يحيى زيدو: صلاح الدين الأيوبي و حالة (السرنمة التاريخية)
لست من المعجبين بالفنان (عباس النوري)، و لست من هواة الدراما التلفزيونية، لكن الحملة التي يتعرض لها جراء ما قاله عن (صلاح الدين الأيوبي) تجعلني متضامناً معه، ليس لأن ما قاله صحيح، و هو صحيح، بل لأن هذه الحملة ليست سوى جزء من الدفاع عن أوهام المقدس الديني و السياسي في التاريخ، من أجل إبقاء الشعب مسربلاً بحالة (السرنمة التاريخية) التي تجعله يسير كالنائم دون
هل يسأل السوريون كيف لشخصية مثل عبد الرحمن الشهبندر أن يكون طبيباً لجمال باشا، و أن يكون على علاقة وثيقة بقادة الحركة الصهيونية؟
هذه الأسئلة و مئات الأسئلة الأخرى يمكن أن نسألها لو كنا نتمتع بعقل نقدي لا ينظر إلى التاريخ باعتباره مقدساً، بل باعتباره نشاط إنساني يقع في دائرة النسبي القابل للنقد دائماً.
إن الأمم تتقدم بمقدار ما يتعزز و يتعمق لديها دور العقل و الفكر النقدي، لا بمقدار ما يتوسع بيكار المقدس الديني و السياسي ليدخل في إطار المطلق غير القابل للفهم أو للنقد.
إن من أولى خطوات النظر في التاريخ هو ضرورة التفريق بين (الموروث) الذي هو الماضي بكل مافيه، و بين (التراث) الذي هو الجانب الموعى به من الموروث أو التاريخ. هذا التمييز هو أول شروط الدخول في الحداثة و من ثم المعاصرة.
و إذا لم نمتلك القدرة على الإعلاء من شأن العقل، و الفكر النقدي فإننا سنستمر سائرين و نحن متلبسين بحالة من (السرنمة التاريخية) دون هدف أو غاية.
إن ما يحصل في بلادنا اليوم يجب أن يدفعنا إلى مقاربة تاريخنا برؤية نقدية علمية منهجية بعيداً عن أوهام المقدس و الوعي المقلوب.
أما الموقف الأخلاقي الذي يزعم الحكمة و القائل بأنه لا يجوز طرح مثل هذه القضايا الإشكالية حرصاً على عدم إثارة الفتنة، فإنه موقف ينطلق من الذهنية البطريركية (الأبوية) الوصائية التي تحتكر وحدها حق التفكير و اتخاذ القرار وفق قاعدة (لا تفكر.. البابا يفكر عنك).
و إلى أن يتوفر مناخ الفكر النقدي العقلاني.. سيروا في السرنمة إلى الهاوية
فالهاوية تتسع.. و القاع عميق.. و الساقطون سيكونون كثيرون.
* المعلومات عن علاقة نسيب البكري و قادة الكتلة الوطنية بالحركة الصهيونية مأخوذة من دراسة الدكتور محمود محارب (العلاقات بين الوكالة اليهودية و الكتلة الوطنية و المعارضة الشهبندرية)، و هي تعتمد بشكل أساسي على وثائق المخابرات الإسرائيلية التي أورد صوراً عنها في الدراسة المذكورة.
