اكتشاف والدي لـ اللاذقية (جانب من سيرة ذاتية)
خالد فهد حيدر:
كان والدي (رحمه الله) قد اكتشف مدينة اللاذقية أواخر أربعينات القرن الماضي، عندما أرسله جدي الى مدير المعارف محملاً بهدايا قروية وبرسالة توصية ورجاء بإحداث مدرسة ابتدائية في القرية، مع تعهّد من جدي بتأمين المقر للمدرسة والسكن للمعلم، والمقر كان غرفة مبنية من الحجارة و الطين..
واكتشاف اللاذقية حينها بالنسبة لقروي، مثل أبي، كان كحدث اكتشاف أميركا بالنسبة لكولمبس. وقد روى لنا والدي الحكاية أكثر من مرة، وقال إنه في الطريق فكّر بأنه سيضيع، وإنه لن يعود مرة أخرى لقريته، وكان إحساسه بأن المدينة تبتلع البشر أو تلتهمهم، وإنه مجرد صعد البوسطة، التي كانت ربما الوحيدة التي تعمل على خط طرابلس - اللاذقية، تشبث بها بكل ما أوتي من عزم وعينيه شاخصتين على بقجة الهدية للأستاذ مدير المعارف، وقد اكتشف في رحلته هذه البوسطة التي كان يراها كالنملة من قريتنا، وهي تمر عابرة (ضهر اسقبلة) في طريقها إلى مصياف.
المهم وصل إلى اللاذقية، وكما تم تحفيظه: تسأل عن حنطور، وتسأله إن كان يعرف بيت مدير المعارف (.....)، وبالفعل عثر عليه، وأوصل الهدية والرسالة التوصية، ليعود إلى الفندق الوحيد الذي بوسعه أن ينزل فيه، لأن عودته في اليوم ذاته أمر مستحيل.
تمكّن من الوصول إلى الفندق بدون عناء، و سأل عن صاحبه الذي رحب به بعد أن عرفه إذ كانت تربطه بجدي علاقة حميمة، ودعاه الى الغداء مع عائلته، لكن المشكلة أن عيني والدي لم تعرفا النوم تلك الليلة حتى الفجر، لا لسبب يتصل بأن الفندق غير مريح، بل لأنه افتقد لقريته "نحل"، لليلها وأجوائها، وظل يتساءل: لماذا ظل الناس يتطلّعون إليه؟ ليتجه فجراً إلى البوسطة في طريق العودة...
و عند المغيب يصل إلى القرية لتجتمع القرية، ويروي قصة الاكتشاف العظيم، وكانت سهرة من العمر، كما أكد لي بعض من شهد تلك السهرة، وحتى أن أحدهم قال لي: والله أنا سألت والدك إن كانت البوسطة أكبر من البقرة أم أصغر؟ (رحمهما الله) و كان عمره حينها أكثر من 20 عاماً.