أجدادٌ كانوا توْءَم الصخر قوّة وصلابة.. ومدرّس لاينسى
محسن سلامة
ضاقت القرية حمّام واصل بالشيخ سلامه وأولاده وأحفاده، فبدؤوا واحداً واحداً ينتشرون في القرى المجاورة.
كان جدّي الشيخ يوسُف أوّل من عقد العزم مغادرة المكان مع أبيه العجوز عبد اللطيف إلى قرية خربة مكّار، لم يجد مكاناً يلوذ إليه سوى قلعتها الصخريّة التي اختفت في كتف الجبل، لم يظهر منها سوى بابها الواسع نحتَهُ جبابرةٌ من الزمن القديم في داخلها بهو واحد صخريّ واسع، ما زال يتمتّع بالجِدّة والنضارة فيه جلال ورهبة التاريخ، في كلّ زاوية حكايةٌ لقوم رحلوا، وجاء جدّي الشيخ يوسُف يكمل الحكاية، بدأ من الصفر،
بواكيرُ صنعِهِ محراثٌ خشبيٌّ، وسرير خشبيّ، وحظيرة للمواشي التي كانت نصيبه من جدّه الشيخ سلامه، ومرج وبيدر، وأرض قدّمها له أحد ملّاكي المنطقة، لم يطل به الأمر أكثر من عام واحد لأنّ الوالد عبد اللطيف عاجله الموت،
فغادر القرية وغادر القلعة إلى قرية الدنبيّة، بيت جاهز من الطين، وأرض واسعة جدّا لملّاك جديد فيها التين والعنب وبضع أشجار من الزيتون، وشمّر عن ساعد الجدّ والعمل،
كان جدّي وحيداً لأبيه حفظ القرآن تفسيره وبيانه عن جدّه الشيخ سلامه، كنّا نستيقظ الليالي على صوته الطيّب يجوّد طوال الفجر ما تيّسر من القرآن غيباً،
شعر أنّ هذا الملّاك يأخذ جلّ تعبه وجهده عن البيادر، فعقد العزم على التجارة، أسوة برسول اللّه في تجارته إلى الشام، وأخذ يطوف القرى المجاورة بدابّته المحمّلة بما تحتاجه المنازل من إبر وخيطان وحلوى وأقمشة يشتريها من القدموس، أحبّه الناس جدّاً لأخلاقه الحميدة وسيرته الطاهرة، وعلمه الغزير، وتساهله،
كان يرى الفقر المدقع بين الناس في ذلك الجبل، فحدّثْ ماشئتَ عن الديون التي سكت عليها وماتت كما يُقال.
سمع جدّي أنّ الملّاكَ وقع في ضيق شديد، فأخبره أنّه قادر على شراء الأرض بكاملها منه،
وبذلك يكون جدّي أوّل فلّاح امتلك أرضاً ملكاً شخصيّاً في المنطقة بكاملها
ثمّ بنى دكّاناً صغيراً من طين في زاوية من بيته الواسع الكبير،
وبدأت حكاية الحلوى تعطينا إيّاها جدّتي سرّاً الكعيبات القضامه الراحة تشجيعاً كي نرعى لها الخراف الصغيرة وأبناء المعز (الجدايا) في الحقل المتاخم للمنزل،
كنّا نرى في جدّي ونحن أطفال أنّه أقوى رجل في العالم لا يعصى عليه شيء، ولكنّ تلك الدمعة التي كانت تنزل من عينيه عندما يسمع أنّنا نجحنا في صفوفنا بامتياز كنّا نراه من الأنبياء والمرسلين.
ظلّ أهالي القرية ينادونه يوسُف القلعة عشرات السنين لتمييزه عن بقيّة أبناء القرية، ومثل ذلك محسن القلعة أحمد القلعة..، ظلّ هذا اللقب يرافقنا حتّى انتقلنا إلى المدينة، وبدأ يختفي تدريجيّاً مع الأيّام والسنين،
منذ أيّام كنت في زيارةٍ لأحد أصدقائي من أيّام القرية، كان والده العجوز في زيارته أيضاً، وكأنّه لم يعرفني، فقال له ولده هذا محسن سلامه ألا تتذكّره؟ فقال أيوه تذكّرته، محسن القلعة. كان الجواب أحلى إلى قلبي من لقب الملوك.
كان الجدّ هو الأب ما دام على قيد الحياة، الآمر الناهي، المتابع للأحفاد في صحّتهم ودرسهم ومستقبلهم، وإن كانت هذه القاعدة أقلّ تطبيقاً في أسرتنا، لأنّ جدّي ربّى أولاده منذ نعومة أظفارهم على الكفاح في الحياة المنتجة المستقلّة.
رحمك اللّه جدّي العظيم، عشت في زمن كانت لقمة العيش لا تُنال إلّا من فم السبع كما يُقال، ستبقى خالداً في الروح والقلب والعقل مدى الحياة.
*****
المدرّس الذي لا يُنسى
في أوّل يوم لي في مدرسة (التجهيز) ثانويّة بنين طرطوس الوحيدة للذكور الصفّ السابع ١٩٦١م.
فوجئت بهذا الصرح العلميّ الكبير من حجر على طريقة القلاع، مداخله واسعة، وبهوه في الطابقين واسع جدّاً، له جناحان اصطفّت القاعات في كلّ جناح بشكل جميل واسع مريح،
قاعتي الأخيرة من الجناح الشماليّ المقعد الأوّل عند الباب،
كان المدير "عطيّه ريشه" حازماً في غير عنف، رقيقاً في غير ضعف، بهيّ الطلعة، مشرق الوجه، واسع الجبين والعينين، يشرف على كلّ تفاصيل المدرسة العلميّة والإداريّة والتدريسيّة بذكاء وحنكة وسعة صدر.
دخلنا الصفّ جميعاً بعد تحيّة العلم
ساد صمت طويل في القاعة انتظاراً لهذا المدرّس الجديد، دقائق دخل يتأبّط أدوات خشبيّة أربع كبيرة الحجم بحيويّة فائقة وهمّة عالية وخطًا واسعة كمن في طريقه إلى معركة، عرفت فيما بعد أنّها معركة أدوات علم الهندسة، بدأ. يستخدمها على السبّورة بمهارة عجيبة، وكأنّه سحرُ ساحرٍ بألوان بهيّة متنوّعة تكاد تفصح عن تفاصيل الدرس.
البيكار، والفرجار، والمسطرة، والمنقلة، والمثلّث الخشبيّ
إنّه درس الهندسة الأوّل، كاد اللوح أن يمتلئ بتلك الرسوم البديعة، بدأ المدرّس يشرح الدرس بصوت جهوريّ دافئ واضح،
يتأنّى في شرحه خطوة خطوة يعيد، وعينُهُ على الجميع في وِدادٍ آسرٍ عذبٍ جذّاب ممتع شائق،
يتحرّك بخفّة ورشاقة أمام السبورة ببنيةٍ قويّةٍ، وابتسامة لا تغادر محيّاه مهما اشتدّ الدرس صعوبة، جبينه الواسع بدا كأنّه يتوقّد بنور العلم والمعرفة دقيقة بعد دقيقة.
لا أعرف كيف أحببتُ هذه المادّة بشغف شديد جدّاً، كيف أدخلَ هذا المدرّسُ تفاصيلَها وقوانينَها في القاع من كياني وعقلي،
لفتُّ انتباهَهُ لمشاركتي الصوتيّة والذهنيّة لجمال شرحه وعذوبة صوته وإلقائه ، فرض علينا من نصف الساعة الأولى، أبوّة لم نعهدها عند آبائنا،
وقف ذات يوم عند زاوية مثلث متأمّلاً، وكأنّه يريد أن يتنفّس الصعداء من الجهد أو كأنّ الأمر أُشْكِلَ عليه،
عشقي له دفعني أن أرفع صوتي وأرتجل عبارة توحي بالخطوة التي تحلّ الإشكال،
توقّف تماماً عن الشرح وقال: هذا دفتر العلامات وهذه العلامة التامّة لأوّل مذاكرة قادمة، كانت غبطتي وفرحتي لا توصف،
. إلى اليوم سيظلّ المدرّس أنطون فرح النور الذي يضيء آفاق حياتي العلميّة، رحمه اللّه تعالى.
في المساء كان مستخدم المدرسة إبراهيم علي زغبور على درّاجته الهوائيّة يسأل عن منزل والدي، ومعه غلاف أسمر، كان مضمونه شهادة تقدير لتفوّقي في مادّة الرياضيّات بتوقيع مدير الثانويّة عطيّه ريشه ومدرّس الرياضيّات أنطون فرح.
كان هذا الوسام كبيراً عليّ جدّاً، وكأنّ المدرّس دفعته تلك اللحظة العاطفيّة كمدرّس أب أن يتّخذ تلك الخطوة التشجيعيّة،
إلى الآن وعلى مدار العمر أعلّم الطلّاب على اختلاف صفوفهم، وأباهي أساتذة الرياضيّات، بتلك الحالات من الضرب أقرب إلى السحر، علّمنا إيّاها وكثير غيرها
كيف تجيب دون قلم ضرب أيّ رقم بـ: ١١
كأن نضرب ٤٥ بـ ١١
الطريقة سهلة جدّاً: نجمع ٥ + ٤ الجواب ٩
نضع الجواب في الوسط ٤٩٥
٢٦ ضرب ١١ الجواب ٢٨٦
وكيف تجيب دون قلم
ضرب: ٦٥ ضرب ٦٥
نضع مباشرة (٢٥) عوضاً عن ٥ الآحاد، ثمّ نأتي إلى الرقم الذي يلي ٦ العشرات بالترتيب التصاعديّ بعده.
طبعاً هو ٧
نضرب: ٦ ضرب ٧ الجواب ٤٢
نضع هذا الجواب بعد (٢٥) الأولى التي اتّفقنا أنّها عوض عن ٥
الجواب النهائيّ ٤٢٢٥
٨٥ ضرب ٨٥ الجواب ٢٥ ٧٢
إنّه زمن العمالقة من المدرّسين الأوائل، رسل حضارة وأمّة، ما سعوا لمجد سوى مجد بلدهم وطلّابهم، عملوا بصمت لا يزدهيهم سلطان، ولا تستميلهم أكاليل الغار على جبين الزعماء والحكّام، ما داموا هم من صنعوا الزعماء والحكّام،
يكفيهم أنّهم من صنعوا الإنسان والإنسان غاية الحياة.
يكفيهم أنّ النبيّ محمّد صلّى اللَّه عليه وسلم قال ذات يوم:
إنَّما بُعِثْتُ معلّماً لأُتمّم مكارمَ الأخلاق