ترتيلة الفجر الأوغاريتية

د. غسان القيم

حين انشقَّ الفجر الأول عن زرقة البحر وصعدت خيوط الشمس الذهبية الأولى من وراء جبل صفون كانت أوغاريت تستيقظ على همس النايات ورنين القيثارات. وفي باحات المعابد حيث تعبق رائحة البخور وتمتزج بندى الصباح وقف المنشد يرسل ألحانه إلى الريح فتأخذها نحو الحقول والسفن والبيوت الطينية المطلة على المرافئ البعيدة.
وكان الحكماء يقولون:
ليس أعظم ما يملكه الموسيقي أن يعزف بل أن يوقظ في القلوب القدرة على الإصغاء.
فالموسيقي يستطيع أن ينسج من أوتاره أجمل الأناشيد وأن يملأ الأفق بأنغام تشبه رفرفة السنونو فوق سنابل القمح لكنه لا يستطيع أن يمنح السامع أذناً تدرك سرَّ النغم ولا قلباً يعرف كيف يحتضن الجمال حين يمرّ بالقرب منه.
إن اللحن يا أبناء الشمس والبحر يشبه المطر حين يهطل على الأرض فالأرض الخصبة وحدها تنبت الزهر أما الأرض القاحلة فلا تسمع في وقع القطرات إلا صوت الماء العابر.
هكذا كانت ترتيلة الفجر تُنشد في أوغاريت:
"أيها الإنسان افتح أبواب روحك قبل أن تفتح أبواب بيتك وهيّئ قلبك قبل أن تطلب منشدك. فالأغنية لا تسكن في الأوتار بل تولد في النفس التي تعرف معنى الإصغاء. والناي لا يخلق الشجن إنما يكشفه في أعماق من يحملونه بين أضلاعهم."
وعندما كانت الشمس ترتفع فوق البحر الكبير كانت الألحان تتلاشى رويداً رويداً لكن أثرها يبقى عالقاً في الأرواح كما يبقى عبير الياسمين بعد رحيل الربيع.
فليس كل من سمع أغنية أدرك معناها وليس كل من أصغى إلى الناي بلغ سره. إن الجمال لا يُعطى هبةً كاملة بل يحتاج إلى روح تتعلم كيف تراه وإلى قلب يتقن الإصغاء إلى ما وراء الأصوات.
وهكذا نقشت ألواح الفجر الأوغاريتية حكمتها الخالدة:
"المنشد يمنحك اللحن أما الموسيقى الحقيقية فتولد في داخلك أنت."