سعد الله الجابري {1892ـ1947م}
عائلة الجابري من أشراف وسادات حلب والعرب
الدكتور عامر رشيد مبيض
سعد الله الجابري كان أحد أقطاب النهضة والنضال القومي وأحد بناة عهد الاستقلال.
قال فيه الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة: «لولا سعد الله الجابري لما دخلت قضية المغرب إلى مجلس الجامعة… في ذلك الحين انطلق صوت سورية بلسان سعد الله الجابري في مجلس الجامعة العربية دفاعاً عن المغرب العربي… ومن ذلك اليوم بدأ صفحة جديدة في تاريخ نضال الأمة العربية الحديثة سطرتها يد سعد الله الجابري… ومنذ ذلك اليوم بدأ المغرب العربي يشعر في أعماقه أنه ليس وحده في الميدان».
إِنَّ نفس سعد الله الجابري تشف عن المواهب والأخلاق التي برزت فيه حين كان رجل دولة، من إباء وشمم وإقدام، فلم تنل المنافي الشظفة والسجون المظلمة من جبروته الوطني، وما لانت له قناة بعد رحيل المرحوم إبراهيم هنانو، وبقي رابضاً في عرين حلب الشهباء حتى وصلت سفينة الوطن إلى شاطىء العزة والكرامة. كان رجلاً ذا مراس سياسي، شغف بحلب، حتى إنه لم يشأ أن يشاركه بهذا الحب زوج ولا ولد.
نشأ في عائلة ميسورة لها مكانة في العلم والديانة، كما كان لها أملاك وأوقاف كبيرة، فأبوه عبد القادر لطفي الجابري كان عالماً دقيقاً، نشَّأ أولاده إحسان وفاخر وفؤاد وسعد الله في بيئة علمية ودينية، وقد بدت على سعد الله مظاهر النباهة والإقدام والاستقامة والزعامة وكان يحضر مع والده الاجتماعات التي كانت تعقد للتداول في أمور البلاد أيام استبداد السلاطين.
درس سعد الله في المكتب السلطاني «المأمون» بحلب، وبعد إتمام الدراسة الثانوية سافر إلى الآستانة، والتحق بالكلية الملكية السلطانية في استانبول، وفي خلال إقامته هناك اتصل بالشباب العرب، وكان من أوائل الأعضاء في الجمعية العربية الفتاة. كما أقسم اليمين بالولاء على المصحف والخنجر، مع ثلاثة عشر ضابطاً من البلاد العربية، في حين كان أخوه إحسان الجابري يحضر مؤتمر باريس 1913، ولما بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 جُنِّد في الجيش العثماني، وبعد الحرب عاد إلى حلب ليجدد اتصاله بالقادة الوطنيين وعلى رأسهم شكري القوتلي والزعيم إبراهيم هنانو.
كانت أولى مظاهر نشاطه السياسي في حلب في عام 1920، انخراطه بين الذين انتخبوا أعضاء في المؤتمر السوري عن حلب وأقضيتها، ولما جرى الترشيح للانتخابات النيابية كان المعروف في حلب فاخر الجابري، فبعث يطلب سعد الله الجابري من الآستانة فحضر، وطلب فاخر الجابري من الناخبين الثانويين أن ينتخبوا سعد الله الجابري مكانه لجدارته، ولأنه رجل المستقبل، فتم له ذلك. في عام 1919 كان الزعيم هنانو قد أعلن ثورته على الفرنسيين، وبعد أن قبض عليه الإنكليز لتسليمه إلى الفرنسيين كي يحاكم ويعدم.. وفي إحدى الجلسات التي جرت ربيع 1922 شهد سعد الله الجابري لصالح هنانو بشجاعة وقال: إن هنانو يمثل الضمير الوطني السوري وإرادة الشعب السوري، وإنه لم يكن رئيس عصابة، كما سماه رئيس المحكمة وإنما كان بطلاً وطنياً، وأجاب عن سؤال رئيس المحكمة عمّ إذا كان الشعب قد طلب من هنانو الثورة باسمهم، قائلاً: نحن طلبنا منه مقاتلتكم، وأضاف الجمل السابقة الذكر، فأعلنت المحكمة بالتصويت السري بين أعضاء المحكمة العسكريين الفرنسيين براءة إبراهيم هنانو، لأنه لو اعتقل سعد الله الجابري في تلك اللحظة لاتخذت المحاكمة الشكل السياسي، الذي كان هنانو والجابري يحرصان على أنه هو طابعها الحقيقي، في حين أن المحكمة كانت تحاكم هنانو على أنه قاطع طريق (!).
وبقي في ذهن الناس شيء كبير يوازي بطولة ابراهيم هنانو في بطاح الشمال وجباله هو شموخ الكبرياء لدى سعد الله الجابري، الذي حمل مسؤولية التحريض على الثورة، في قلب محكمة عسكرية فرنسية، ومن يومها تأكد أن سعد الله الجابري هو الممثل الشجاع للكتلة الوطنية في حلب، والرمز الجريء للمطالبة بالاستقلال والجلاء.
الجواب اللائق: مما يذكر أن اللورد «مونتباتن»، وهو سياسي إنكليزي، بارز زار الجابري في بيته قبل تحقيق الجلاء، فأخبره أن بريطانيا ستخرج الفرنسيين من سورية ولكن لها مطالب، فرد الجابري: «نحن لا نريد أن تخرج فرنسا ليدخل غيرها مكانها». ومما يذكر عن دعمه للثورة والثوار أنه باع أملاكاً كثيرة له لينفق ثمنها عليهم، فأنفق موارده على نفسه وعلى الحركة الوطنية، وكان في كل مدة تسلمه رئاسة الوزارة أو رئاسة المجلس، كان يوزع رواتبه وتعويضاته على صغار الموظفين في معيته. وفي عام 1932 حوصرت داره واعتقل، ثم أفرج عنه وشارك في وضع ميثاق الكتلة الوطنية في الاجتماع الذي عقد في مدينة حمص.
في عام 1934 أراد رئيس الوزراء الشيخ تاج الدين الحسيني ورئيس الجمهورية محمد علي العابد زيارة حلب، فاحتج سعد الله الجابري والكتلة الوطنية، وحين أراد العابد والحسيني أداء الصلاة في الجامع الأموي الكبير بحلب، تصدى الوطنيون للأمر فاحتلوا الجامع بكامله مع أنصارهم، وقام سعد الله الجابري، فألقى خطاباً جريئاً هاجم فيه السلطة وأعوانها، فاعتقل مع جماعته من قبل السلطة، وأحالتهم إلى المحكمة الأجنبية، فحكمت عليه بالسجن ثمانية شهور وسط سيل من الاحتجاجات والبرقيات من المدن السورية، وأضربت مدن كثيرة يوم المحاكمة، وكانت السلطة قد اضطرت من أجل هذه المحاكمة إلى إعادة العمل بقانون قمع الجرائم، وطردت كثيرين من الطلاب في كثير من المدارس. وفي المحكمة قال الجابري: إنني لو لم أكن مسؤولاً أدبياً عن الناس الحاضرين في الجامع لكان حدث ما لا يسُر، ولكانت أريقت دماء، ولقد هدَّأت الشارع أنا والزعيم هنانو ورفقائي. وقد دافع المحامي الحلبي أدمون رباط وهو ـ أحد المحامين الوطنين الكبار عن الجابري ورفاقه، لكن الجابري أمضى العقوبة في السجن كاملة.
وفي 21/10/1935، رحل الزعيم هنانو، فكثرت الاعتقالات وكان سعد الله بين من اعتقلوا من جديد، ونفي إلى «عين ديوار» في الجزيرة السورية بعد أن رفض التوقيع على وثيقة يتعهد فيها بإنهاء الإضراب في الأسواق.
وفي عام 1943 انتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية، وعهد إلى سعد الله الجابري بتكشيل الوزارة، وفي عام 1944 توجه الجابري إلى الإسكندرية، وأسهم في وضع بروتوكول الجامعة العربية، الذي أنشئت الجامعة بموجبه، وكان له الفضل الأكبر في ذلك.
في 9/2/1945 وجه الجنرال السفاح أوليفا روجيه إنذاراً إلى الرئيس الجابري ـ وكان رئيساً للمجلس النيابي ـ يقضي بتسليم المجلس وإخلائه، وحين رفض سعد الله الجابري ذلك قصفت مدافع الدبابات المجلس النيابي، وقتلت حاميته، وتدخلت الدول الكبرى ومجلس الأمن لإيقاف المجزرة البشعة، التي شملت المدن السورية كافة، وعرفت فرنسا عند ذلك أنها ستطرد من البلاد طرداً، فحاولت الحفاظ على ماء الوجه، فأقبل مندوب فرنسي يريد مقابلة الرئيس القوتلي، وهنا استدعى القوتلي السيد سعد الله الجابري لحضور الاجتماع.
في عام 1946 أخذ المرض يتسرب إلى سعد الله فدخل المستشفى في الإسكندرية، وكان يومئذ يشارك في اجتماعات الجامعة العربية وتوفي عام 1947، ودفن إلى جانب رفيق جهاده إبراهيم هنانو في حديقة الزعيم إبراهيم هنانو في حلب.
لقد عرف الوطن لسعد الله جهاده ونضاله، فلم يقصر في تكريمه وتأبينه في حياته وبعد مماته، فقد أقيم حفل تأبين كبير جداً في 5 نيسان 1948، ولم يبق عظيم في بلاد العرب إلا وشارك في رثاء سعد الله الجابري.