محسن سلامة.. سيرة ذاتية

محسن سلامة- فينكس:

وأنا في المركز الثقافيّ منذ أيّام ورهبة الكلمات الدافئة تملأ كياني، وروحي خرجت من جسدي ترفرف بهيّة في هذا المكان المهيب، فجأة يسألني دكتور إكاديميّ يجلس بجواري:
من أين تأتي بمنشوراتك في صفحتك؟! كان السؤال عليّ كوقع الصاعقة وأنا في الخامسة والسبعين من هذا العمر الشقيّ الطويل، شعرت كأنّ شيئاً من عظام جمجمتي قد تكسّر، وفي المنزل أمسكت هذا القلم وكتبت:
في قرية كان لا يصلها إلّا الطير الدنبيّة ناحية القدموس ولدت في يوم ربيعيّ 1948م وحولي العشب والزهر والسفح والجبل والوادي، عطّرت روحي أنداء ذلك السحر الريفيّ البديع، كنت أشعر دائماً أنّني وردة بين الورود تمشي، وعصفور بين العصافير يغرّد أعلى شجر البلوط والسنديان والعرعر والتين.محسن سلامة في ندوة تسعينات القرن الماضي
كان الحظّ يرافقني، و أجمله أنّ أبناء القرية بنوا مدرسة أعلى السفح و أنا في سنّ الانتساب إلى الأوّل ابتدائيّ، و إلّا كان على هذا الطفل أن يقطع نهر الموت ويتسلّق جبل الصخر لساعات إلى أقرب مدرسة حمّام واصل، أحبّني معلّمي العظيم أنور الجنديّ رحمه الله تعالى، وكان هذا الحبّ سبب تفوّقي، ومن روائع حظّي أنّ الوالد انتقل إلى المدينة وأنا في الصفّ السادس وإلّا كان عليّ أن أقطع الجبال السبعة والأنهر السبعة سيراً على الأقدام للدراسة في برمانة المشايخ كما فعل أخي الأكبر.
انطلقت بنا السيّارة من القدموس كانت أوّل تجربة لي في حياتي كأنّي على متن جنّيّ يخترق الأرض وربّما بعد حين يجتاز السماء، نصف ساعة من الزمن امتدّ أمامي بساط أزرق لا نهاية له، سمعتهم يقولون: وهذا البحر، خوف شديد تملّكني إلى أن اختفى خلف الأبنية في بانياس.
في غرفة واحدة في مدينة طرطوس كانت العائلة تسكن بكاملها.
أحبّني معلّمي الصفّ السادس، شعرت بصعوبة في اكتساب أصدقاء المدينة، كان عطر الريف يملأ كياني، ودخان المدينة يعبث ببراءتي.
كنت من المتفوّقين في الشهادة الإعداديّة، فانتسبت إلى معهد دار المعلّمين في حمص، حملت فراشي ووسادتي على ظهري وحيداً، وركبت ذلك الباص الضخم الوحيد، عشت سنوات أربعاً في غرفة صغيرة في حمص لكنّها كانت جنّتي بحقّ، حمص العديّة سيّدة الجمال والشعر والثقافة والسينما بلا منازع، كبّرتني كثيراً من حيث عمري العقليّ والجماليّ.محسن سلامة أمام مكتبته
حصلت على شهادة البكالوريا أدبيّ حرّة من، ثانوية رزق سلّوم، وأنا في السنة الثالثة من دار المعلّمين، كانت سنة نكسة حزيران 1967م، وفي السنة الرابعة دار المعلّمين كنت أيضاً سنة أولى أدب عربيّ.
أمضيت سنتين معلّماً في ريف البوكمال دير الزور، وثالثة في ريف اللاذقيّة. ورابعة في ريف طرطوس، وكنت حينها أيضاً في السنة الرابعة أدب عربيّ.
وفجأة ولأوّل مرّة وربّما آخر مرّة تعلن وزارة التربية عن مسابقة لانتقاء مدرّسين لجميع المواد تسمح فيها لطلّاب السنة الرابعة التقدّم إليها.
كان شاعر القوميّة العربيّة سُليمان العيسى رئيس اللجنة، وذلك في الرابع و العشرين من شهر أيّار 1972م.
تجاوزت بعدها مباشرة امتحان السنة الرابعة بنجاح بتقدير جيّد جدّاً، ونجحت في المسابقة.
وفي ٢/ ١٢ / ١٩٧٢م كنت مدرّساً في ثانويّة رأس الخشوفة صافيتا لشهر واحد.
التحقت بعدها بالخدمة الإلزاميّة، كليّة المدرّعات طالب طابط مجنّد.
تخرّجت من الكليّة في السادس من تشرين الأوّل عام ١٩٧٣م بتقدير جيّد جدّاً، كنت في الخندق الأوّل في حرب تشرين التحريريّة.
في نهاية الخدمة ١٩٧٦م كلّفني أستاذي الجليل العظيم محمّد علي يونس الموجّه الأوّل للغة العربيّة بتدريس خمس شعب بكالوريا ثانويّة خربة المعزة.. أطال الله في عمره كان الملهم لنا جميعاً في العطاء والتفاني في العطاء.
كُلّفت بإدارة أكثر من ثانويّة في مدينة طرطوس.
انتخبني زملائيّ في مدينة طرطوس مدرّساً أوّل للغة العربيّة.
شاركت في أمسيّات شعريّة عديدة، وكُلّفت بتغطية مناسبات وطنيّة عديدة لسنين طوال على الكورنيش البحريّ طرطوس، وعرّيف حفل لمناسبات وطنيّة و قوميّة في المركز الثقافيّ طرطوس وجميع مؤتمرات الفلّاحين والحرْفيّين والعمّال والرياضة في القرن الماضي.
وكان التقاعد في عام ٢٠٠٨م ، لا يزال طلّاب الجامعة يجدون في مكتبتي ضالّتهم وحلقات بحثهم التي قد لا يجدون مراجع مثلها في مكان آخر.