المقدم المجاهد عبد الغني أمين القصاص

شهادة للتاريخ خص بها صفحة "أبناء دمشق" ابن مدينة دمشق و أحد أبطالها المقدم المجاهد عبد الغني أمين القصاص.
مواليد دمشق 1948.. التحق بالكلية الجوية عام 1968 ليتخرج منها برتبة ملازم. بدأت خدمته في مطار التيفور، بعدها تم إيفاده في بعثة الى اﻻتحاد السوفياتي للاختصاص بالصواريخ م/ط، اشترك في حرب 1973 حيث أسقطت قاعدة الصواريخ التي يعمل بها 21 طائرة للعدو الى أن قام الطيران الاسرائيلي بقصف القاعدة وتدميرها.
تم منح المقدم عبدالغني الوسام الحربي من الدرجة الأولى مع منحه سنتّي قِدَم.
اعتقل في 6\1\1982 مع مجموعة الضباط المتهمين بمحاولة اﻻنقلاب على حافظ اﻻسد. حيث أوقف بفرع التحقيق العسكري ثم الى سجون المخابرات الجوية وأخيرا في سجن صيدنايا. أطلق سراحه في نهاية عام 1999..
=============================================
قبل كل شيئ لم أكن أريد الخوض في حديثي هذا، وكل من يعرفني ومنذ خرجت من السجن عام 1999 والذي مكثت فيه ثمانية عشر عاما لم أكن أرغب في أن أتكلم عن موضوع محاولة اﻻنقلاب ولا عن تفاصيل العملية وكنت أعتبر أن كل ماحدث معي خلال خدمتي في الجيش وكل مامرّ معي أثناء توقيفي في السجن ماهو إلا محطةً وفترةً من حياتي قد مرّت بسلام والحمد لله ولم تكن عقَبةً تقف في طريق متابعتي لحياتي ومعيشتي..
لقد سمعنا وقرأنا كثيرا عن محاولة الانقلاب على حافظ الاسد عام 1982 ومن المؤسف أن الكثير ممن تطرقوا الى هذا الموضوع حاولوا تشويه صورة الموقف الذي حدث آنذاك إما عن قصد أو غير قصد مما أدى الى الإقلال من مصداقية الرواية الصحيحة.. وأنا أيضا ممن سمع كثيرا من الأقاويل التي شوهت الحقيقة والتي كنت أرى في بعضها طعناً فينا نحن الذين نذرنا حياتنا وأردنا أن نتخلص من النظام المجرم الذي كنا نرى أنه يزداد توغلاً في مفاصل الدولة وخاصة في السيطرة على الجيش من قاعدته الى قمة هرمه.....
لابد من أجل الدخول في موضوع محاولة الانقلاب أن أتطرق الى الفترة التي سبقت هذه المحاولة وكيف كانت أحوال البلاد وأحوالنا نحن في الجيش خاصةً.
من كان موجودا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي كان يسمع عن وجود تفجيرات في المدن وخاصة في دمشق كان منفذوها إما هم أتباع حزب البعث العراقي او من جماعات اسلامية منشقة عن العمل الاسلامي الجماعي كانت مندفعة تريد ارباك النظام او حتى جماعات تابعة للنظام نفسه كي يخلط الأوراق ويجعل ذلك مبررا ﻻعتقال الشباب المسلمين.. في هذه السنوات 80-81 كثُرَت اﻻعتقالات في البلاد وحدثت المجازر وخاصة مجزرة تدمر /قبل مجزرة حماة/.
ونحن في الجيش رغم تكتمنا الشديد ورغم الاحتياطات الكثيرة التي كنا نلجأ اليها كي ﻻينكشف أمرنا إﻻ أننا وجدنا أنفسنا مستهدفين وقد نخسر أنفسنا في أي لحظة فيتم اعتقالنا على شبهة اسلامنا والأهم من كل ذلك أننا قد نخسر تعبنا وهدفنا الذي ضحينا كل هذه السنوات من أجله.... أنا شخصيا تم الهجوم علي في الاجتماعات الحزبية والأمنية من قبل الضباط مطالبين أن يتم توقيفي وتسليمي الى المخابرات الجوية.. وفي أحد الأيام أرسل أحد الضباط من المخابرات العسكرية فرع التحقيق مذكرة توقيف بحقي فرفض قائد وحدتي تسليمي ونفى أن يكون لي أي توجه يستدعي توقيفي.. كما أن عملي وخبرتي كانت تشفع لي فحتى الخبير الروسي برتبة جنرال كان ممن يتمسك بي مع كل مهمة... وبعد توقيفي من المخابرات الجوية وتسليمي بعدها للتحقيق العسكري التقى بي الضابط الذي طلب توقيفي قبل عام فقال لي: أنا كنت بدي وقفك من سنة يا كذا......
هذه المقدمة التي سردتها أردت أن أوضح باختصار أننا أصبحنا في وضع لابد فيه من التحرك والالتجاء الى حركة ما.. قبل أن يقع الفأس في رأسنا... وخاصة أننا كلنا تطوعنا في الجيش لمثل هذه اللحظات فعلينا الآن أن نستثمرها...
توكلنا على الله وبدأنا بالعمل ولن أدخل في التفاصيل عن الأسلوب والطريقة لكن قدّر الله وماشاء فعل. كانت الضربة القاسية والقاضية من هذا المنافق عدو الله العميد أحمد عبدالنبي الذى وشى بنا الى حافظ الأسد والذي استنفر أفرع المخابرات لوضع خطة محكمة للقبض علينا دون أن تتسرب أي معلومة إلينا عن ذلك... وهذا ماحدث...
تم توقيفنا نحن من القوى الجوية 14 ضابطا بين عميد ومقدم ورائدكنا كلنا من دمشق تم وضعنا في سجن الجوية بمطار المزة.. وأيضا تم توقيف عدد من ضباط القوى البرية من دمشق وحماة.. تم وضعهم في سجن المزة العسكري.. اما مايقال عن 400 طيار فهذا مبالغ فيه جدا ولكن ماحدث أن توقيفنا كان مفاجأة صاعقة لحافظ الاسد كيف يكون هؤلاء موجودون في صفوف الجيش وهم من خيرة الضباط في القوى الجوية؟ ولم يستطع أي فرع من فروع المخابرات كشف نواياهم؟ فطلب مباشرة وبأسرع مايمكن دراسة ملفات كل الضباط وتسريح كل من عليه شبهة مهما كانت صغيرة..ومن أجل ذلك طلبوا منا مساعدتهم بشكل غير مباشر فكانوا يسألوننا أثناء التحقيق من تظن من الضباط أنه لو تكلمت معه عن التنظيم لأجابك؟ أو مَن مِن الضباط تجد فيه توجهاً اسلامياً؟ أو...أو... يعني على الشبهة... وبعد الدراسة قام حافظ الأسد بتسريح عدد كبير من ضباط الجيش وقد اعتقل الكثيرين أيضا وتم التحقيق معهم ثم أطلق سراحهم...
لم يقم حافظ الاسد بتحويلنا الى المحكمة الميدانية التي كانت وقتها نشيطة في الحكم على شباب كثيرين بالاعدام مع التنفيذ في سجن تدمر.. أما السبب الذي منع حافظ المقبور من تقديمنا للمحاكمة فمازال الى الآن غير معروف بالضبط، ولكن يقال أنه باعتبار معظمنا دمشقيين فما أراد أن يستثمر العالم الخارجي إعدامنا ورقة ضده، فيقال أنه يعدم الدمشقيين، وأيضا خاف من ردة فعل التجار في دمشق الذين استطاع أن يجعلهم في صفه بعد أن كان يحسب لهم ألف حساب... أما أنا فلي رأي يضاف إليه وهو:
كانوا يحضرون الينا جريدة كل يوم وفي بداية توقيفنا كنت أقرأ أن وزير خارجية السعودية كان يقوم في زيارات مكوكية الى دمشق ولم يكن في المنطقة أحداث تستدعي زياراته إﻻ حوادث حماة بعد شهر من توقيفنا، فبنظري أن السوريين في السعودية وهم كثيرون وفي جميع مفاصل الدولة هناك قد ضغطوا على الحكومة السعودية للتدخل من أجل عدم إعدامنا.. والله أعلم.
لن أنساك يادكتور حسن زينو.. يوم أتوا بك من سجن تدمر الى صيدنايا وقد فقؤوا إحدى عينيك وأنت مصاب بانفصام الشخصية، وعندما لقيتني في صيدنايا وتعرفت علي انشرح صدرك فقد أعدتك بذاكرتك سنين مضت حيث سألتني عن مدينتي وسكني، وعندما أخبرتك، تبسمت وقلت: أنا أعرف بيتكم وأعرف والدك السمان وقد زرتكم في بيتكم واستضافني والدك... لقد كانت هذه الذكرى وكأنها إخلاء سبيل له من السجن.... هذا الانسان رغم ان معه انفصام بالشخصية الا أنه لايزال يحتفظ بعلومه.. فهو حافظ للقرآن ويتكلم سبع لغات وكان يدرس من يريد اللغة التي يرغب.. لقد فقؤوا عينه عندما ضربه أحد السجانين بالكابل الرباعي الذي يحوي أسلاكاً من الفولاذ ضربه من خلف ظهره على رأسه فالتف الكابل على عينه فأصابها في مقتل.. ثم أصيب بانفصام الشخصية فلم يعد يصلي وهو المرجع في الحفظ والتفسير وحتى في إعراب كلمات الآيات..
أما سبب توقيفه في المخابرات، فهو عالم مختص في الجيولوجيا ولايوجد في سوريا معدن تحت الأرض إﻻ ويعرف مكانه، وقد اكتشف وجود الماس في جبال الساحل بكميات كبيرة تفوق قيمتها البترول والغاز، وقد منعه الأمن من التحدث مع أحد حول هذا اﻻكتشاف إﻻ أنه تكلم فتم اعتقاله وكان ضباط الفرع يعذبونه يوميا وخاصة المقبور اللواء (هشام) بختيار... حيث يقول للسجان أخرج هذا المجنون الى أن أصيب بالانفصام، فأرسلوه الى تدمر. وفي عام 1986 أرسل المقبور حافظ لجنة طبية لإخراج من كان مريضا مرضا عضالا فتم إخلاء سبيله. إلا أنه توفي في حادث غامض فاصطبغ الألماس بدمه...

وما زلت أذكر نصيحته لي قائلا.. طعمي اولادك تين وجوز مشان يتغذى عقلهن...