نظام تركيا: ديموقراطية موسوليني وعقدة غيفارا و.. البقلاوة!
وسط غبار التفاهم الأميركي ـ الروسي والسعي المحموم لتفريغ انجاز الجيش السوري في حلب والخشية من فخ «هدنة شباط» ثانٍ، يواصل المشهد الداخلي التركي غليانه في كل الاتجاهات.
حملة التطهير الشاملة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا كَسَرت كل الأعراف وتجاوزت كل الحدود. لم يبقَ حجرٌ مشتبه فيه على حجر مشتبه فيه والحبل على الجرار. بالأرقام، ربما يكون تجاوز رقم المطرودين من أعمالهم او الموضوعين في التصرف او الموقوفين قيد التحقيق او المعتقلين في السجون مئتي ألف شخص.
الجميع متهمون بأنهم منتمون او ميالون إلى جماعة فتح الله غولن. آخر المعتقلين قبل أيام هو فاروق غوللي اوغلو، صاحب أشهر محل حلويات البقلاوة في تركيا، والذي كان نتاجه يقدم هدايا للملوك والرؤساء العالميين. كذلك اعتقل شقيقه محمد نجاة غوللي أوغلو. وبعده بيوم، اعتقل صاحب محل آخر شهير للبقلاوة هو مصطفى سيدي أوغلو. والتهمة الأغرب انهم أعضاء في تنظيم إرهابي، أي جماعة غولن.
لن يستطيع رجب طيب أردوغان بعد اليوم ان يأكل من «بقلاوة غوللي اوغلو الممتازة»، لكنه يواصل وبشهية عالية التهام خصومه في مثلث غولن ـ الأتاتوركيين ـ الأكراد.
عقدة المثقفين
كان المثقفون دائماً عقدة نظام حزب «العدالة والتنمية». افتقاره إلى الكوادر الكفوءة جعله يسلم قدره إلى كوادر جماعة غولن منذ العام 2002. اما مثقفو البلاط، المعدودون، فلم يفعلوا سوى أن يقودوا البلاد، بـ«ثقافتهم» الواسعة، إلى مغامرات بائسة أنهت الدور التركي الذي تأسس أعوام 2002-2010 لتكون تركيا معزولة بالكامل عن محيطاتها.
انقلاب 15 تموز 2016 أكد «عقدة الفكر والتفكير» لدى حزب «العدالة والتنمية». كل من كتب بما لا ينسجم مع توجهات هذا الحزب والزعيم الأوحد كان نصيبه تهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية وليس هناك من يحاسب. وإلى العشرات الذين من بينهم نازلي إيليجاق وممتازير توركينيه وأصلي أردوغان وعلي بولاتش وشاهين ألباي ونورية آقمان وغيرهم، جاء الدور قبل أيام على الكاتبَين الكبيرين أحمد ألتان وأخيه البروفسور محمد ألتان.
من اطرف أسباب الاعتقال أن محمد ألتان توقع قبل يوم واحد من الانقلاب في مقابلة تلفزيونية أن يحدث انقلاب عسكري. وكانت التهمة أنه لو لم يكن على علم بالانقلاب لما عبّر عما يختزنه وعيه الباطني من «شيفرات»!.
حتى لو افترضنا أن كل هؤلاء المعتقلين من الكتاب الكبار والصحافيين هم من جماعة فتح الله غولن، وهذا حتماً وقطعاً ليس ذلك، فهذا لا يبرر اعتقالهم لمجرد ميولهم الفكرية. فأن تكون لك ميول فكرية محددة شيء، وان تتوسل العنف اداة لذلك شيء آخر.
لم يعد الأمر مجرد اشتباه بانتماء إلى جماعة غولن. يقول كمال كيليتشدار أوغلو زعيم «حزب الشعب الجمهوري» المعارض إن الأمر تحول إلى حفلة صيد لكل الأتاتوركيين. وتحول الانتقام من مدبري المحاولة الانقلابية إلى سعي لتعديل هيكلية الدولة العلمانية والجمهورية ككل. وهو ما يجعل مراسيم حال الطوارئ تتخطى حدودها لتحل محل دور البرلمان المعني تحديداً بتعديل هيكلية الدولة.
النزوع إلى تعميم القبضة الدينية وتغيير طبيعة الدولة العلمانية عرف كذلك اندفاعة أكبر من قبل. تَحَوَّلَ القصر الرئاسي الجديد في «بش تبه» في أنقرة إلى مكان لإقامة حفلات الذكر الصوفية. وتسمية الأماكن العامة بأسماء السلاطين العثمانيين جارية على قدم وساق. وإلى دخول المحجبات قطاع الشرطة، فإن المناضل العالمي تشي غيفارا تحول إلى «عاصٍ» بنظر رئيس البرلمان اسماعيل قهرمان. أيضاً فإن التهمة جاهزة للمعارضين الأكراد من «حزب العمال الكردستاني» من أنهم يريدون إبعاد الشعب التركي (ومنه ضمناً الكردي) عن دينه وجعله ملحداً وماركسياً. الوسيلة الأسهل للتشهير بـ «الكردستاني» هي انه ماركسي وملحد.
لم تدم روح «يني قابي»، أي المهرجان الجامع الذي شارك فيه الجميع من سلطة ومعارضة في السابع من آب الماضي، أكثر من مدة إقامة المهرجان نفسه. وبعد حفلة التطهير الشاملة، قال كيليتشدار اوغلو إنه «لم يعد ممكناً القول إننا في نظام ديموقراطي»، في استدراك متأخر للاستدراج الذي جرّه إليه اردوغان بعد الانقلاب في التضامن معه لمواجهة غولن. حتى إذا قطع اردوغان شوطاً كبيراً في ذلك، يمّم وجهه شطر العلمانيين والأتاتوركيين والأكراد، من دون ان يدري كيليتشدار اوغلو ما هو فاعله لمواجهة خطر الاستبداد المكشوف.
محمد نور الدين
السفير