التسلل الانتخابيّ صوب المَقْعَدَين العَلويِّيْن

كتب الشيخ شادي عبده مرعي:
أعرف أن هذا المقال قد يزيد من أعدائي، فقد تعوّدت دوما على الفهم الخاطئ لكلامي ولو بَثَثْتُ فيه الرّوح الصّادقة المخلصة كلّها، ورششتُ على حروفه وبين كلماته كلّ المعاني البليغة والأفكار الرّاقية، سيبقى مهما جهدتُ كلامي مرفوضا دون أن يُقرأ، لمجرد أنّه صدر عنْ نَفَسٍ يعترضُ على شيءٍ أو أشياء كثيرة..
ولكن مع هذا التّوصيف الدّقيق للواقع، عليّ أن أقول كلمتي ثم أمشي، تبرئة لساحتي ..
أمَّا الوقوف على جانب المتسلّلين وخاطرهم، زُوْرَاً: فلم ولن يجدي نفعا.. 
قد يكون مؤلماً أن تقضي حياتك كلّها منتظرا سياسيّا يمتلك مشروعا وطنيّا في زمن قلّت فيه المروءة، وكثرت فيه الأضاليل.. وهذا الألم ربّما تشترك فيه كلّ المكوّنات اللبنانيّة. 
المفجع في مجتمعنا العلويّ المظلوم هو أولئك الفارغون من كلّ شيء، سوى من الصّريخ والعويل والتّقارير والصّفحات الوهميّة، الّذين ولّدوا غصّة كبرى راحت تجتاح قلوب العلويين، وتقتل فيهم كلّ أمل بمستقبل أفضل في هذا الوطن الحزين..
فقد هزلتِ النّيابةُ العلويّةُ حتّى وصلت حدّ القرف منها، وصارتِ الْحلمَ المارونيّ لكلّ علويّ..
وما عدتُ أعرفُ شيئاً أرخصَ من التّرشح النّيابيّ عندنا؟
فكلُّ منِ امتلكَ(10) آلاف دولار، وما فوق نظر في مرآة نفسه فصورته قائدا فذّاً، فسوّق لنفسه بنفسه، حتّى أنَّ المفلسين أنفسهم قُرعت منهم بعض الطّبول..
كما أنّ كلّ مَنْ كتبَ سطرين في السّياسةِ، أوْ حَضَر برنامجاً سِياسيّاً، أو شارك في ندوة: لم تعد تسع نظريّاته الكرة الأرضيّة، وقارعتْ شطحاتُهُ مقاربات ميكافيلي ومفارقاته، حتّى غدت صرعى أمامها.. أمَّا الإقطاع الغائب، فلا زال يرى نفسه أمل الغد الحالم على وقع الخضّات الأمنيّة الّتي لا تتوقف في لبنان، ولن ننسى أولئك المنشقّين عن صفوفه الّذين أكلوا خيره كلّ خيره، ثم صاروا أزلام غيره، ولو عاد  كما كان، لكانوا أوّل المهلّلين.. هؤلاء الانتهازيّون الّذين لم يخجلوا يوما من تاريخهم الفاشل، والمضحك فيهم أنهم صاروا صبيةً صغاراً عند زعماء طرابلس، الّذين نعرف جيدا كيف يسخرون منهم؛ فاستبدلوا إقطاعاً كان يحسن معاملتهم، بإقطاع يعرف كيف يذلهم على عتباته، لكنهم لم يخجلوا بعد..
أمَّا أشدُّ الأُمور إيلاماً في المشهد العلويّ هو غياب تلك الطّاقة المميّزة لتكوين الطّائفة ووجودها
وكلّنا يسأل عن المُميزين العلويّين أين هم؟
هم يشغلون كلّ حيزٍ للصّمت، ويسكنون في عتبات الفراغ، وعلى أعتاب التّرقب..
غابوا عن كلّ حراك: قرفاً أو جبنا، وفتحوا الباب لطلائع المتسلّلين لتصدّر المشهد العلويّ: سياسيّا واجتماعيّا..
عندها وجد بعض الحالمين السّاحة فارغة من كلّ منافسة، فتسلّلوا بكلّ استهتار على ساحة التّرشح المسبق على الانتخابات، من باب أنَّه من سبقَ شمَّ الحبقَ..
 ومبدأ كلّ متسلل ومنطقه السّياسي: أنا أترشح ولا أملك شيئا سوى قرار مفلس، ومن يستطيع منعي من الترشح فليتفضل.. لكنه لا يرى إلاّ نيوبَ الضّباع بارزةً.. 
ولو رحتُ أسوق لكم أسماء المتسلّلين بكلّ شراهة وصفاقة على الانتخابات لذهلتم من هذا الكم الطّافح بالغرور والعنجهيّة واللا مسؤوليّة ..
ولو شاف كلّ متسلّل حردبته، لارتطم بوحلته، وهو يشعر ثم يشعر: لكنه يتابع الغرق في مستنقع الضّحك على نفسه..   
والتّفصيل يطول أمام الهبل وقد يضيع معه؛ إذ يخرج علينا بين الفينة والأخرى من قمقمه كلّ قبيح وهو يلعب بأرنب مكره، على أساس أنّه يسحر العلويّين بفكره..
أمّا المواصفات المطلوبة في كلّ مرشّح فتفرضها الظّروف المستعصية الّتي تعيشها البلاد ويعاني منها العباد،.. ظروف استثنائيّة تتطلّب مرشّحين استثنائيّين، فالوقت ليس وقت ترف فكري ولا سياسيّ.. ووضعنا الأقلّوي يتطلّب وعيا وتحسسا أكثر لمسؤولية ما زالت معدومة..
من هذه المواصفات، أذكر أربع نقاط يجب توفّرها مجتمعة في أيّ مرشّح علويّ لديه حس بالمسؤوليّة:
السّيرة العلميّة الحسنة: وهنا يجب القول بشجاعة: إنّ تجربة العلويّين مع النّواب حاملي الشّهادات كانت مخزية فعلاً، فقد عُدموا شنقا بربطات عنقٍ، من وراء عيون راقصة تلطّت خلف نظّارات خدّاعة، ظنُّوا بها أرقاً من تعبٍ، وخوفاً على مصيرٍ؛ وإذا هي عيون ماكرة تهتزّ طرباً لسخافة من هنا، ونرجسيّة من هناك.. هذا الإحباط العلويّ من أصحاب الشّهادات صار مُستمسكاً خطيراً ضدّ كلّ مثقّف ورائدٍ، بعد أن فضّلوا بالتّجربة أيضاً أولئك النّاشطين والفاعلين في الحقل العام، وهم ربّما لا يجيدون تركيب جملة مفيدة؛ لذلك فإنّ المثقفين الشّجعان لا يُحسدون على وضعهم أبداً.
الوضع المادّي الميسور: فلا الوقت يسمح بدعم مناضلٍ منتوفٍ، ولا النّاس ترضى بالوقوف وراء قضية مهما كانت عادلة وصاحبها لا يستند على قاعدة ماديّة ما، سواء كانت خدماتيّة أم عينيّة..
المشروع النّيابيّ الواقعيّ: الّذي يُستطاع به تعزيز الوجود العلويّ في لبنان عبر تحديد أهداف واضحة قابلة للتطبيق، أهمها:
- بعثُ المجلس الإسلاميّ العلويّ من موته السّريريّ الّذي استطال حتّى جاوز العقدين ليكون عونا في حمل هموم العلويّين، بإعداد هيكليّة جديدة تتناسب مع الواقع المعاصر، ومن ثمّ اجراء انتخابات شاملة تشرك كلّ العائلات العلويّة في مصيرهم المشترك.
الرّوح الدّيمقراطيّة: الّتي لم تُولد بعد في مجتمعنا، على أمل أن نلقى لها أثراً في مولود جديد، يدعم المعارضة الواعية المسؤولة بالممارسة لا بتجييش التّابعين وتصيّد النّاقدين..
هذه الرّوح هي أساس النّجاح مع باقي النّقاط، وانعدامها يسبب فشلاً ولو توفّرت الشّروط الأخرى كاملة.
هذا فيما يخصّ المتسلّلين على السّاحة العلويّة، الّذين نقول لهم: إذا لم تستحِ بالسّياسة فترشّحْ عن العلويين، أمّا بالنسبة لِلّاعبين الّذين اتخذوا من ملعبنا ملهاة، فالخوف كلّ الخوف أن تتحوّل مغامراتهم إلى مأساة، بغياب حكمٍ عادلٍ ذكيّ، يعرف كيفُ يدير لعبة الانتخابات حتى صافرة النهاية. ونختم (نُصحاً) بقول شاعرنا المكزون السّنجاريّ:
وَمَنْ فِي ابْتِداءِ الْعُمْرِ لَمْ يَغْدُ فَاتِحَاً
ثُغُوْرَ الْمَعَالِيْ: لا يُرَامُ لَهُ نَصْرُ
النهار (البيروتية)