قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
د. غسّان القيّم
في تلك الحاضرة السورية الضاربة في جذور الزمن لم يكن الفكر مجرد ترفٍ ذهني بل كان سلوكاً وجودياً. حين صاغ الأوغاريتي عبارته: "مخافة الإله دليل على نهاية الشموخ" لم يكن يتحدث عن خوف الارتجاف.. بل عن "خوف التجلّة" تلك اللحظة التي يدرك فيها الكائن البشري أن عظمته الحقيقية "شموخه" لا تكتمل إلا حين ينحني أمام سر الوجود الأعظم.
ثمة فرق جوهري التقطته بين الحكمة الأوغاريتية والحكمة المعاصرة..
في أوغاريت المصدر النفسي: كانت الحكمة تفيض من "القلب" ومن إدراك الفطرة. الشموخ هنا ليس كبرياءً فارغاً.. بل هو اكتمال الشخصية الإنسانية التي تعرف حدودها أمام الألوهية.
فـ "نهاية الشموخ" هي ذروته وهي النقطة التي يتحول فيها الاعتزاز بالذات إلى تواضعٍ مثمر.
في الحاضر المصدر العقلاني: أصبحت "رأس الحكمة" قاعدة أخلاقية ومنطقاً تنظيمياً للحياة.
العقل هنا يحلل النتائج بينما في أوغاريت كانت النفس تعيش التجربة.
إنّ ما نسميه "نضوج الحضارة النفسية" هو السمة الأبرز لأجدادنا في الساحل السوري. فقبل أن تُقنن القوانين وتوضع الدساتير الجافة كان الأوغاريتي يمتلك "دستوراً داخلياً". هذا الرقي النفسي هو الذي جعل من أوغاريت منارةً لم تصدر الأبجدية فحسب بل صدرت الأخلاق الدبلوماسية والتراتيل الموسيقية و العدالة الاجتماعية.
حين ترتبط المخافة بالشموخ نجد أنفسنا أمام إنسان متوازن.. إنسان لا ينكسر للظلم لأنه شامخ، ولكنه لا يطغى في الأرض لأنه يخاف الإله. هذا التوازن هو الذي بنى القصور
وزرع الكروم
ونظم الملاحم
وترك لنا إرثاً لا يزال ينبض بالحياة رغم مرور آلاف السنين.
لقد أثبت إنسان أوغاريت من ارثه العظيم أن "المنطق" لم يكن يوماً غريباً عن "العاطفة" بل إن أرقى درجات العقل هي تلك التي تُبنى على نبل النفس.
إننا لا نقرأ نصاً قديماً، بل نستعيد هويةً نفسية كانت ترى في التقوى قمة المجد الإنساني.
إن تسجيلنا لهذا الرقي النفسي لأهل أوغاريت ليس مجرد احتفاء بالماضي بل هو اعتراف بأن الإنسان القديم كان يملك وعيًا عميقًا بالذات والمجتمع ودرسًا لنا في أن الشموخ الحقيقي لا يُقاس بالقوة أو بالمظاهر، بل بالتوازن بين الخوف والتقدير بين الاحترام والتواضع بين الروح والعقل.
هكذا، تظل أوغاريت بأهلها وحكمتها مرجعًا حيًّا لعظمة النفس البشرية ودليلًا على أن الشموخ الحقيقي يبدأ بمخافة الله وبالوعي الإنساني الراقي الذي يجعل من العقل والروح طريقًا للحياة الفاضلة.
تحية لك يا اوغاريت التي تعيد للرماد وهجه.