صور عن اضطهاد العلويين في العهد العثماني ومرحلة الحكم "الوطني الديمقراطي" في سوريا

في جلسة المجلس النيابي بتاريخ 28 آذار 1949 تقدم نائب جبلة عثمان حسن اسبر بالشكوى التالية: "إن مايلاقيه بعض آهالي محافظة العلويين من الاضطهاد الشديد والقسوة الكبيرة والتعذيب الجسدي المحرّم في الدستور... إن ما يلاقيه أبناء العلويين, وخاصة في قضاء الحفة, حيث يمثل بهم الظلم بصورة تشمئز منها النفوس. هناك أعمال بربرية, وهذا بعضها: نتف شوارب الرجال وذقونهم بعد الضرب المبرح, وضرب النساء فلقات أمام الرجال, وزجهن بالسجون بالعشرات", مما ترك لدى الأهلين موجة كبيرة من السخط والاستياء. وطالب عثمان اسبر بـ"الضرب على أيدي الموظفين الذين يقومون بهذه الأعمال, ليشعر سكّان العلويين أنهم جزء من هذا الوطن, ولهم جميع ما للسوريين من الحرمات". (ص 47).

ويذكر كتاب "ولاية بيروت" أن المسيحيين في قضاء بانياس, وعددهم يقارب 5000 نسمة, سكنوا في عشرين قرية محاذية للساحل, في حين أُجبر العلويون على السكن في قرى تبعد عن الطريق الساحلي مسافة ساعة أو ساعتين سيراً على الأقدام, أي بين 5 و 10 كم. (ص 32) (تنويه: التعداد الذي يذكره كتاب "ولاية بيروت" كان عام 1914).

ما جاء في كتاب "ولاية بيروت" حول استثمار إقطاعيي تلكلخ لفلاحي القرى المجاورة هو مفتاح فهم الصراع الناشب بين الفلاحين المالكين لأراضيهم وبين الأغوات الإقطاعيين الراغبين في توسيع ملكيتهم باتجاه الشمال, والحصول على مزيد من الثروة والمال "عصبي الحياة".

استولى الأغوات على نصف أراضي قرية جبلايا الحصينة الرابضة على السفوح الجنوبية لجبل الحلو في أواخر القرن التاسع عشر. وعندما سعوا للاستيلاء على باقي أراضي القرية, تصدى لهم أهلها. وجرت عدة معارك, كان أشرسها في أحد أيام 1910, عندما استولت حملة عسكرية عثمانية على القرية الحصينة, وقامت بتخريبها. وبعد انسحاب الحملة عاد آهالي القرية إليها, وساروا في تمردهم على الواقع الإقطاعي العثماني بالأساليب المتوفرة في ذلك الزمن, وفي مقدمتها "التشليح", أو أعمال "الشقاوة". (ص 24).

وما كتبه يوسف الحكيم, اللاذقاني المولد, والليبرالي الثقافة, وقاضي التحقيق في طرابلس قبل 1914, حول أسباب الخلاف ومجريات المعركة بين أهل شين والأغوات, خير دليل على ذلك.

كتب الحكيم: "ولما ضاق أهل القرية ذرعاً من جور سادتهم ومن جباة ضرائب الحكومة, الذين يفدون الى القرية مستصحبين نفراً من الدرك, خرجوا عن صبرهم, وكثرة الضغط تولد الانفجار, واصطدموا في يوم من أيام الشتاء القاسية (1912) مع الدركيين والزعماء, فسقط في المعركة قتلى وجرحى من الفريقين. ولهذا جاء قاضي التحقيق يوسف الحكيم من طرابلس لضبط مشاهداته في مكان الحادث, وحول ذلك كتب الحكيم: "... وشاهدنا آثار التخريب الذي حلّ بالقرية (شين), وعلمنا أن سكانها قد هجروها على إثره, وسيق معظم شبابها إلى السجن في تلكلخ, مركز القضاء". ويصف القاضي حالة السجن المزرية الخالي من كلّ أثاث, والسجناء يرتجفون من شدة البرد, والمياه الدالفة تحيط بهم من كلّ جانب.

ومن أجل أن يتمكّن الفلاحون من دفع نفقات الدعوى ومصاريف السجون قاموا باستقراض مبلغ من المال من مصطفى علم الدين في طرابلس, واستمر فلاحو شين من عام 1916 يدفعون عشر المحصول إلى مصطفى علم الدين, ومن ثمّ إلى ورثته, حتى عام 1938. (ص 25).

فقد تمكن أغوات الدنادشة من تملك الأرض في آواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين, وكانت معاملتهم للفلاحين قاسية, وتميزت منازلهم بالفخامة والأثاث الثمين. وكانت نفقاتهم مثل اقطاعيي قضاء عكار كثيرة, لهذا أرهقوا الفلاحين, وأكثريتهم من العلويين, بالأتاوات, وأمعنوا في استثمارهم, كما استغلوا البدو أيضاً. (ص 23- 24)

فمع صدور قانون اأراضي العثماني لعام 1858, وظله قانون الطابو, شرع أغوات الدنادشة في الاستيلاء على الأراضي وتسجيلها بأسمائهم, شأنهم شأن جميع المتنفذين, "أرباب الوجاهة", الذين تمكنوا بمساعدة الحكم العثماني, وبما لهم من عصبية, من تسجيل أكثر من خمسين قرية بأسمائهم, امتدت من شرقي سهل عكار إلى سهل حمص, مروراً بقرى الوعر.

ظهر أغوات الدنادشة في منطقة تلكلخ في آواخر القرن الثامن عشر, عندما استعانت بهم الدولة العثمانية لحماية طريق طرابلس- حمص, مثلما استعانت بأغوات آل سويدان في حسياء لحماية طريق حمص- دمشق.

مقتطفات من كتاب: "من الجبل العلوي إلى عاصمة بني أمية.. دروب الكفاح للطلائع اليسارية ودور دانيال نعمة ورفاقه"

المؤلّف: الدكتور عبد الله حنا