المرونة النفسية: حاجة ملحة وليست ترفاً وبذخاً!

زينة حسن- فينكس

ترتدي أجمل ما لديها من ثياب وتستخدم ألطف ما لديها من روائح العطور، وترسم على وجهها أجمل ابتسامة وأكثرها براءة وتصميم، ومن ثم تنطلق لخوض الحياة بكل ما تحمله لها من إيجابيات وعثرات، من مفاجآت وخيبات، من مزايا وصعوبات. نعم، على الرغم من صدمتها الكبيرة ليلة أمس، وعلى الرغم من مقدار الدموع الكبير الذي ذرفته على وسادتها، وبالإضافة إلى سيل الأفكار السلبية المتدفق الذي سيطر عليها، إلَّا أنَّها استيقظت بإرادة قوية ولم تعطِ المجال لأفكار مثل "لا يوجد ما يستحق الاستيقاظ لأجله "يوم جديد وخيبة جديدة" للاستقرار في كيانها وعقلها. لقد أحسنت التعبير عن مشاعرها دون أن تسمح لها بتحطيم فؤادها، إنَّها مثال حي للمرونة النفسية.

لماذا نحتاج إلى المرونة النفسية؟

تعد المرونة النفسية اليوم مهارة أساسية للاستمرار في الحياة، ففي وسط كل تحديات الحياة واختباراتها؛ تبدو المرونة النفسية هي الخيار الأفضل والاستراتيجية الأنجح للبقاء في حالة من التوازن النفسي.

هل الجميع قادر أن يتمتع بالمرونة النفسية؟

نعم، بإمكان كل إنسان التدرب على هذه المهارة. لكنها تتطلب النظر إلى الأمور من وجهة نظر مختلفة، كما تحتاج إلى قدر كبير من الوعي والإدراك.

ما هي مفاتيح المرونة النفسية؟

المفتاح الأول من مفاتيح المرونة النفسية هو تقبل فلسفة الحياة من دون تذمر أو رفض. أي تقبل كون الحياة مزيج من الجمال والصعوبة، من الخير والشر، من البراءة والخبث، من السلبي والإيجابي.

لن يستطيع الاستمرار في الحياة كل من يتوقع أنَّ الحياة لها وجه واحد وردي دوماً. وبالمقابل سيُحسِن كل مَن يعترف بطبيعة الحياة وماهيتها المتقلبة التعامل مع كل طارئ في حياته.

أمَّا المفتاح الثاني من مفاتيح المرونة النفسية هو النظر إلى الألم من وجهة نظر مختلفة، فالألم لم يكن يوماً طريقة لتطهير الذنوب والآثام كما يعتقد بعض البشر، بل هو طريقة رائعة لكي تعيد ترتيب حياتك وأولوياتك وإعطاء الأشياء حقها تقديراً واهتماماً. فإن نشأت في بيئة فقيرة أو إن تعرضت لفقدان أحد أبويك في عمر صغير، فقد تكون تجربة الألم تلك أكبر دافع لك لكي تتعلم الاستقلالية وتبني لك أهدافاً قوية. تصقل الأحداث القاسية التي تمر بها شخصيتك، وتبني لديك مهارة الامتنان إلى أدق تفاصيل الحياة، أي الامتنان لوجود أشخاص محبين وصادقين في حياتك، أو وجود طفل سليم ومعافى في عائلتك، أو وجود مشاعر من الدفء والرضا في حياتك.

المفتاح الثالث من مفاتيح المرونة النفسية هي أن تبني لك رسالة في الحياة، بحيث يكون لك سبب وجيه للاستيقاظ كل يوم والسعي في الحياة، وبحيث يكون لديك الحافز القوي للتصدي إلى كل عوائق الحياة وصعوباتها ومفاجآتها.

المفتاح الرابع من مفاتيح المرونة النفسية هو تطوير الذات. فإن لم تستطع تغيير الواقع، فعليك إذاً تغيير نفسك للتأقلم والتكيف مع الواقع. فأنت لا تستطيع تغيير صفة الأنانية التي يتصف فيها صديقك على سبيل المثال، ولكنك تستطيع تغيير نظرتك عنها، كما تستطيع العمل على ذاتك بحيث تعطي ذاتك حقها ولا تنتظر قيمتك من أحد، فلا تعود تنتظر مقابل العطاء الذي تقدمه لصديقك، لأنَّك ببساطة تعلم أنَّه غير قادر على القيام بالعطاء، وأنَّه أضعف من أن يُعطِي ويُنفِق الاهتمام.

المفتاح الخامس من مفاتيح المرونة النفسية هو تقبل الأخطاء. إن ارتكاب الأخطاء طبيعة فطرية لدى جميع البشر، ولا يستقيم إنسان ولا تُصقَل شخصيته إلَّا من خلال التعلم من الأخطاء، لذلك على الإنسان الابتعاد عن طلب الكمال، كما عليه عدم تبني سياسة جلد الذات المستمر، أو التركيز على السلبيات مع إنكار الإيجابيات.

المفتاح السادس من مفاتيح المرونة النفسية هو تبني سياسة "لعله خير"، وهي سياسة تهدف إلى رؤية الجانب الإيجابي من كل شيء في الحياة، وعدم التسرع في الحكم على ظاهر الأمور، على سبيل المثال: يتبنَّى فلاح سياسة "لعله خير" ففي يوم من الأيام أُصيب ابنه إصابة بالغة في قدمه اليمنى وكان عليه الاستراحة لمدة عدة أشهر، وعندما بدأ الأقرباء ببث الطاقة السلبية وإشعار والده بفداحة الأمر، قال الأب بكامل الثقة والاطمئنان "لعلَّه خير"، طرأت بعد فترة قصيرة من الزمن تغييرات على الصعيد الأمني في البلاد ونشبت حرب طاحنة وتم الاعتداء على أركان الدولة وتم استدعاء جميع شباب القرية التي يقيم بها الفلاح لخدمة المصلحة العامة إلَّا أنَّه لم يتم استدعاء ابن الفلاح نظراً لظرفه الصحي. ومن هنا نستنتج أنَّه مهما كان الحدث سلبياً في ظاهره فقد يحمل كل الإيجابية في خفاياه دون أن ندري ذلك.

المفتاح السابع من مفاتيح المرونة النفسية هو اعتناق التغيير، فدوام الحال من المحال، فلن يستمر الحدث السلبي إلى ما لانهاية، وتأكد أنَّ الحياة تحمل الكثير من الحيوية والتجدد والمفاجآت والتغيير.

لا تحزن على شيء، ولا تبالغ في ردة فعلك أمام أي حدث يطرأ في حياتك، فلا يوجد ما يستحق أن تهدر طاقتك وصحتك وإيجابيّاَتك في سبيله وتذكر دوماً أنَّ الكون كله مصنوع لأجلك ولكن لا تنسَ بالمقابل أنَّك عبارة عن تراب ورماد، فلا تتكبر ولا تكن قاسياً، بل تعلم المرونة مع ذاتك والآخر. وامتن لكل ما هو بين يديك، ولا تطلب المزيد قبل الاستمتاع بما هو متاح لك.