في رحاب الشيخ مسلّم البيضا قدسه الله

د. يوسف عيسى

هو الشيخ مسلّم بن عبد الله بن رسلان بن عبد الله السامري الحلبي المشهور بالشيخ مسلم البيضا (قدسهُ اللّه تعالى).
لمع اسمه رضوان الله عليه بالجهاد ضد الفئات التكفيرية التي كانت تسعى لاستصدار فتاوى تحلل دماء العلويين وأعراضهم وأموالهم.
يروى أنه في سنة 675 للهجرة المحمدية أنه أتى حاكم إلى طرابلس الشام يقال له الموصلي، وقد ذكره عالم عصره في نظمه وهو الشيخ علي بن منصور الصويري قدسه الله إذ يقول:
كفانا أمورَ الموصليِّ وكيدهِ وقد أوجستْ أنفاسنا من وعيده
ولا زال في عزمٍ يجود بنفســـه إلى أن طغى منه ســــــــعير وقيده
وكان هذا الحاكم الطرابلسي متعصباً ضد الطائفة العلوية، وجاء لولاية طرابلس وكله عزم على تكفير المسلمين العلويين، تمهيدا لطردهم من ولاية طرابلس أو قتلهم بذريعة مروقهم عن الإسلام.
وما أن عهد له ولاية طرابلس حتى صدّق على كافة المنقولات والوشايات بحق العلويين ومنها أنهم (روافض) لا يقرون بالقرآن، ولا يصلُّون على القبلة، ولا على الميت، ولا يحسنون الغسل والوضوء..
وكان له وزير نصحه أن يقيم الحجة على شيوخهم حتى لا يسجل التاريخ أنه هجّرهم وقتلهم دون وجه حق.
فطلب بإحضار علماء وشيوخ العلويين للمناظرة وإحراجهم أمام نخبة من علماء طرابلس من أبناء طائفته.
فلم يجبه أحدٌ إلى طلبه، مخافة ان تكون مكيدة للقضاء عليهم جميعاً.
وقد ذكر هذا الخبر أحد شيوخ تلك الحقبة وهو الشيخ حمدان جوفين قدسه الله عليه فيقول نظما:
فنوى لهم أن يسوم جموعهم قتلاً وأوعدهم بحرق النار
فبرز إليه مــن العصابة ضيغمٌ أســدٌ جريء جاسرٌ كسّار
وهنا الرجل الليث الهمام والعالم الضرغام "مسلم البيضا" قدسه الله عليه قرر ان يكون فداء عن كافة إخوانه، واتجه إلى بلاط الطرابلسي، لكشف نوايا الوالي الحاقد أو مناظرتهـ يقوده إيمانه وثقته بالله ودعاء إخوانه كالصويري والشيخ حمدان جوفين.
فدخل الشيخ متسلحاً بقوة إيمانه وبقول الله تعالى لسيدنا موسى (ع) في سورة طه:
"اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى".
وبخطوات ثابتة دخل على الوالي الناصبي، وعندما وقع نظره على الشيخ نهض عن كرسيه وكأن أفعى لدغته ودخل الرعب والخوف على قلبه من هيبة الشيخ وثقته.
تقدم الشيخ ورمى السلام بأحسن لغة وإفهام..
فتقدم جمهور العلماء يتقدمهم الحاكم إليه لإحراجه وإهانته، فلم يقدروا بما وعاه من العلم الرباني والطب الروحاني والإيمان الراسخ.
فإنهالت عليه عشرات الأسئلة الشرعية والفقهية، وكل عالم يسأله حتى فرغت جعبهم، والحاكم متسمر لا يعرف السؤال من الجواب وكل همه النصر على العلويين من خلال شخص هذا الشيخ..
بعد أن انتهت جولتهم ولم يصلوا لحجتهم اجتمعوا مع الحاكم وقالوا له أنه بارع في كافة العلوم الشرعية والفقهية وعلم التوحيد ولا يمكن إحراجه.
هنا ترك الحاكم العلماء، واتجه للشيخ قائلاً: صحيح يا شيخ أنكم أي العلويين لا تصلون على الميت؟
فتبسم الشيخ، وقال وهل هناك مسلم لا يصلي على ميته؟
فقال الحاكم: إذا أرني صلاتك يا شيخ؟
فقال الشيخ: وأين الميت لنصلي عليه؟
فنظر الحاكم لوزيره وأشار له أن يمثل دور الميت.
فتكلم الشيخ مسلم قائلاً: نحن لا نصلي على أحياء حضرة الحاكم!
فقال الحاكم: اعتبره ميتاً وصلي عليه.
فاستلقى الوزير على فراش الحاكم، وأمر الحاكم بالصلاة عليه.
ومن ثم قام وصلى عليه بالتمام. وهنا طلب الحاكم من الوزير النهوض لمعرفة صحة الصلاة من عدمها، فلم يجيب الوزير.. فحصوه وإذا هو فارق الحياة.
هنا ارتعب الحاكم مما رآه ودب الرعب بين علماء البلاط، فمنهم من صدّق بكرامة الشيخ ومنهم من نحى على نهج أسلافهم الذين قالوا (ما هذا إلّا ساحر وهو سحر مبين).
والشيخ واقف لا يحرك ساكناً.
سأله الحاكم ماذا فعلت لوزيرنا؟
فقال له الشيخ بثقة المؤمن: نحن أيها الحاكم لا نقيم صلاة الميت على الأحياء..
هنا اعترف الحاكم للشيخ قائلاً: بأن لا عقيدة أصح من عقيدتكم ولا ديانة أرفع من ديانتكم..
ثم ردّه مكرّماً، وأتحفه تحفاً، فتعفّف عنها، فكان بذلك سرور تام لإخوان ذلك العصر.
وقد كتب الشيخ علي الصويري (ق) مهنئاً بهذا النصر قائلاً:
وعاد بنصرٍ شـــــــاملٍ وكرامةٍ وقد أرغمت منه أنوف حســــــوده
تأخّر عنها كل رعديــــد ناكلٍ وأمَّا ابن عبد الله زيـــــــــنُ عبيده
فســــــرَّ لأرباب الحقيقة فعلُهُ وأرغم شـــــــانيه، وأضنى عبيده
وهذا أخيه الشيخ حمدان جوفين يقول:
هــــذا ابن عبد الله قاصمُ ضدِّهِ هــــــذا المباهلُ في العلوم مُباري
هذا المباهي فــــي ولاية حيدر هـــــــذا الذي يعلو على النظَّار