إلى العلوي النصيري خارج الولاية او داخلها

ريتا خير بك

عزيزي القارئ العلوي النصيري خارج الولاية او داخلها، قد يكون هذا النص قاسيا على عقلك وقلبك ومسلماتك لذلك يُرجى التعامل معه بحذر، لأن بعض الأوهام تؤلم أكثر حين تُفكَّك مما كانت تؤلم وهي قائمة.
كي نفهم ما يجري في الدريكيش، لا يكفي أن ننظر إلى الدريكيش. علينا أن نسأل عما يجري في ريف حمص. وكي نفهم ريف اللاذقية الشمالي، علينا أن نعرف ما يجري في سهل الغاب. وكي نفهم طرطوس، علينا أن نربطها بجبلة وبالداخل العلوي كله.
لكن السؤال الحقيقي ليس جغرافيا: ما الذي يربط هذه المناطق بعضها ببعض، علويا خارج الخرائط والأسماء والانتماء الموروث؟
الجميع يتوقع من العلويين أن يتصرفوا ككتلة واحدة والعلويين انفسهم ايضا، كأنهم مجتمع متماسك يمتلك ذاكرة سياسية واحدة، ومصلحة جماعية واحدة، وعقلًا جمعيًا قادرًا على الفعل. لكن لا أحد يطرح السؤال الأكثر إزعاجًا: متى تصرف العلويون أصلًا كمجتمع واحد؟
منذ عام 1911م إلى اليوم، متى امتلكوا مشروعا جماعيا مستقلًا؟ متى أنتجوا مفهوما سياسيا عن أنفسهم؟ متى كتبوا تاريخهم بوصفهم جماعة لها أسئلتها ومصالحها وقلقها الوجودي، لا بوصفهم جنودًا في مشروع غيرهم أو هامشًا في كتاب أيديولوجي أكبر منهم؟
أعطوني مفكرا واحدًا من أصول علوية بنى نظرية متماسكة تخص هذا المجتمع نفسه: بنيته، مخاوفه، علاقته بالدولة، مستقبله، نساءه، فقره، جغرافيته، أو حتى حقه في البقاء.
لن تجدوا إلا يساريًا مشغولًا بنيكاراغوا، أو بعثيًا يشرح الأمة العربية، أو قوميًّا يراقب خرائط العالم، أو كاتبًا يستنزف عمره في القضية الفلسطينية، بينما مجتمعه نفسه يعيش بلا تعريف، وبلا تصور، وبلا لغة سياسية تخصه.
العلوي، منذ نشوء ما سُمّي بالدولة السورية، لم يُدرَّب على أن يكون ابن مجتمع؛ دُرِّب على أن يكون ابن الدولة.
قيمته من المؤسسة، وأمنه من المؤسسة، وهويته من المؤسسة، وحتى قدرته على الدفاع عن نفسه كانت مُفوَّضة للمؤسسة.
ولهذا، عندما تنهار الدولة أو تنسحب أو تتخلى عنه، لا يبقى خلفها مجتمع سياسي منظم، بل أفراد مذعورون ومناطق متباعدة وذاكرة عاجزة عن تحويل الألم إلى فعل.
والدليل ليس نظريًا.
عندما وضع جيش الإسلام النساء العلويات في أقفاص حديدية في دوما، وعرضهن في الشوارع كدروع بشرية، ماذا فعل العلويون بوصفهم جماعة، لا بوصفهم جنودًا في جيش أو موظفين في دولة؟
ماذا فعلوا حين جرى تحويل النساء إلى مشهد إذلال علني، وإلى رسالة سياسية تقول إن جسد المرأة العلوية قابل للأسر والعرض والمساومة؟
ماذا فعلوا بعدما انتهى مصير كثيرات منهن إلى الغياب والموت؟
لا شيء.
لم تتشكل مؤسسة علوية مستقلة لملاحقة مصيرهن.
لم تنشأ ذاكرة جماعية تحفظ أسماءهن.
لم يتحول القفص إلى رمز دائم للعار السياسي.
لم يُكتب تاريخهن كما يجب.
لم يُبنَ حول قضيتهن وعيٌ عام يقول إن المرأة العلوية ليست تفصيلًا في الحرب، ولا ملحقًا بالدولة، ولا غنيمة يستطيع الجميع نسيانها بعد انتهاء نشرات الأخبار.
كأن وضع النساء في الأقفاص كان حادثًا عابرًا، لا لحظة تكشف انهيار مجتمع كامل أمام امتحان وجودي.
والأمر نفسه حدث عندما خُطفت النساء وسُبين من ريف اللاذقية في ما سُمّي «غزوة أم المؤمنين»، وقبلها في اشتبرق وغيرها. مرّت الكارثة، وابتلعها الصمت، لأن الجماعة التي لا تنتج وعيًا بنفسها لا تعرف كيف تحوّل الضحية إلى قضية، ولا المأساة إلى ذاكرة، ولا الخوف إلى مشروع حماية.
لهذا لا نستطيع اليوم أن نطالب بشيء غير موجود.
لا يمكن أن نطالب «المجتمع العلوي» بأن يتصرف كجسد واحد، بينما هو تاريخيًا لم يتعلم أن يرى نفسه جسدًا واحدًا أصلًا. لا يمكن أن نطلب منه تضامنًا سياسيًا لم يُنتجه، ولا نخبة لم يبنها، ولا قيادة فكرية لم يسمح لنفسه بتكوينها.
ما يوجد هو جزر مناطقية، وعائلات ومشايخ و اولاد مشايخ ، وولاءات محلية، ومصالح صغيرة، وخوف متفرق، وذاكرة تتجزأ قبل أن تتحول إلى موقف.
ولهذا تصبح المناطقية السلاح الأسهل في يد أي سلطة.
السلطة الجولانية لا تخترع الانقسام، بل تستثمره. لا تخلق العجز العلوي من الصفر، بل تدخل من شقوقه القديمة، وتوسّعها، وتحوّلها إلى نظام إدارة وسيطرة.
الدريكيش تُفصل نفسيًا عن ريف حمص. طرطوس تُفصل عن الغاب. جبلة تُفصل عن ريف اللاذقية الشمالي .
القرية التي ما زالت تقيم مهرجانا يُقال لها إن الحياة طبيعية، بينما قرية أخرى لا يستطيع أهلها الوصول إلى أراضيهم، لأن من يخرج قد يُقتل، ومن يبقى قد يموت جوعًا.
وهكذا تُدار الجماعة لا بوصفها جماعة، بل بوصفها مناطق متنافرة: يُمنح جزء منها قدرا من الهدوء كي ينكر كارثة الجزء الآخر، ويُترك جزء آخر للموت كي يتعلم الباقون الطاعة.
المأساة أن هذا الأسلوب ينجح، لأن الوعي العلوي لم يتشكل يوما كوعي اجتماعي مستقل، بل كملحق بالدولة، وكظل للمؤسسة، وكهوية لا تستيقظ إلا بعد وقوع المجزرة، ثم تعود إلى نومها عندما ينجو الحي المجاور.
المشكلة إذن ليست أن العلويين «غير متجانسين». كل المجتمعات غير متجانسة.
المشكلة أنهم لم ينتجوا حتى الآن إطارًا فكريًا وسياسيًا يسمح لاختلافهم بأن يتحول إلى تعدد داخل جماعة، بدل أن يبقى تشظّيًا بين مناطق خائفة لا تعرف بعضها إلا عند الجنازات.
وما لم يُبنَ هذا الوعي، ستبقى المرأة العلوية تُخطف وتسبى في مكان، ويُقام مهرجان في مكان آخر. وسيُقتل الفلاح وهو ذاهب إلى أرضه، بينما يطمئن آخر نفسه بأن منطقته هادئة. وسيُترك كل جزء يواجه مصيره منفردًا، ثم يتساءل الجميع، بعد كل كارثة: لماذا لم يتحرك العلويون؟
لأن العلويين، ببساطة مؤلمة، لم يتحولوا بعد من سكان متجاورين يحملون الخوف نفسه، إلى مجتمع يعرف أن جرح المرأة في دوما يوما ما كان هو جرحه، وأن جوع ريف حمص هو جوعه، وأن الخوف في الغاب ليس خبرا قادمًا من منطقة بعيدة، بل إنذارا يصل إليه متأخرًا.
ومن لا يفهم أن الأقفاص التي وُضعت فيها النساء كانت أقفاصًا لوعيه السياسي أيضا، سيبقى ينتظر دوره داخل القفص، وهو مقتنع أن الكارثة ما زالت في القرية المجاورة.