ما هو ذنب محافظة ال 5000 شهيد حتى تنساها حكومتها بهذا الشكل؟!.. حقيقة ماجرى في السويداء

منير حاتم

السويداء مدينة صغيرة يقارب تعداد سكانها النصف مليون نسمة، ومساحتها تعادل 6.5 ألف كيلو متر مربع، لكن ثلثي هذه المساحة لحفاً صخرية وبادية صحراوية تضرّ ولا تفيد.

سكان المدينة طيبون ومتدينون بمنتهى الإعتدال، وغير متطرفين نهائيا لدين أو طائفة، لكنهم غيورون على بعضهم لأسباب لها علاقة باضطهادهم التاريخي، والنظر إليهم من زاوية ضيقة لا علاقة لهم بها أبدا، زاوية كرّسها الإستعمار العثماني حين حاول احتلال البلد وعجز، وتابع تكريسها الإستعمار الفرنسي عندما خسر من جنوده الكثير الكثير، على يد ثوّار الجبل بكل إثنياته، وبقيت رواسب هذين الإستعمارين مستمرة إلى ما بعد الإستقلال، وخير برهان هو ما فعله الرئيس أديب الشيشكلي، حيث سلّط الجيش على المدنيين في السويداء دون رحمة، لكن ثوار الجبل بقيادة المغفور له سلطان الأطرش، غادروا البلد تبعا لنصيحته التي قال فيها: الجيش جشنا، ولن نقف مقابله، وسيدرك أبناء هذا الجيش أن الشيشكلي مخطئ، وسيدرك السوريون ذلك أيضا، وهذا ما حصل، واعترف الشيشكلي ذاته بحكمة سلطان الأطرش ووطنية أهل الجبل الذين رفضوا الإلتحاق بالأردن رغبة لإرادة الفرنسيين.

لكنّ أهل الجبل قد عركتهم الأحداث، وقوّت من بنيتهم الكفاحية الوطنية، وقوّت فهمهم لعدوهم، وأملوا بأن تتغيّر تلك الرواسب والإشاعات التي نشرها الإستعماران البغيضان، فكان أهل الجبل حين يذهبون لبعض المحافظات، يتفاجؤون بالبعض من السوريين ينظرون إلى مؤخراتهم، علّهم يجدون الذيل الذي حدّثهم أتباع الفرنسيين عنه، وكانوا ينظرون لأسنانه التي تأكل لحوم البشر، وكان البعض يوصم أهل الجبل بالخيانة والطائفية وغير ذلك من الصفات التي كرّسها الأتراك والفرنسيون لمدة أربعة قرون ونصف.

إلى أن حكم الجمهورية العربية السورية، الرئيس حافظ الأسد، وأقول ذلك بكلّ تجرد وواقعية، رضي من رضي وغضب من غضب، فقد جعل من تلك الإشاعات والرواسب المغرضة أضحوكة يتسلّى بها الناس، بعد أن كانت مسلمات لدى البعض، وخصوصا بالمؤسسة العسكرية الجامعة لكل أطياف الشعب السوري، فبات من الكبائر التحدث بالإثنيات والطوائف، وبات الجميع بعفوية لا يعرف أطياف بعضه، لا يعرفون إلا أنهم سوريون فقط، وبات أهل الجبل أكثر جرأة في السفر الداخلي والإختلاط، وباتت لهم تجاراتهم خارج مدينتهم، ومنهم من سكن واستقر بمحافظات القطر جميعها، بعد أن كان ذلك شبه مستحيل.

لكن مدينة السويداء مازالت تحتفظ بفقرها وقلة مواردها كما تحتفظ بمحبتها لوطنها وتحتفظ بتغليب كرامتها وكرامة وطنها على أي انتماء آخر، فهي المدينة النائية التي لا موارد لها سوى بعض البساتين التي باتت بخطر نظرا لقلة الأمطار و صعوبة تصريف منتوجاتها، فهي غير واقعة على طريق دولي، أو على تقاطع طرق رئيسية تربط بين المدن، ولا موانئ بحرية تنشط التجارة، فيفصلها عن العراق والأردن بادية ولحف صخرية لم تجلب لها سوى قطاع الطرق والغزاة كداعش وغيرها، فسكان المدينة يشعرون بإهمال الحكومات المتعاقبة لها، فحين كان من الممكن تمرير الطريق الدولي الثاني من الأردن إلى دمشق، لعب بعض المسؤولين لتغيير المسار، وليصبح المعبران مفتوحين على درعا، (نصيب و الرمثا) وقد دلّت الأحداث الأخيرة بدرعا على خطأ الحكومة هذا، و عملوا على فتح طرق فرعية لتمر القوافل من السويداء.

والآن أعادوا إغلاقها حين عادت درعا لحضن الوطن، وهذا ما يزيد من حصار المحافظة وإهمالها، وزياد الفقر، وبالتالي اعتماد السكان على الهجرة بالدرجة الأولى، ومن أخطاء الحكومة التي تزيد الفجوة بين سكان هذه المدينة والحكومة، هي وعد رئيس الوزراء بزيارة البلد مع مجموعة من الوزراء، للوقوف على مشاكلهم ومعالجتها، أسوة بباقي المحافظات التي زارها وقدم كتلة مالية في كل منها، لكنه لم يفِ بوعده، بل تسرّب من على لسانه القول بأنه سيعاقب المحافظة.

على ماذا سيعاقب الأب إبنه بالإعدام يا سيادة رئيس مجلس الوزراء؟! فمهما كان الولد مذنبا، فليس من المعقول عقابه بهذا العقاب، فالدولة أم رؤوم، فلا تظلم جميع أبنائها بسبب سوء البعض، هذا السوء الذي استفحل نتيجة تقصيرها، فالخطف والسرقات و هروب البعض من الخدمة العسكرية، ليس مسؤولية المدينة وأهلها، بل هو مسؤولية الحكومة ومؤسساتها، فعناصر من الأمن اشتركت بالخطف والسرقة، وعناصر من الحكومة ساهمت بإفقار أهل المدينة، بعدم انشاء أي معمل منذ عشرين سنة، وأي طريق حيوي، أو إنشاء مصدر مائي غير مطر السماء، فبات الفقر قاتلا، والعطش عصّة القبر، وفوق ذلك حصار حكومي جائر، هذا الفقر الذي ساعد على الجريمة، وحتى على عدم الإلتحاق بالخدمة العسكرية، فمنهم من سافر، ومنهم من لا يستطيع ترك كومة لحم حيّة خلفه والإرهاب يحاوطهم من الغرب (النصرة بدرعا) ومن الشرق (داعش بالبادية) ومن الوسط التجار بالسلاح والخلايا النائمة، ليذهب للجبهات البعيدة، فانخرط بالدفاع الوطني، لكنهم أبداً لم يلتحقوا بالمجموعات الإرهابية التي تقاتل جيشنا، لكن أغلبية الشباب الذي وجد من يسدّ غيابه، قد التحق بالجيش العربي السوري، والدليل هو عودة خمسة آلاف شهيد زيّنت صورهم أرجاء المدينة.

هناك كلام كثير قيل ويقال بهذا الموضوع، لكننا نختار منه ما يغلق الجرح، فنقول:

كفانا مبالغة في تحميل هذه المدينة ما لا تحمل، وكفانا نكرانا لما قدّمته وتقدمه كرمى الوطن، وكفانا مبالغة بعدد الفارين من الجيش، فإذا صدقنا العدد الذي يرددونه لوجدنا بأن تعداد الجيش بالنسبة لعدد السكان هو 2.5 مليون جندي، ولما كان الجيش لا يزيد عن نصف مليون، فنجد انه يوجد مليونا متهرّب عن الخدمة، فلماذا تتركون الجميع وتسلطون سهامكم على هذه المحافظة؟!

بالخلاصة أقول: لقد تعب الرئيس الراحل حافظ الأسد حتى أرسى تلك المحبة في المزهرية السورية التي جمعت كل إثنياتها و أطيافها، فلا تتركوا حكومة رعناء تحطم تلك المزهرية بكيديتها التي لا ترقى لمستوى حكومة وطنية، وبنهجها الذي لا يضمن لسورية مستقبلا آمنا يسوده العدل والإحترام، نرجو من قيادتنا التي يُجمع أهل مدينة السويداء بغالبيتهم العظمى على أنها صمام الأمان، والحافظة للدستور الذي يضمن حماية الجميع، أن يتم توجيه الحكومة لما يضمن أمن المحافظة, والعمل على إقامة المشاريع التي تضمن بعض ما يسدّ الحاجة، و تأمين المصادر المائية المستقرة التي تضمن الأمن المائي للمحافظة كي لا يبقى هاجس العطش يلاحق شفة كل مواطن. وحثّ هذه الحكومة على فتح المعبر إلى الأردن، والذي يفضي للمرور بمدينة السويداء الأقرب لدمشق، والذي سيكون مستقبلا الأقرب للطريق الذي سيذهب للعراق عن طريق البوكمال.

فالسويداء قطعة سورية يؤمن أهلها بهذا الإنتماء ويتشرفون به، وبذلوا الكثير من الأرواح والدماء لأجله، فما يحدث الآن خطير، ولا تستحقه السويداء.