هل اعتذر الوزير من الطفل "غيث"؟
هلال عون - فينيكس - خاص:
في قرية هادئة بريفنا السوري الجميل، تعيش العجوز "أم محمد" البالغة من العمر ثمانين عاما في بيت جميل، واسع تحيط به حديقة، تتجاوز مساحتها ال ٤٠٠ متر..
وبمحاذاة السور الغربي للحديقة قنٌّ كبير للدجاج، يحيط به شبك معدني، يسوِّر مساحة حوالي ٢٠٠ متر، وارتفاعه حوالي مترين، و له باب من الشبك المعدني أيضا، يقفل بسقّاطة (مزلاج) فقط..
في الحديقة عدد من أشجار الليمون والرمان، وعدد من شتلات الخس والنعنع والبصل والبندورة. قبل حوالي ١٠ سنوات توفي أبو محمد (زوج تلك العجوز)..
ومنذ ذلك الحين حاول ابنها محمد، الذي يسكن في العاصمة، أكثر من مرّة أن يقنعها بالذهاب للعيش معه في دمشق، خاصة أن شقيقه "أشرف" مغترب، وشقيقته "ليلى" تعيش في العاصمة أيضا مع زوجها وأولادها، لكن كل محاولاته باءت بالفشل.
في زيارته الاخيرة لها كان "محمد" قد أصبح وزيرا للمرة الثانية في الحكومة، وصار لديه نشاط تجاري، رفع رصيده المادي ومستوى معيشته كثيرا..
في تلك الزيارة ألحّ "محمد" على والدته العجوز، محاولا إقناعها بالذهاب معه الى العاصمة..
وعندما رفضت، قال لها أن الله قد أنعم عليه، لذلك قرر أن يُوظّف خادمة لها في المنزل، وأنه سيخصّص لها مائة الف ليرة شهرياً، وللخادمة راتب ٥٠ ألف ليرة..
و دون أن يستمع لرأيها، قال: "هذا القن وهذه الدجاجات ما لها داعي يا أمي انا ببعتلك ٣٠٠ بيضة بالشهر.. ثم، لماذا تزرعين شتلات البصل والخس والبندورة، وكل موسمها لا يساوي ١٠ آلاف ليرة؟!! يعني تعب عالفاضي.."
لم يكد يكمل عبارته الأخيرة حتى دخل طفل في الثامنة من عمره اسمه "غيث"، وهو من أبناء الجيران، وبيده صحن فيه فاصولياء مطبوخة بالزيت، وقال: مرحبا ستّي..
تفضلي.. ووضع الصحن أمامها على طاولة صغيرة، و همَّ بالمغادرة، لكن صوت ابنها "محمد"، جعله يحمل الصحن من جديد ويعود به، وقد اصطبغ وجهُهُ حمرةً!!
قال له ابنها "محمد": تعال يا ولد خُذْ الصحن وعد به إلى أهلك.. وقل لأمك أم محمد ليست بحاجة طعام من أحد!!
حدث كل ذلك و أم محمد تستمع وتشاهد دون أن تنطق بكلمة. وبعد دقيقة صمت نظرت إلى ابنها وقالت: "خلصت حكي يا ابني"؟
أجابها: خلصت يا أمي.
قالت له: عندي عشر "جاجات" بيّاضات.. يعني عندي سبعين بيضة بالأسبوع.. وأنت بتعرف أن الدكتور "قلي" ما بتاكلي "أكتر" من ٣ بيضات بالأسبوع.. يعني يا إبني أنا بوزّع "أكتر" من ٦٠ بيضة بالأسبوع لجيراني.. وما ببيع بيض لأنك ما بتخليني أحتاج مصاري.. وكل يوم "بيزورني" غيث و أحمد و هادي و ميشيل و يوسف.. بيقعدوا عندي وبيحكولي عن المدرسة وعن المعلمات وعن رفقاتن و "بيقرولي" أناشيد حلوة من الصف الثاني والثالث..
انا يا ابني "بعطيهن" البيضات.. "هدول" الأولاد رفقاتي.. ما بتتصور شو بحبهم وبيحبوني.. بتعرف يا ابني..
اذا شي يوم، أهلهم طبخوا طبخة طيبة ونسيوني، رفقاتي بيذكروهم "فيّي".. وما بياكلوا حتى يبعتولي.. ولما يزورني "غيث" بطعميه من أكلات "هادي"..
ولما يزورني أحمد بطعميه من أكلات ميشيل... صحيح يا ابني أنا "ماني" بحاجة الجيجات، بس لولاهن كنت بموت من الملل وقلة الحركة بين أربع حيطان".. " بسببهم أنا بفيق الصبح مع وجه الضو نشيطة، ومبسوطة لأن عندي شغل.. بفتح باب القن بطعهيهم.. بضيّع وقت معهم.. ونفس الشي الظهر والمغرب.. وكمان بتسلى وبرتاح وأنا عم شوف الخسات والبصلات عم يكبروا..".
أما الخادمة يا ابني فأنا ما بدي خادمة.. صحتي قوية.. وإذا كان ولابد، ممكن تحكي مع أرملة فقيرة أو بنت يتيمة تعيش معي أو تزورني كل يوم، وتصير رفيقتي..
نظرَتْ العجوز في عينَي ابنها محمد قليلاً دون كلام، ثم أخذت بيده كأنه طفل صغير، و نهضت واقفةً، تشده خلفها!
سألها محمد: إلى أين يا أمي؟!
قالت بثقة: لعند "غيث" ولعند أهله حتى تعتذر منهم.. وإذا ما بتعتذر منهم لا بقى تجي لعندي.