أبو يوسف الشهم، بشوش الوجه وفيه كل ملامح الطيبة والرجولة.. "حدث في إدلب"

أبو يوسف معروف في مدينة ادلب بلقب الشهم.. هو من الأقلية المسيحية التي تقطن المدينة.. طويل القامة، في الستين من العمر، بشوش الوجه و فيه كل ملامح الطيبة و الرجولة.. هو مختار الحي الذي نسكن فيه، وقد أبى السكان المسلمون أن يقبلوا بديلا له في هذا المنصب.. حيث كان محط احترام الجميع.. ينادي الكل بكلمة "أخي".. ويناديه الكل بلقب "العم".

عائلته شبه دائم في منزلنا بحكم العلاقة القوية بيننا.. واحيانا نكون ضيوفهم.. حيث بيننا وبينهم زقاق لا يتجاوز عرضه الثلاثة امتار.

كانت المدينة تخضع لحصار مطبق من قبل الارهابيين منذ الشهر الخامس عام 2013 الكهرباء شبه مقطوعة بشكل دائم المياه مقطوعة.. المواد الغذائية شبه مفقودة.

كنا نقطن في منزل عربي.. نستخدم البئر الذي تجمعت فيه مياه الشتاء الماضي في الاستحمام والغسيل.. ونشتري مياه الشرب بالنقود.. نتقاسم وبيت أبي يوسف ما يتوفر لدينا من رز وعدس وزيت وغيرها.

معظم وجباتنا اليومية من البطاطا المسلوقة والبصل اليابس.. هذا هو المتوفر في السوق.. احيانا تتوفر بعض البندورة.

صباح كل يوم اذهب الى فرن المدينة المركزي لشراء الخبز.. كان هذا بحد ذاته مغامرة.. فغالبا ما يستهدف المسلحون الفرن بالقذائف عند اصطفاف الناس للحصول على قوت يومهم.. من الممكن وقوع بعضاً من الشهداء او الجرحى.. يهب الهلال الأحمر للمساعدة.. أما الناس فلا يغادرون دورهم مخافة فقدان فرصة الحصول على الخبز.. يكتفون بالحزن واليأس ومراقبة الاشلاء والدماء.. يفكر البعض في المغادرة خوفاً من القذيفة التالية "لكن لا أحد يفعل" فقدان الحياة ليس أصعب من فقدان الخبز.

أحيانا كنت اشعر بالكسل للوصول إلى الفرن وانتظار الدور.. فأغير جهة سيري الى ساحة الساعة.. هناك يجلس الرجل الطيب ابو احمد على كرسي خشبي ويضع امامه بعض ربطات الخبز يبيعها ليستطيع العيش.. اسلم عليه و اسأله عن احواله.. وربما اشرب معه القهوة.. ثم اشتري ربطتين من الخبز وأغادر.

بداية شهر رمضان في ذات العام بدأ المسلحون حملة قصف عنيف على الأحياء السكنية في المدينة.. كنا نصوم في النهار ونجلس عند الغروب منتظرين أذان المغرب لتناول البطاطا والبصل.. و مع أول الاذان يطلق المجاهدون رشقات عنيفة من قذائف الهاون.. و ينشرون على صفحاتهم أنهم قد ارسلو وجبة افطار من الزقوم إلى شبيحة النظام من اطفال و نساء.

يتناول اطفالي الطعام بهدوء و صمت و خوف.. وعند سقوط قذيفة قريبة ابتسم لهم للشد من عزمهم و اؤكد لهم أن الشظايا لن تستطيع اختراق النوافذ بعد أن قمنا أنا وزوجتي بوضع الكثير من الأثاث خلفها.. الحقيقة أنني لست أقل توترا من الأولاد.

بعد الإفطار تأتي عائلة أبي يوسف، هو يلعب الشطرنج مع ابني ذو السنوات الخمس، وزوجته وابنتيه الشابتين يتبادلون الحديث مع زوجتي، وانا اتابع بعض الحديث مع الجميع.

في اليوم التالي اذهب الى عملي في مكتب التجمعات الأثرية.. تبدأ حفلة القذائف في اي وقت، وخلالها يبدأ يصلنا صوت سيارات الاسعاف.

ذات يوم.. كنت اجلس في مكتبي عندما اخترقت النافذة قذيفة وسقطت على بعد مترين مني دون ان تنفجر.. كان طولها ثمانون سنتيمتر سوداء لامعة شديدة السخونة.. كاد حرها يلفح وجهي عندما اقتربت منها لأتفحصها.. طلبت من الموظفين والموظفات مغادرة المبنى والعودة بحذر الى منازلهم و اتصلت بقيادة الجيش.. طلبوا مني مغادرة المكان ريثما يصل خبير المتفجرات.

اتصلت بزوجتي فقالت إنها تحول العودة من السوق الى المنزل.. لكن الاشلاء والجثث تملأ الطرقات.. القذائف تسبق خطوات المرء أو تتأخر عنها ببضع ثوان فتفصل بين مصير من يعيش و مصير من يموت.

اتجهت الى ساحة الساعة لأشتري الخبز من الرجل الطيب ابو احمد.. قبيل وصولي إليه فكرت في داخلي بأن الرجل لا بد وأنه غادر الساحة بسبب كثافة القصف.. لكنني وقبل انعطافي من الزقاق الضيق الى حيث يجلس.. لمحت يده تتكئ على مسند كرسيه الخشبي... ما أعند هذا الرجل !؟

وصلت اليه يا للهول كيف تحملت؟.. كان أبو احمد يجلس على الكرسي بهدوء تام.. لكن دون رأس.. الشظايا قد قطعت رأسه بلمح البصر.. نظرت حولي.. رأيت الرأس على بعد أمتار، ذهبت اليه وحملته لأعيده لصاحبه.. لكن احد الجنود طلب مني المغادرة على وجه السرعة بسبب خطورة الوضع.. قال لي: "عد إلى منزلك نحن نجمع الاشلاء".

في المنزل وجدت النواح و العويل يعم المكان.. ام يوسف اخبرتني ان المختار استشهد، وابنته الكبرى قالت: "أنه قتل خلال مشاركته في اعمال الانقاذ لتلاميذ إحدى المدارس المجاورة".. التي سقطت عليها عشرات القذائف لحظة مغادرة الطلاب.. هرعت الى المدرسة، كان الجيش وسيارات الاسعاف يجلون الشهداء والجرحى.. فتشت في شاحنتين مليئتين بالجثث فلم أجده.. توجهت الى المشفى الوطني.. كانت الفوضى و العويل يعمان المكان .

الاطباء والممرضون يحاولون تنظيم الوضع ما أمكن.. و العوائل تبحث عن مفقوديها بين الجثث والجرحى.. فوضى و رعب بلا حدود.

قتل في هذا الصباح تسعة واربعون شخصا.. معظمهم من الأطفال وهم يغادرون المدارس.

ذهبت إلى احدى الطبيبات وسألتها اين يضعون القتلى؟ اشارت لي إلى قاعة مجاورة.. فتحت الباب، كانت القاعة كبيرة فيها عدد من الممرضين يقومون بجمع الاشلاء وضمها الى اصحابها.. معظم الجثامين مغطاة بالشراشف الملطخة بالدماء.. في إحدى الزوايا "كومة أحشاء" لأشخاص تعذر معرفة هوياتهم فتم جمعها على نحو عشوائي.

رائحة الدم وأدوية التعقيم تزكم الانوف.. في طريقي لتفقد الجثث أسقطت ذراع أحدهم من على طاولة، كانت ذراع امرأة مبتورة من بعد الكوع.

في اقصى القاعة رأيته هناك..عرفته من طول قامته، كان مغطى بشرشف ابيض تحول لونه الى الاحمر القاني، سرت إليه بهدوء، كشفت الغطاء عن وجهه بدا لي نائما، و ليس ميتا، كانت السكينة تغمره تماما، على فمه ابتسامة  دلت على سلام داخلي أبدي.

نظرت الى يمينه فوجدت قدميه وقد وضعتا الى جانبه، كانتا مبتورتين من عند الركبه رغم ذلك  تقفان بشموخ كما كانتا في حياته.

تناولت شرشفا من علاقة مجاورة و غطيت القدمين، ثم غادرت المشفى بخطوات بطيئة دون مبالاة ولا حذر، وقد تلاشت في مسمعي اصوات القذائف و في عيوني مشاهد الاشلاء.

 محمد عثمان  Facebook