الفساد في النفوس قبل النصوص

كتب الدكتور بهجت سليمان:

1 ● على الرغم من أن (الفساد) موجود منذ الأزل، وسيبقى إلى الأبد. وقد أكد ذلك فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة (أبو العلاء المعري) عندما قال منذ ألف سنة:
وَهَكَذا كانَ أَهلُ الأَرضِ مُذ فُطِروا فلا يَظُنُّ جَهولٌ أَنَّهُم فَسَدوا
2 ● والتحدي الأكبر ليس في وجود الفساد، بل في الموقف من وجود الفساد.. هل هو الموقف السليم القادر على الحد من الفساد؟ أم هو الموقف الذي يؤدي إلى ترك الحبل على الغارب للفساد.
3 ● وعندما يصبح الحديث عن الفساد، حديث الجميع تقريبا. فلا يفيد نكرانه شيئا ولا الصمت عليه ولا غض النظر عنه، وخاصة عندما تكون أساطين الفساد جاثمة أمام الناس تتحداهم بسلوكها الاستفزازي المخزي والمشين.
4 ● والفساد هو في النفوس قبل النصوص. ولا ينفع في مواجهته المجيء بنصوص قانونية محكمة وصارمة، كما يظن البعض، بل اعتماد أصحاب نفوس كبيرة، ينطبق عليهم ما قاله "دزير جنسكي" أحد قادة ثورة أكتوبر السوفيتية، حينما قال: (على الرجل العام أن يكون ذا عقل بارد، وقلب دافئ، ويدين نظيفتين).. والظن بأن هؤلاء غير موجودين، ظن خاطئ وفي غير محله، لا بل هو تبرير لعدم اعتمدادهم ولاعتماد الإمعات والمحسوبيات.
5 ● و عندما يضرب الفساد أطنابه في كثير من المؤسسات الإدارية، ويجري إنكار ذلك، فإن المواطنين الذين يعيشون ذلك الواقع المؤلم مع القيمين على تلك المؤسسات، تضعف ثقتهم بالسلطة.
6 ● وكم كان فيلسوف الثورة الفرنسية (جان جاك روسو) حصيفا ومصيبا، حينما قال (اعطني عدداً قليلاً من الشرفاء، و أنا أحطم جيشاً من اللصوص.).. والشرفاء موجودون، حتى لو كانوا أقل من الفاسدين بكثير، ولكن اعتمادهم في المفاصل الإدارية، يعيد جسر الهوة القائمة بين السلطة والناس.
7 ● و ما ذكرناه يتعلق بالجانب الإستراتيجي من المسألة.
و أما الجانب التكتيكي والإجرائي - مهما بدا متناقضا مع ما قلناه أعلاه -، فيتعلق في من يجعل من نفسه حكما وينصب نفسه قاضيا ضد الفساد، دون:
1▪︎ أن يمتلك تعريفا موضوعيا أو منطقيا للفساد.
2▪︎ ودون أن يمتلك معلومات مؤكدة وموثقة تخوله توجيه التهمة بالفساد.
3▪︎ و أما لغة التعميم، وبناء على ثقافة (هيك سمعنا) و (هيك عم يحكو) أو (القول بأنو كل التاس عم تحكي هيك أو بيعرفو هيك) من غير أن يتفضل فضيلة "القاضي أو المدعي العام" بتنويرنا متى وكيف قام بعملية الاستقصاء والتدقيق التي بينت له صحة ما يقول.. فهذه لغة لا جدوى منها وتزيد الطين بلة.
4▪︎ إن كيل التهم جزافا وتوزيعها ذات اليمين وذات الشمال، بناء على القول (هيك عم ينحكى) تعني أن صاحبها يضع نفسه عرضة للمساءلة، لكي يقدم الوثائق والثبوتيات الكفيلة بالبرهنة على صحة ما يقول. وفي حال عدم تمكنه من ذلك، فإنه يجعل نفسه عرضة للمحاسبة القانونية بسبب التشهير بالآخرين.
5▪︎ إن الترداد الببغاوي ل ما يقوله الفاشلون والحاقدون والمأجورون والمشبوهون، يسيء إلى الشخص الذي يردد تلك التقولات، قبل أن يسيء إلى الشخص المراد التشهير به.
6▪︎ وأخيرا لا آخرا: لنتذكر قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).