"بشهر آب ادخل الكرم ولا تهاب"

د. غسّان القيم

ما أكثر الحكم التي ولّدتها الأرض وما أصدق الأمثال التي خرجت من أفواه الفلاحين وهم يراقبون تعاقب الفصول وحركة السنابل والعناقيد. ومن بين تلك الأمثال التي ما زالت تتردد في قرانا السورية حتى اليوم يطلّ علينا هذا المثل الجميل:
"بشهر آب ادخل الكرم ولا تهاب."
وكأن الأجداد أرادوا أن يختصروا في كلمات قليلة حكاية عامٍ كامل من التعب والانتظار.
فآب في الريف السوري ليس مجرد شهر من شهور السنة بل هو عرس الأرض الكبير. هو الزمن الذي تبلغ فيه الكروم ذروة عطائها وتكتنز عناقيد العنب شمس الصيف كلها في حباتها الندية. عندها لا يعود صاحب الكرم يخشى على ثمره من قلة النضج ولا يخاف الزائر أن تمتد يده إلى عنقود هنا أو هناك فقد أصبح الخير وفيراً والبركة تملأ السهل والجبل.
في آب كانت الكروم تبدو من بعيد كأنها بساط أخضر علقت عليه آلاف القناديل الذهبية والياقوتية. تتدلى العناقيد تحت الأوراق العريضة وتنتشر في الأجواء رائحة حلوة تختلط بنسيم المساء القادم من الجبال. وكان المارة والرعاة والعائدون من الحقول يستظلون بأشجار الكرمة ويقطفون ما تيسر لهم من الثمار فالخير في تلك الأيام كان أوسع من أن يضيق بضيف أو عابر سبيل.
ولعل جمال هذا المثل لا يكمن في معناه الزراعي فحسب بل في روحه الإنسانية أيضاً. فهو ابن زمن كانت فيه الأرض كريمة كأهلها وكانت الضيافة قانوناً غير مكتوب وكانت البركة تقاس بقدرة الإنسان على العطاء لا بما يخزنه لنفسه.
وحين أسمع هذا المثل اليوم أرى أمامي كروم الساحل السوري وقد استحمت بضوء آب الذهبي وأسمع أصوات الفلاحين تتردد بين التلال وأرى الأطفال يركضون بين الدوالي تتلطخ أصابعهم بعصير العنب وتضحك وجوههم كأنها عناقيد صغيرة نضجت تحت شمس الصيف.
هكذا كانت أمثال الريف السوري لم تكن مجرد كلمات تحفظها الذاكرة بل كانت سجلاً للحياة نفسها. وكل مثل منها يشبه جرّة فخارية قديمة كلما فتحناها فاحت منها رائحة التراب المبلل بالعرق وعبق الكروم وصوت الأجداد وهم يورثون أبناءهم حكمة الأرض التي لا تخطئ مواعيدها.
فإذا كان الربيع وعداً وكان الصيف انتظاراً فإن آب هو لحظة الوفاء بذلك الوعد الشهر الذي تفتح فيه الأرض كفيها بسخاء وتقول لكل من يمر بجوار الكرم:
ادخل... ولا تهاب.