عدنان بدر حلو: بين "حفر الباطن" ضد العراق و"شرم الشيخ" ضد سورية

يعيد فينكس نشر سلسلة مقالات منتقاة, من كتاب "تدمير سورية- المشروع المؤجّل من تسعينيات القرن الماضي" للكاتب والصحفي عدنان بدر حلو.. والغاية من إعادة نشر تلك المقالات هو قراءتها المبكرة لما يحدث في سوريا منذ نحو ست سنوات حتى اللحظة.

تنويه: كان الكاتب يوقّع سنتذاك, باسم: عدنان بدر, وهو الاسم الذي اقترحه عليه الشهيد غسان كنفاني.

 

نصّ المقال:

  • هذا الحشد الدولي الذي تدفق على "شرم الشيخ" في جنوب سيناء، لا يشبهه حشد آخر سوى ذلك الذي تدفق قبل ست سنوات على "حفر الباطن" في السعودية، رغم الفارق بين الطبيعة العسكرية للحشد السابق والطبيعة السياسية للاحق..( والحرب امتداد للسياسة إنما بوسائل أخرى)!!

وإذا كان حشد "حفر الباطن" قد استهدف العراق، فما هو – يا ترى – البلد العربي الآخر الذي يستهدفه حشد "شرم الشيخ"؟ وكيف؟ ولماذا؟

قبل الإجابة ومن أجلها، دعونا نتوقف أمام أطروحات أصحاب هذا المؤتمر العالمي، واستقراء ما قدموه من حيثيات وذرائع، على ضوء سياق الأحداث التي شهدتها المنطقة في المرحلة القريبة التي سبقت هذه التظاهرة الدولية النادرة!!

  • لقد جاءت الدعوة إلى "شرم الشيخ" والاستجابة الفورية لها، على أنهما رد فعل مباشر على العمليات الانتحارية التي تلاحقت في إسرائيل "ونسبت" إلى منظمة "حماس" الفلسطينية الإسلامية! تماما كما زعم في حينه أن حشد "حفر الباطن" قد جاء ردا مباشرا على دخول القوات العراقية إلى الكويت.

وفي الحالين جرى ويجري حذف الصلة الوثيقة بين الحدثين الفلسطيني والعراقي وبين ما سبقهما من استفزاز واستدراج مدبرين لتبرير ما سوف يبنى عليهما من عدوان فيما بعد.

فكما أنه في الحالة الأولى، جرى حشر العراق وحصاره نفطيا وماليا بعد أن خرج من حرب الثماني سنوات مع إيران، ولديه رغبة عارمة بالعودة إلى الحياة المدنية والشروع في برنامج إعمار وازدهار وفرت لها الحرب الكثير من الحوافز والمعطيات الموضوعية البشرية والمادية والمعرفية.. كذلك جرى في الحالة الثانية تحرش واستفزاز مقصودان بالتيار الإسلامي الفلسطيني بعد أن نجحت مساعي السلطة الوطنية لتحقيق هدنة معه أتاحت الفرصة أمام الشعب الفلسطيني للتعبير عن شوق حقيقي للسلام والأمن واستعداد جاد لبناء المجتمع المدني ووضع الأسس الديمقراطية لكيانه المستقل.. فهذا بالذات ما عبرت عنه الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ظل تلك الهدنة التي كانت تتوطد يوما بعد يوم وتجذب بشكل مضطرد قطاعات واسعة من جمهور الحركة الدينية وحتى كوادرها وقياداتها إلى الانخراط في العمل السياسي غير العنفي والاستعداد لخوض الانتخابات البلدية المنتظرة قريبا.. كما راحت تجري تفاعلات مماثلة داخل المنظمات الفلسطينية الأخرى الرافضة للتسوية كالجبهتين "الشعبية" و"الديمقراطية"!

  • هنا بالذات.. وخلافا لما يبدو معلنا كمصلحة لإسرائيل في نجاح التسوية مع الجانب الفلسطيني وازدهار سلطة الحكم الذاتي ودفع الأكثرية الساحقة من الفلسطينيين للانخراط فيها.. بادرت الأجهزة الإسرائيلية إلى القيام بعملين مضادين تماما، ولا يمكن أن يتوقع من ورائهما أية نتائج غير "خربطة" هذا المناخ وتسميمه واستجرار القوى الإسلامية مجددا إلى دائرة العنف.. هذان العملان هما: اغتيال زعيم حركة "الجهاد الإسلامي" الدكتور فتحي الشقاقي خلال مروره في جزيرة مالطة.. ثم اغتيال المهندس يحيى عياش أبرز قادة "عز الدين القسام" في غزة.

إن التعاطف الشعبي الذي عبرت عنه جنازة "المهندس" في القطاع تشكل دليلا على حجم "النجاح" الذي حققته هاتان العمليتان في تغيير المناخ السلمي الذي شاع على الساحة الفلسطينية بعد الانتخابات.. وهو تغيير في غير صالح العملية السلمية قطعا.. تلك العملية التي كان يفترض بأصحابها في الجانب الإسرائيلي – إذا كانوا حريصين عليها- أن يتمسكوا بمناخ الانفراج المشار إليه ويدعموه ببوادر إيجابية كالإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين ما زالوا يرزحون في السجون الإسرائيلية رغم مرور قرابة الثلاث سنوات على اتفاق "أوسلو"!!

  • لقد اعتقدنا في البداية أن هذه المفارقة المصلحية في الموقف الإسرائيلي، إنما نجمت عن وجود قوى داخل الإدارة السياسية والأمنية في تل أبيب معارضة للمسيرة السلمية مع الجانب الفلسطيني وقد استطاعت هذه القوى أن تستغل عقد الانتقام المستحكمة في النفوس الإسرائيلية (ومن تعبيراتها رفض الإفراج عن أسرى ومعتقلين شاركوا في قتل إسرائيليين في الماضي)..لتمرير القبول بعمليات اغتيال كاللتين استهدفتا الشقاقي وعياش وفيها الكثير مما يدغدغ تلك العقد!!

وفي هذا السياق كان حصول العمليات الانتقامية الانتحارية متوقعا، بغض النظر عن الأمكنة والحجوم والعدد.. فقد توالت خلال أسبوعين بحيث بدا أن حربا طاحنة قد انفجرت وأن أول ضحاياها هو عملية السلام نفسها.

وكاد هذا التلاحق في الأحداث وتتابعها أن يكونا منطقيين، رغم الشكوك التي أحدثها تضارب البيانات الصادرة عن الجهات التي أعلنت مسؤوليتها عن تلك العمليات، وما احتوته من دعوات متناقضة لهدنات مختلفة سواء مع الجانب الإسرائيلي أم مع السلطة الوطنية الفلسطينية.. بما في ذلك وصول قيادات في جناح "حماس" المدني إلى الدعوة علنا لوقف العمليات الانتحارية! غير أن ما أخرج الأحداث عن سياقها "شبه" المنطقي هو تلك الاستجابة "شبه" المدبرة للدعوة التي بنيت على تصاعد العمليات الانتحارية من أجل عقد القمة الدولية في "شرم الشيخ".

فإذا كانت قيادة السلطة الفلسطينية التي رأت في الإجراءات الإسرائيلية بعيد العمليات استكمالا لعملية خنق المسار السلمي الإسرائيلي – الفلسطيني ودعت المجتمع الدولي وفي مقدمته الدول الراعية للعملية من أجل إنقاذها، فإن الأمر سرعان ما خرج عن هذا النطاق عندما التقط الرئيسان المصري والأمريكي الكرة وحولاها إلى دعوة لمؤتمر دولي من أجل مكافحة "الإرهاب"!!

فهل تتم مكافحة "الإرهاب" عن طريق مثل هذه التظاهرة العالمية؟! وما قدرة قمة من هذا النوع على معالجة ظاهرة غير رسمية تقوم بها منظمات سرية ك"حماس" أو "الجهاد الإسلامي"؟!

على العكس تماما.. إن شعور نشيطي "حماس" بأن عملياتهم قد خلقت مثل هذا الاهتمام العالمي سوف يشجعهم ويشجع كل الشبيبة الفلسطينية على القيام بالمزيد، خاصة بعد الإجراءات القمعية الإسرائيلية والعقوبات الجماعية التي سدت في وجوه الشبيبة كل سبل الحياة ولم تترك لهم سوى خيار واحد بين الموت البطيء أو الانتحار المدوي!!

  • على ضوء هذه القراءة نستبعد كل الاستبعاد أن يكون هدف المؤتمر هو القضاء على الظاهرة التي يسمونها "الإرهاب الإسلامي" في فلسطين، وإن كان من غير المستبعد أن يكون ذلك بندا جانبيا على جدول أعمال "شرم الشيخ" تماما كما كان "تحرير" الكويت بندا جانبيا من بنود خطة تدمير العراق وضرب أسس نهضته العسكرية والمدنية الحديثة الأمر الذي ما يزال مستمرا حتى الآن.

لذا بات لزاما علينا البحث عن الهدف الحقيقي الذي قادت الولايات المتحدة بالتنسيق مع النظام المصري وإسرائيل هذا الحشد الدولي من أجل تمريره.

وقد كفانا المسؤولون الأمريكيون عناء هذا البحث فقد سارعوا هم أنفسهم إلى إعطاء الدليل أو الأدلة الكافية المشيرة إلى الهدف.. فمباشرة بعد الإعلان عن الدعوة إلى المؤتمر وقبل صدور أي موقف سلبي أو إيجابي تجاهه عن العاصمة السورية سارع وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر إلى إطلاق تصريح عدائي ضد سورية معلنا عن وجود خلافات أساسية بين الولايات المتحدة وبينها.. وكانت قد سبقت ذلك قبل أيام قليلة من الدعوة ل"شرم الشيخ"مؤشرات أمريكية أخرى أبرزها وثيقتان صدرتا عن وزارة الخارجية:

الأولى حول الدول المتورطة في تجارة المخدرات في العالم. وقد قسمت هذه الدول في تلك الوثيقة إلى نوعين. الأول يستدعي فرض عقوبات عليه، والثاني لا يستدعي ذلك. وقد وضعت سورية في الصنف الأول.

والثانية حول خروقات حقوق الإنسان في لبنان. وفيها عرض تفصيلي للوجود السوري في لبنان وممارساته وتعداد واسع لمخالفاته بما في ذلك مخالفاته لاتفاق "الطائف" نفسه!!

إذا قرأنا هذا التصعيد الأمريكي ضد النظام السوري مع مؤشرات أخرى تتصل بالموضوع وإن كان بأشكال أقل مباشرة، كقطع إسرائيل لمفاوضاتها مع سورية، والحشد الجوي الأمريكي المعلن في الأردن، وتصعيد التنسيق الإسرائيلي- التركي الذي بلغ ذروته بزيارة سليمان ديميريل لإسرائيل قبل توجهه إلى "شرم الشيخ"، لا يعود بمقدورنا تجاهل إمكانية أن تكون ثمة خطة أمريكية-إسرائيلية لتفجير أحداث ما في المنطقة غرضها تحقيق أهداف معينة سواء في سورية أو في ساحات متصلة بها ومؤثرة كالساحة اللبنانية أو العراقية.. وهو ما كنا قد أشرنا إليه في مقال سابق قبل فترة قصيرة، ودعونا النظام السوري للاستعداد لمجابهته عن طريق مبادرات وطنية وقومية تشكل وحدها السبيل المتاح لاستنهاض تعبئة شعبية سورية وعربية كفيلة فعلا بالتصدي وقلب الطاولة والمعادلة على رؤوس أصحابهما.. وهو ما نكرر الدعوة له الآن بعد أن بات الخطر أكثر من داهم.. وقبل ساعات قليلة من فوات الأوان.

ملاحظة الآن بعد 17عاما:

بعد أقل من شهر على نشر هذا المقال قامت إسرائيل بعدوان "عناقيد الغضب" على لبنان!!

كما أن هذا المقال كان التنبيه الأول للانعطاف الانقلابي في إسرائيل ضد التسوية مع الجانب الفلسطيني.. وهو الانعطاف الذي جرى مع اغتيال رابين والشقاقي وعياش وانتهى بحصار عرفات ثم اغتياله.


من كتاب "تدمير سورية" دار نون4-ط1 نيسان 2014.
نُشرت المقالة, للمرة الأولى في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 14-3- 1996