت لصانع الفيلم ملفتة وتثبت أنه ليس عملا صحافيا بل جهود سياسية دعائية تمظهرت في فيلم وثائقي.
(صورت مقابلات الفيلم في ثلاث قارات وفي أثني عشر مدينة وتقاضى المشاركون بدلا ماليا اكثر من سخي)
من هو صانع الفيلم؟
هو شخصية معروفة عالميا ويبدو أن احد اهداف من كلفه بالفيلم هو استغلال شهرته كصانع افلام درامية ووثائقيات ذات مصداقية عالمية. فقد عرضت افلامه قنوات اميركية واوروبية كبرى فضلا عن أن الرئيس اوباما افتتح فيلمه "اميركا" الذي شارك فيه بفعاليات جائزة "ايمي". تلك المصداقية ذابت هنا وبدا "نيك غرين" في شريطه كأنه النسخة البريطانية من الناطق الرسمي باسم ابي محمد الجولاني (احمد الشرع) زعيم تنظيم النصرة.
بدأ حلقاته بمسلمات لا تطرح تهما ولا تقدم الدلائل كما هو مفترض بصحفي تحقيقات يصنع فيلما وثائقيا أن يفعل بل كانت صيغة المخاطبة الموجهة للمشاهد كما الصورة والموسيقى كلها جزء من عملية ابلاغ لقرار ادانة محسوم موجه من بي بي سي ونيك غرين ضد الرئيسين السوريين الحالي والراحل. ادانة لا مقدمات تبررها قانونا او مهنيا دون شهود نفي وعرض لظروف الجريمة.
هو جهد لا علاقة له بالاعمال المهنية, وليس سوى دعاية سوداء استعملها كاتب النص ومخرج الفيلم ايضا ضد زوجة الرئيس السوري اسماء الاسد.
واما الفضيحة المزرية في نوعية الضيوف:
أحدهم ضابط مخابرات عمل ضد سورية كجاسوس لكنه قدم نفسه لسلطاتها بصفة سائح ليشغل لاحقا منصب رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية MI6
أي انه رجل كذب ليدخل بلدا وليتنقل فيه ومن يكذب مرة لا مصداقية له فضلا عن انه رئيس سابق لمنظمة ربما قتلت ميليشيات سورية معارضة تدعمها عشرات الاف المدنيين السوريين أي ان الواحب محاكمة ضباط تلك المنظمة لا اعطائهم فرصة رمي تبعات جرائم ارتكبها عملاء لهم ضد الانسانية على طرف لديه ما يكفي من المسؤوليات التي يجب ان يبررها لشعبه وللمجتمع الدولي.
والثاني وزير ثقافة سابق: رياض نعسان آغا ، كان لعقود من اشد المرتبطين بسلطات دمشق وهو شريك في كل ما يدينها به الوثائقي لكنه انشق فقط حين اعتقد ان نهاية حكم الرئيس السوري قد حانت , وهو كذب في معظم شهادته حيث أن ابسط خبير بالشأن السوري يعرف انه كذب في الشريط خصوصا حين قال أنه "اختلف مع الرئيس فعزله" بينما يعرف من لديه ادنى اطلاع ان شكل العلاقة بين وزراء الحكومات السورية كافة مع الرئيس لا تحتمل اي خلاف مباشر لأنها تمر عبر تراتبية وظيفية يحرص عليها الاسد أشد الحرص. ولا يخرقها سوى مدير المراسم في القصر او وزير شؤون الرئاسة كما أن التراتبية بأسرها مرصودة من قادة الاستخبارات الذين يوجهون الوزراء وقد يوصون بعزل من ظهر على زوجاتهم تصرف يوحي بتبدل قناعاتهم وموالاتهم لجهات جهادية متطرفة. والوزير نعسان اغا طرد من منصبه بسبب اتصالات زوجته مع قيادات الاخوان المسلمين في لندن اثناء توليه الوزارة , وبقي نعسان أغا يهتف بحياة الرئيس الى أن ظن انه سيرحل فانحاز الى تشكيل انشأته السعودية.
الشاهد الثالث كذاب باعتراف بي بي سي وهو المدعو "أيمن عبد النور" الذي عرفه مخرج الوثائقي ب"مستشار سابق لبشار الاسد" في حين أنه كان موظفا حقيرا في جهاز الاستخبارات منتدبا للعمل مع السفارات الغربية يرفع تقاريره لرئيس قسم الفرع الداخلي المعروف بفرع الخطيب وقد فر عبد النور من البلاد بعد انكشاف علاقته باستخبارات اجنبية اذ كان عميلا مزدوجا وهو محكوم غيابيا في دمشق منذ ما قبل الثورة بسنوات وأعلى منصب شغله في حياته هو مندوب عن وزارة الاقتصاد بصفة مستشار امام جهات اوروبية وكان الرئيس الاسد قد التقاه وصافحه في مهرجان ثقافي بمكتبة الاسد والتقط معه بعض الصور قبل العام ٢٠٠٠.
واما الرابع - سمير التقي - فهو رئيس مركز بحوث موله لفترة جهاز امن الدولة قبل أن يهرب الى اميركا بعدما أرسل رجال الاستخبارات الروسية الى زملائهم السوريين أشرطة فيديو تحوي توثيقا لاجتماع بينه وبين ورجال المخابرات الاميركية في احد فنادق دبي.
والضيف الخامس هو الاكثر اثارة للاستغراب اذ قدمه الفيلم ثوريا اصلاحيا قديما وهو الصحفي ابراهيم حميدي الذي بقي بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠١١ من الموظفين الأساسيين في مكتب صحفي ملحق برئاسة الجمهورية وترك البلاد بعدما نصحه السفير الفرنسي في دمشق بذلك "كون أيام النظام صارت معدودة وسيلقى مصير مبارك وبن علي".
حميدي هذا لن تجد اي رحلة خارجية للأسد الا وهو من المرافقين له فيها بصفته صحفي ملحق بمكتبه بغض النظر عن كونه مدير مكتب محطة لبنانية تارة في دمشق او مراسلا لصحيفة سعودية تارة اخرى فهو من ابرز أبواق السلطة السورية المكلفين بعرض وجهة نظرها في الاعلام الأجنبي.
واما اعتقاله فهو حصل فعلا عام ٢٠٠٣ كونه اجتهد واخطأ وفي سورية يمنع على البوق الاجتهاد وهذه من أوجه قسوة النظام وتوحش استخباراته التي لا ترحم الموالين فما بالك بالمعارضين لكنها لا تقطع رؤوس مخالفيها كما تفعل جهات دعمتها بريطانيا في سورية.
نحن هنا في هذا الاستعراض للفيلم لا ندافع عن السلطة السورية التي يجب عرض جرائم المرتبطين بها والقائمين عليها امام محكمة جرائم حرب وطنية مستقلة لا تخضع لنفوذ اي جهة سوى ضمير قضاتها لكننا ندافع اولا عن الحقيقة.
الاسد لم يقاتل مدنيين كما يزعم الوثائقي ولم يدمر سورية في معركة بين دبابات ومتظاهرين بل خاض حربا شنتها دول حلف الاطلسي على بلده فوقف ضده ثلث الشعب وثلث قاتل معه وثلث وقف على الحياد ثم انحاز اليه بعدما شاهد البديل متمثلا بداعش والقاعدة.
وقد اعترف جون بايدن (امام مؤتمر في جامعة هارفرد في مطلع شهر اكتوبر ٢٠١٤) ووزير خارجية قطر السابق (مقابلة مع التلفزيون القطري في ٢٧ / ١٠ / ٢٠١٧) بصورة جازمة بأن دولا عربية مثل قطر والسعودية والولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وبريطانيا واسرائيل ارسلوا اسلحة ومالا ومعلومات استخبارية ومدربين لمقاتلين سوريين واجانب من الجهاديين احتلوا ثلثي البلاد واقاموا امارات جهادية قتلت الاف المدنيين والاسرى واجتاحت مدنا وحاولت غزو دمشق ومعظم المدن السورية الكبرى بمساعدة مالية بلغت أكثر من مئة مليار دولار من حلفاء بريطانيا وبتسليح كشفت عن تفاصيله صحف كبرى وشخصيات عالمية ليس أقلها مصداقية من ذكرناهم سابقا.
لكن اي من تلك الحقائق لم يظهر في ساعتين كاملتين من وثائقي بي بي سي التي أصبحت مع هذا الشريط بمستوى الدعاية السياسية الساذجة التي بثتها الاجهزة السعودية لتبرير مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول..
طبيب العيون ليس المهاتما غاندي لكنه ليس الرجل الذي قدمه نيك غرين في فيلمه..
