حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت

د. غسّان القيم

حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت.. عن وجهُ امرأةٍ يروي سِرَّ أربعةِ آلافِ عام غبرت..
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
في مدينة أوغاريت.. حيثُ كانت الريحُ تحفظ أسماء الآلهة وتُرتِّل الموجاتُ على شاطئها أناشيد الخلود.. وُلد هذا الإناء لا كوعاءٍ للطين بل كمرآةٍ لروح إنسانٍ أدرك سرّ الجمال منذ أربعة آلاف عام.
أنظر إلى ذلك الوجه المنحوت ليس مجردَ ملامح امرأة بل صلاةٌ صامتة ارتفعت من بين أصابع فنانٍ أوغاريتي كان يعرف أن الطين ليس مادةً جامدة بل ذاكرةٌ حيّة. عينان واسعتان كأنهما تريان ما وراء الزمن وشفاهٌ نصف مبتسمة تحمل سرّاً لم يُفصح عنه بعد.
أما العنق الطويل فيرتفع كعمود معبدٍ صغير يصل الأرض بالسماء كما كانت تفعل أوغاريت في ذروة مجدها.
هذا الإناء لم يُنحت ليُستعمل فقط
بل ليُرى ليُحسّ.
ليُهمَس له.
كان جزءاً من حياة يومية تتداخل فيها القداسة بالجمال حيث لا فرق بين الفن والعبادة.. ولا بين المرأة والألوهة.
ربما كانت هذه الملامح انعكاساً للربة أو لامرأةٍ أحبّها الفنان
أو لوجهٍ حلم به في لحظة صفاء لكن الأكيد أنها ليست وجهاً عابراً.
في ثلاثينيات القرن الماضي حين أزيح التراب عن هذا الكنز لم يكن الاكتشاف مجرد حدثٍ أثري بل لقاءٌ بين زمنين:
زمنٍ قديمٍ لم يمت وزمنٍ حديثٍ يبحث عن جذوره.
ومنذ ذلك الحين استقر هذا الإناء في متحف اللوفر… بعيداً عن شاطئه الأول كغريبةٍ تحمل وطنها في ملامحها.
ومع ذلك.. لم تنفصل أوغاريت عنه.
فكلُّ خطٍّ فيه كلُّ انحناءة
كلُّ نظرةٍ صامتة.. ما تزال تنبض برائحة البحر السوري وبصوت القيثارات الأولى وبأنفاس حضارةٍ كانت تعرف أن الجمال ليس ترفاً.
بل ضرورة للوجود.
هذا الإناء ليس قطعةً أثرية فحسب
بل شاهدٌ حيٌّ على أن الإنسان الأوغاريتي لم يكن فقط زارعاً وكاتباً، بل كان أيضاً شاعراً ينحت قصائده في الطين
ويتركها لتبقى حين يرحل كلُّ شيء.
******
على رقيمٍ غُسل بماء اللازورد وجُفف بشمس "شاباش" وهي تصعد من خلف جبل "صفون" نُقشت هذه الأسطورة التي لا تموت حيث الحقيقة أقدم من السحاب:
​​لم يكن "يم" (إله البحر) يوماً حانقاً
ولم تكن أمواجه سوى زفير الأرض وهي تستريح.
كان البحرُ مرآةً صقيلة لا تطلب من المراكب ثمناً للعبور
ولا تسأل السمك عن وجهته.
​لكن الإنسان ذلك المخلوق الذي جُبل من طين الشاطئ ونسمة التيه
هو الذي وقف أمام المدّ وقال:
"أنا ابنُ النور وسليلُ الأزل".
​ لقد توهم الإنسان أن في عروقه تجري دماء "بعل" الصاعقة فبدأ يرسم حدوداً على الماء الذي لا يُحد
ويضع أقفالاً على الريح التي لا تُسجن.
​ حين رأى الإنسان ظله عملاقاً على رمال أوغاريت عند الغروب ظنّ أنه يطاول القمم، فنسي أن الظلّ ابنُ العتمة وأن الطين يعود يوماً للأرض.
​تقول الأسطورة الأوغاريتية القديمة:
​"إنّ البحر يتقلب لأنه حيّ أما الإنسان فيتقلب لأنه خائف يدّعي الألوهية ليغطي عري ضعفه ويخلق الحروب ليثبت لنفسه أنه سيد القدر.
بينما الموجة الواحدة قادرة على محو اسمه من سجلات الرمل."
​​يا ابن الطين الدافئ انظر إلى الأفق:
البحر لا يغضب
هو فقط مستمر في كينونته
أما أنت فبدلاً من أن تدّعي سلالة الآلهة
كن إنساناً بحق.
فالآلهة في أوغاريت لم تكن تطلب القرابين المذبوحة .
بل كانت تطلب قلوباً تتسع باتساع المدى وأرواحاً لا تثقلها ادعاءات الزيف.
​إنّ مجدك الحقيقي ليس في أن تكون "إلهاً" فوق البشر
بل في أن تكون "نوراً" يضيء عتمة أخيك قبل أن يبتلع اليمُّ شمس النهار.
إذا اضطربتَ
اضطربتُ في عينيك
وإذا سكنتَ عدتُ كما كنت:
مهدَ البدايات.. لا مقبرة النهايات.
في معابد الفجر الأوغاريتية
كانت الأساطير تُروى لا لتُؤلّه الإنسان
بل لتُذكّره بحدوده
أن الآلهة لم تخلق غروره
بل خلقته من نورٍ وانكسار
من طينٍ ومطر
من ضعفٍ يجعل الرحمة ممكنة.
فاهدأ
ولا تدّعِ ما ليس فيك
ولا تنسب للبحر ما في صدرك.
كن كما خُلقت أول مرة:
خفيفاً كنسمةٍ عبرت بين موجتين
وصادقاً كطينٍ دافئ
ما زال يحتفظ بأثر اليد الأولى
حين لم يكن الإنسان إلهاً
بل حكايةً تبحث عن معنى.