د. حبيب ابراهيم: مهارات من الطفولة

 أعتقد أن الحي و(رفاق السوء) هم أكثر الاشخاص فضلا علينا في طفولتنا، فمنهم اكتسبنا معظم الخبرات التي ندين لها بمعظم نجاحاتنا ( إن وجدت)، لأن الرفيق (الحباب) لا يعلمك سوى الطاعة والأدب السلبي، وحتى الخمول والكسل، ويكون في غالب الأحيان عالة عليك، بينما يملك الشقي كل المهارات.
في طفولتنا كنا دائمي الشجار والتحزّب ليس فقط في كرة القدم، وإنما في كل شيء ودائما يفوز (الأكثر شقاوة) بالشعبية والسمعة السلبية والإصابات، ويخسر غالبا بالمكسب المادي.
أذكر أننا في حينا الدمشقي كنا مصنفون ما بين آدمي وشقي وأزعر، وفي كل مشكلة كانت توزّع التهم علينا غيابيا دون التحقق من التفاصيل، الملامون دائما هم الأشقياء فالأوادم محصنون، والزعران لا يجرؤ أحد على اتهامهم.
في إحدى قصص شقاوة الطفولة.. كان في حينا صبي لديه متلازمة داون (منغولي.. مع الاحترام لكل صاحب إصابة) لكن على الخفيف، وطبعا في بيئة دمشق لم يكن الأمر معيبا للأهل، لكن بالطبع لم يكن بإمكان الشخص المصاب بهذا المرض أن يذهب إلى المدرسة، أو أن يعيش بشكل طبيعي، وكان على الأهل أن يقوموا بتدريبه على متاعب الحياة، فكان صديقنا مأمون محظوظا بأن يصبح تاجرا صغيرا، فقد أمّن له أهله بسطة صغيرة يبيع عليها بعض المواد البسيطة برأسمال بسيط و كان يبيع بعض أنواع السكاكر والبندق وأكياس صغيرة من القضامة و القضامة السكرية، بحيث تكون وحدة البيع والشراء هي الربع ليرة فقط، فمأمون تعود عليها ولا يقبل سواها ولا يبيع إلا بقيمتها إما أكياسا أو عددا محددا من الحبات.
أحد الزعران من رفاقنا اعتاد أن يطلب منا يوميا جلب الأرباع من أهالينا لنشتري من عند مأمون فكان الأوادم أقدر من الآخرين على الحصول على الربع من الأهل ، بينما الاشقياء يفشلون لأنهم ينفقون أرباعهم بأسرع مما يرصد الأهل.. أما الزعران فهم يعملون (بالكريديت كارد) منذ ذلك الوقت، تجتمع الأرباع ويذهب الشقي إلى مأمون فيعطيه ربع ليرة أحد الأوادم ليحصل على خمس حبات من البندق أو خمس سكاكر ويقف الآدمي الآخر إلى جواره ويعطيه ربعا آخر ليحصل على كيس من القضامة السكرية أو كيسين من القضامة العادية، يرتبك مأمون بالحساب لوجود زبونين في آن واحد فيأتي الأزعر ويتدخل للمساعدة فيغش ويخدع الدرويش مأمون ليحصل على حبتين بندق وكيس من القضامة العادية مجانا، بينما يقتسم الشقي وآدميين خمس حبات من البندق وكيس من القضامة السكرية.
ومع أن أهل مأمون متأهبون دائما في برج المراقبة ويرون كل ما يحدث إلا أنهم لا يتدخلون ويمضي الجميع بكامل الرضى والسرور.
كنت أتساءل وأنا الشقي كيف رضي الجميع بهذه المسرحية الظالمة.. فأحسبها أنا بطريقتي.. بأن الآدمي خسر جزء من مشترياته لصالح الشقي، وأن الشقي قبل بأن يكون نصابا صغيرا ليحصل على بضع حبات من البندق، بينما صار الأزعر بلطجيا على مستوى طفولي ،وبقي مأمون ضحية غفلته ومرضه، أما أهل مأمون فهم مصابون بابنهم وبرفقة السوء حوله التي تسبب لهم خسارة في تجارتهم.
لكن بعد حين اكتشفت أن طريقتي في الحساب ليست صحيحة، فالكل في القصة رابح... إلا ذلك الشقي.
الآدمي و أهله مطمئنون  أنهم سيحصلون على شيء مقابل الربع ليرة، وهذا الشيء مهما كان ناقصا فهو أفضل من ضياعها من يد الصبي، والأزعر يقتات على بلطجته فهو على الأرجح لا أرباع لديه، والشقي يكسب ليطعم غيره فهو غالبا لن يأخذ لنفسه شيئا ليس له وإنما يكسب ليهب، أما مأمون فهو يعمل رغم إعاقته ويتسلى ويمرح مع الأصدقاء وهو بأمان قرب منزله بعد أن حسب أهله حسابات تجارتهم جيدا وتأكدوا أنه رغم ما يحصل عليه الأزعر مجانا إلا أنهم مازالوا يكسبون، كون القيمة المربحة للربع ليرة هي عشر حبات بندق وكيسين من القضامة السكرية أو أربع أكياس من القضامة العادية وبالعكس فإن الأزعر ينشّط بسلوكه هذا تجارة ابنهم المصاب لأن الآخرين يعتقدون أنهم الأذكى..
اليوم نرى معظم أولائك الآوادم متفوقين دراسيا ولازالوا يحصلون على الأرباع و يعتمدون في معيشتهم على أزعر هنا وشقي هناك، أما الزعران فما زالوا منبوذين رغم أنهم محرك اقتصاد المجتمع، ونرى الأشقياء للآن يستخدمون مهاراتهم لتسيير أمور الغير وقد تكون أمورهم غير ميسّرة، أما مأمون فربما أصبح رجل أعمال أو مسؤولا كبيرا... يفخر أهله دائما بأنهم لم ينجبوا أولادا أصحاء.