لطفي السومي: القسم الثالث - الحملة المشبوهة.. هدم أركان الأمة والانتماء
ان ما يوحد سكان هذه المنطقة من العالم هو اكبر بما لا يقاس من معظم شعوب العالم التي كونت الامم الحديثة من روابط مخترعة في الكثير من الحالات، ولكن ضعف وتفتت العرب يجعل العبث في بنيتهم من قبل الأعداء ومن والاهم، وبحسن نية في بعض الحالات، يجعل هذا العبث سهلا بهدف ان نظل أمة ضعيفة مفتتة تعود الى الروابط ما قبل القومية، كالروابط الاثنية والطائفية والمذهبية والإقليمية، بل وتعمل على التفتت والشرذمة، ويساعد في كل. ذلك غياب الوعي والهيمنة القمعية للانظمة التي تستفيد من بقاء الشرذمة ولو على حساب مستقبل الأمة وشعوبها.
ب) مصر والسودان:
كنّا قد أشرنا في القسم الاول الى علاقة بين المصرية القديمة وبين الأكادية، وذلك يعكس علاقة إثنية تعود الى ما قبل، او خلال مرحلة تشكل الصحاري، بل ولقد ظهر الكنعانيون لأول مرة في مصر في حوالي العام ١٨٠٠ق م وأسسوا مملكة مستقلة شرق الدلتا وأسسوا الاسرة الرابعة عشرة التي عاصرت الاسرة الثالثة عشرة المصرية.
كما حكم الهكسوس الجزريين مصر السفلى من عاصمتهم افاريس بل وامتدت سلطتهم جنوبا الى صعيد مصر واستمر حكمهم ما بين ١٧٣٠- ١٥٥٠ حين انتصر عليهم الفرعون أحمس ودمر عاصمتهم افاريس وتابعهم الى عاصمتهم الثانية شاروهين، وهم الذين اسسوا السلالة الرابعة عشرة والتي عاصرت السلالة الثانية عشرة المصرية، ولقد عبد الهكسوس الاله الكنعاني الحلبي حدد وتبنوا الى جانبه الاله المصري ست، ورغم ما يقال عن تخلفهم فلقد ادخلوا الى مصر العديد من الصادرات الثقافية وبعض الاَلات الموسيقية ووسائل صهر البرونز وبعض المحاصيل الزراعية الجديدة، بالاضافة الى استعمال العربات الحربية التي تجرها الخيول والأقواس المركبة والفؤوس الخارقة والسيوف المنحنية ومن ناحية أخرى فلقد كانت أراضي شرق الدلتا تسمى ارض جاسان وكان اغلب سكانها من أصول جزرية، كما ان الجزريين قد تغلغلوا في البلاط الفرعوني وبصورة خاصة في فترة الفرعون اخناتون الذي كان حرسه الخاص من الاسيويين بالاضافة الى نسبة كبيرة من سكان عاصمته اخيتاتون، كما كان رئيس كهنته منهم ايضا، الى جانب امرأته الفاتنة نفرتيتي، وذلك في القرن الرابع عشر ق م.
وفي العصور الكلاسيكية وجدت مملكة قيدار العربية في شرق شمال مصر السفلى وكان ملكها يسمى قينو بن جشم، وكان مركزه في ما هو الان محافظة الإسماعيلية، ولقد استنجدت به الملكة كليوبترا في حروبها. كما وفد الى مصر قبائل عربية من لخم وجذام واعتنقوا المسيحية قبل ظهور الاسلام.
وأما بعد الحملة العربية الاسلامية على مصر بقيادة عمرو بن العاص فلقد بدأت القبائل العربية تتوافد على مصر والسودان، اذ يذكر المقريزي ان الغيوم والبهنسا واباصير وسخا واثريب قد استقر فيها قبائل عربية جرى اندماجها في المجتمع المصري. ولقد شجع الأمويون الهجرة الى مصر وخاصة في فترة هشام بن عبد الملك وخاصة من قبائل "نضر" و "بني سليم"، كما حصلت هجرات عكسية من مصر الى السودان وليبريا اثناء حكم الدولة الطولونية. كما شجع الفاطميّون الهجرة العربية الى مصر فقدم اليها إعداد كبيرة من بلاد الشام، وبالمثل قام صلاح الدين الأيوبي بتشجيع الهجرة الى مصر ، الا ان بعض القبائل العربية قد هاجر في العصر المملوكي الى جنوب مصر وبلاد النوبة، كما منح العرب امتيازات مهمة في القرن الثامن عشر في العهد العثماني.
اما سيناء فيكاد سكانها يقتصرون على العرب والذين لا زالوا يحافظون على انتماءاتهم القبلية حتى الان، وبالإجمال فلقد قدر عدد من لا زالوا يحتفظون بأنسابهم وأصولهم وطرق عيشهم على الطريقة البدوية بحوالي ١٧ مليون شخصا، وذلك عدا الذين اندمجوا في المجتمع المصري منذ امد طويل.
السودان: وأما السودان فتدل بعض الدراسات ان الكثيرين من العرب قد عبروا البحر الأحمر من الشرق الى الغرب منذ مراحل موغلة في القدم. وأما الهجرات التي تلت ظهور الاسلام فمن أهمها هجرة قبيلة "جهينة"و "يلي" القحطانيتين وكل من "الكواهلة" و "الجعلية" العدنانيتين، ولا نجد المجال مناسبا لتعداد القبائل العربية السودانية الكثيرة، والخلاصة ان نسبة العرق العربي في السودان تفوق مثيلتها في مصر.
وقبل ان انتهي من هذا التناول، فإنني أؤكد مرة اخرى ان هذا البحث العرقي لا يعني بأي شكل من الأشكال تبني الجانب العرقي في نشوء الامم واستمراريتها ولكنني ولجت هذا المجال فقط من اجل الرد على الحملة العرقية المشبوهة التي تحاول انتزاع الوطن العربي من هويته وانتماءه من منطلقات عرقية، وخاصة والعالم يلج في عصر العولمة والمعلوماتية.
انتظرونا في الحلقة الرابعة غدا