فيكتوريا سركيسيان والدة الشاعر الراحل عبد الجليل وهبي
فراس الأمين
جدتي اسمها فيكتوريا سركيسيان وهي والدة الشاعر الراحل عبد الجليل وهبي.
جدتي أرمنية، أنقذها جدي الحاج اسماعيل من المذبحة التركية وهرب من الجندية، وأخذها معه إلى "حاروف".
هناك بنت منزلاً جميلاً، أول منزل بشبابيك خضر في القرية، على لون عيونها الخضر.
عندما انتقلا إلى بيروت طلبت ان تسكن في أعلى مبنى. اختار لها أعلى شقة في بناية الصواف في "برج أبي حيدر".
شاءت الدولة اللبنانية ان تضع صفارة الإنذار على سطح منزلها. لا زلت أذكر شكل الصفارة، متعددة الفوهات، لونها ازرق.. صدأت بعد الحرب ولم تعد تعمل.
فيكتوريا، أم عبد، أم عبد الجليل، عمّرت بركة جميلة في ساحة منزلها في "حاروف" وأخرى في منزلها المشرف على كل بيروت في "برج أبي حيدر"، أحاطتها بزهور وورود مختلفة.
كنا نزورها مع والدتي يوم الأحد، ونتغدى عندها طعاماً أرمنياً شهياً. بعد وفاة والدتي بمرض السرطان، وكانت في بداية أربعيناتها من العمر، ظلت أم عبد تهتم بنا. كنا إذا شاغبنا تصيح بنا بالأرمني Lere، اي اخرس. ظلّت تسمي المذكر مؤنث والمؤنث مذكر على ما يتحدث الأرمن حتى آخر يوم في حياتها.
كان لديها "دفتر تلفونات"، حيث تسجل ارقام كل أفراد العائلة والمعارف. لم تكتب العربية بل كانت ترسم مقابل كل رقم رسماً يدلها على صاحبة او صاحب الرقم... الضابط في الجيش بندقية والنجار منشار وهكذا.. إحداهن رسمتها أفعى، وأحدهم دبّاً..
ابنها، جدي الشاعر عبد الجليل وهبي، كان نجم مباريات الزجل في المدينة الرياضية مع زين شعيب وموسى زغيب وطليع حمدان..
كتب ٥ آلاف أغنية.. من "عاللوما اللوما" لوديع الصافي إلى "لاكتب عوراق الشجر" لفريد الطرش، إلى "بابوري رايح رايح، بابوري جاي"، إلى “دخل عيونك حاكينا" و"عالندا الندا" و"شعبنا يوم الفداء"… وغيرها وغيرها. كتب قصائد لبنانية بالمحكية. كان رفاقه فليمون وهبي ونصري شمس الدين وفهد بلان وصباح وطروب..
كان يدق باب منزل أهلي في كورنيش المزرعة الخامسة صباحاً بعد عودته من السهرة، ويضع عند الباب سودة نية أو سمكا طازجاً.. كانت والدتي تفرح وتقول: "ليش عذبت حالك"، فيجيب "نصري طلعهم". بالمناسبة تزوج عبد الجليل خمس مرات. سيدة شيعية وأخرى فلسطينية ويهودية ومغربية (قد أكتب عنهن لاحقاً). لدي تسع خالات وأخوال..
حاولنا ان نجد أقارب جدتي الأرمن الذي نجوا من المذبحة التركية، فلم ننجح.
عد وفاتها جاء رئيس بلدية فرنسي من قرية قرب Nantes قال إنها خالة أمه. فرحنا به. لم تقابل جدتي احداً من عائلتها الأرمنية طوال حياتها. طلبت ان تدفن قرب والدتي في "حاروف". هكذا حصل.
أمس، دمرت اسرائيل منزل فيكتوريا سركيسيان الجميل ذو الشبابيك الخضر في قرية أمي، "حاروف" في جبل عامل.