الشيخ أحمد كفتارو.. سيرة وتاريخ
توفي في دمشق مفتي الجمهورية الشيخ احمد كفتارو عن 93 عام, شغل احمد كفتارو منصب المفتي العام لمدة أربعين عاما بدأت في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1964 حتى وفاته.
كان كفتارو الشيخ الدمشقي المؤسس الوحيد الذي لم تمرَّ أصوله الروحية عبر بدر الدين الحسني شيخ شيوخ الشام 1850- 1935 ونجل الشيخ الكردي الملاموسى كفتارو الكرمي النقشبندي.
حيث كان دمشق في مطلع القرن العشرين تضم عالمين اثنين الأول هو الشيخ عيسى النقشبندي و الثاني هو الشيخ بدر الدين الحسني ولكل منهما مدرسة ذات منهج متفرد فبينما اختار الشيخ عيسى جانب التصوف أساسا لدعوته مع الأهتمام ببعض العلوم الشرعية جعل الشيخ بدر الدين العلوم الشرعية اساسا لدعوته مع الإقرار بدور التصوف في التربية والتزكية ففتح أحمد كفتارو عينيه على مدرستين اسلاميتين هما مدرسة الشيخ عيسى وامتدادها على يد الشيخ أمين كفتارو ومدرسة الشيخ بدر الدين الحسني و امتدادها في الفقه و الحديث على يد الشيخ علي الدقر.
ولد الشيخ احمد كفتارو سنة 1911م في حي دار الشيخ أمين في حي الزينبية قرب جامع أبي النورفي دمشق وتلقى علومه الدينية على أيدي كبار علماء دمشق منهم الشيخ محمد أبو الخير الميداني، والشيخ إبراهيم الغلاييني، والشيخ سليم الحلواني، والشيخ محمد الملكان، والشيخ عبد المجيد وغيرهم، فضلا عن والده وشيخه الشيخ محمد أمين كفتارو وعمه الشيخ محمد صالح كفتارو، وقد أجازه شيوخه تدريس علم الشريعة والتزكية والتربية والدعوة والإرشاد.
تزوج في السادسة عشر من عمره من سيدة من أكراد دمشق من ال الملي وانجب منها تسعة ذكور وثلاث اناث وتوفيت في عام 1991 ومن حلقة ابيه العلمية تنقل بين مساجد دمشق فمن جامع السادات في حي العمارة الى مسجد الأقصاب ومسجد الأحمدية و مسجد الشيخ محي الدين ابن عربي.
في عام 1938 شارك كفتارو في تأسيس جمعية العلماء ثم رابطة العلماء سنة 1944
أنتدب مدرسا دينيا في محافظ القنيطرة عام 1948 وأسس وافتتح معهد الأنصار الثانوي للذكور في منطقة البحصة بدمشق عام 1949 وفي عام 1950 تم تعيينه مفتيا لدمشق وعضوا في مجلس الأفتاء الاعلى.
يقول عبد الله سامي إبراهيم الدلّال في كتابه الاسلاميون والديمقراطية في سوريا حصيد و صريم ( بعد الوحدة بين سوريا ومصر وفي الوقت الذي نجح فيه عبد الناصر بسحب البساط السياسي من تحت أقدام الإخوان المسلمين من خلال إقدامهم على حل أنفسهم بناءً على طلبه بحل الأحزاب، فإنه أتاح الفرصة للنشاط الصوفي. وكذلك فعل الأسد فيما يخص غض نظره، بل تشجيعه، للامتداد الصوفي إبان حكمه.
فقد واصلت جماعة الشيخ أحمد كفتارو الصوفية جميع أنشطتها على كل المستويات، بما في ذلك الجانب السياسي، تماماً كما كانت تفعل في أيام وحدة عبد الناصر. وكان مروان شيخو، وهو من أبرز سياسيي جماعة كفتارو، قد فاز عام (1958م) – أي: في زمن الوحدة- بعضوية الاتحاد القومي. وأما في زمن الأسد فقد فاز بعضوية مجلس الشعب السوري في عام 1973 وبقي فيه لفترة غير قصيرة.
عند قيام الوحدة بين سوريا ومصر كان آنذاك الشّيخ الطّبيب أبو اليسر عابدين هو المفتي العام في سوريا.
مع قيام البعث بانقلابه التاريخيّ في الثّامن من آذار "مارس" عام 1963م الذي نقل سوريا إلى مرحلة جديدة تمت إحالة المفتي أبو اليسر عابدين إلى التّقاعد بعد عشرين يومًا من الانقلاب، والإعلان عن التّحضير لإجراء انتخاباتٍ على منصب المفتي العام في الرّابع من شهر تشرين الثّاني "نوفمبر" من عام 1964م، وتمّ تعيين الشّيخ عبد الرّزاق الحمصي مفتيًا عامًّا بالوكالة في الأوّل من نسيان "إبريل" لتسيير الفترة الانتقاليّة التمهيديّة للانتخابات العامّة.
عقب الإعلان عن موعد انتخابات المفتي العام في سوريا بدأ الحراك المشيخي للتّرشيح، فاستقرّ الأمر على اثنين من المرشّحين هما، الشّيخ أحمد كفتارو المدعوم من حزب البعث الذي يمثّل السّلطة الحاكمة وبيده مختلف مؤسساتها، والشّيخ حسن حبنّكة الميداني، شيخ الميدان المشهور بموقفه الحادّ من البعث ومن الشّيخ كفتارو في الوقت نفسه، والذي يمثّلُ المؤسّسة الدّينيّة التي تعدّ رابطة علماء الشّام واجهتها في ذلك الوقت،كان العددُ الكليّ للذين يحقّ لهم الانتخاب خمسة وثلاثين رجلًا ولم يكن بينهم أيّ امرأة، وبدأت تحرّكات الشّيخين وجماعتهما وأنصارهما لكسب أصوات هؤلاء النّاخبين كانت قدرة الشّيخ أحمد كفتارو أقوى في التّحشيد والتّواصل وفي يوم الانتخابات كانت النتائج لصالح الشّيخ أحمد كفتارو بفارق صوتٍ واحد إذ حصل على ثمانية عشر صوتًا في حين حصل الشّيخ حسن حبنّكة على سبعة عشر صوتًا.
يقول توماس بيرييه في كتابه الدين و الدولة في سوريا (بعد انقلاب 1963، وضعت حكومة البعث، رمزيًا، نهايةً لسيطرة «بيوت العلم » القديمة على المجال الديني بطرد المفتي الكبير أبو اليسر عابدين، الذي كان أسلافه بارزين في دمشق منذ القرن العاشر وكان أحمد كفتارو قد برز الى الواجهة بعد أن خالف بقية مشايخ الاتجاه الاسلامي بدعمه مرشح البعث رياض المالكي في انتخابات منطقة دمشق التكميلية ضد مرشح الاخوان المسلمين مصطفى السباعي سنة 1957 ما اظهر براغماتية وجهت أنظار البعثيين نحوه).
يقول الحمصي في كتابه الدعاة و الدعوة الاسلامية المعاصرة (بالنسبة إلى استراتيجية كفتارو بالتحالف مع الدولة، فقد تطورت جيدًا قبل انقلاب عام 1963 حيث رفض كفتارو القول المأثور «بئس العلماء على أبواب
الأمراء »، وجادل الشيخ (أبو الحسن محي الدين الكردي) بأنه ينبغي لرجال الدين أن ينصحوا أصحاب الشأن، سواء أكانوا متدينين أم لا، شريطة أن يكونوا وطنيين).
بعد استلام حافظ الأسد للسلطة حافظ الشيخ كفتارو على منصبه مفتيا لسوريا, يقول حنّا بطاطو
(سعى الأسد منذ بداية حكمه إلى احتواء العناصر الأشد عنادا بين الإخوان المسلمين عن طريق مد يده إلى العلماء، أي الرجال الذين تلقوا العلوم الدينية، ولم يفوت فرصة لتكريمهم والعناية بشؤونهم. وفي عام 1971، رتب لدخول عدد من رجال الدين المسلمين ذوي المقام الرفيع إلى مجلس الشعب، منهم الشيخ أحمد كفتارو، مفتي الجمهورية، والشيخ محمد الحكيم ، مفتي حلب.
في لحظة مفصلية عام 1973 كان الشارع السوري فيها مشتعلا بمناقشة الدستور وقضية تضميته دين الدولة و الذي أعده برلمان الأسد حين أثار الشيخ حسن حبنكة تلك القضية من على منبره و تحرك الشارع في حمص وحماه احتجاجات كادت أن تجر البلاد الى حالة من التصادم لولا التراجع و تدارك الأمر بإدراج مادة في الدستور في اواخر شباط تضمنت أن (دين رئيس الدولة الإسلام) حيث تم اقرار الدستور في الاستفتاء العام يوم 12 آذار. غاب الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية عن جلسات البرلمان الخاصة بمداولات الدستور رغم كونه رجل الدين الأعلى مرتبة، وشبه الوحيد في تركيبة البرلمان المُعين.
دونا عن غيره و عن تبني الدولة لافتتاح كلية للشريعة الاسلامية منح الشيخ كفتاروا امتيازا لتأسيس معهد اسلامي عالي فتم افتتاح مركز ابو النور الاسلامي في الفترة التي تلت احداث الاخوان المسلمين سنة 1982 الذي تحول الى مجمع الشيخ احمد كفتاروا عام 1991.
لم يخلف كفتاروا في الارث أي من ابناءه فزاهر كفتارو، الابن الأكبر هو من عين لخلافة والده، إلا أنه قتل في عام 1979 في ما وصف أنه نزاع عل الأرض كما استبعد أخوه محمد (تولد 1945 الذي يليه في الخلافة عام 1999، بسبب اختلاسه أموالا من المركز، ومن ثم وصلت القيادة إلى شقيقه الأصغر، صلاح الدين (تولد 1957). ومع ذلك، لم تشر الوثيقة التي وافق فيها المفتي العام وكبار تلامذته على هذا القرار إلى أي خلافة روحية، بل خلافة في «شؤون المعهد والمسجد» فحسب.
المصادر
-الاسلاميون والديمقراطية في سوريا حصيد و صريم ل عبد الله سامي إبراهيم الدلّال
-فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم ل حنا بطاطو
-منهج التجديد والإصلاح – دراسة في فكر الشيخ أحمد كفتارو ل د محمد حبش
-الدين و الدولة في سوريا ل توماس بيرييه
-مقالة في موقع تلفزيون سوريا ل محمد خير موسى
في الصور
كفتارو مع أربع رؤوساء لسوريا
-الصورة في الاعلى إلى اليسار يبدو الشيخ كفتارو إلى جانب
الرئيس شكري القوتلي في ولايته الأولى 1948
-الصورة التي في الاعلى إلى اليمين للشيخ كفتارو مصافحا الرئيس أمين الحافظ
-الصورة الثالثة إلى اليسار في الاسفل كفتاروا إلى جانب حافظ الأسد و رئيس الحكومة الأيوبي