العقيد محمد علي إسماعيل 1910-1995 قامة عسكرية في تاريخ الدرك السوري

سيمون خالد علي

القائد العام السابق لوحدات الدرك في سوريا، من الشخصيات العسكرية والأمنية التي ارتبط اسمها بمرحلة دقيقة من تاريخ الدولة السورية الحديثة، مرحلة الانتقال من زمن الانتداب إلى زمن الاستقلال، ثم مرحلة الانقلابات والتحولات السياسية التي شهدتها سوريا في أربعينات وخمسينات القرن العشرين.
سيرة رجل دولة عمل في مؤسسة كانت تمثل العمود الفقري للأمن الداخلي. فقد كان الدرك يومها يؤدي دورا قريبا من دور وزارة الداخلية، من حفظ الأمن، وضبط الشارع، ومتابعة شؤون المناطق، وتنفيذ القوانين، وحماية الاستقرار الداخلي في المدن والأرياف.
ولد العقيد محمد علي إسماعيل عام 1910 في قرية القمصية في منطقة طرطوس، من عائلة كريمة معروفة هي آل إسماعيل المحمد، ذات حضور اجتماعي وسياسي في الساحل السوري. والده هو المرحوم علي إسماعيل المحمد، ووالدته المرحومة شاملة علي خوندة.
نشأ في بيئة ريفية واجتماعية ذات مكانة، في زمن كانت فيه العائلات الوازنة تؤدي أدوارا تتجاوز حدود الأسرة، من الوساطة الاجتماعية إلى الحضور العام في شؤون القرى والمناطق. جمع بين الحزم العسكري والاحساس العميق بالمسؤولية العامة.
بدأ تعليمه في بستان الباشا، ثم تابع دراسته في مدرسة يوسف الخوري في بانياس، وهي مرحلة شكلت جزءا من تكوينه الأول قبل التحاقه بالسلك العسكري. وفي 21 آب 1934 التحق بالكلية الحربية في حمص، التي كانت في تلك المرحلة من أهم المؤسسات التي خرجت جيلا من الضباط الذين سيتولون لاحقا بناء الجيش والمؤسسات السيادية في سوريا.
تخرج من الكلية الحربية بتاريخ 15 تموز 1937 برتبة ملازم في سلاح الفرسان.
في عام 1939 نُقل من ملاك الجيش إلى ملاك قوات الدرك. وكان هذا الانتقال محطة أساسية في حياته المهنية، لأنه نقله من الإطار العسكري المباشر إلى قلب العمل الأمني والإداري الداخلي. فالدرك كان أداة الدولة في فرض القانون، وربط المركز بالأطراف، وحفظ الأمن في المدن والأرياف.
ومن أبرز ما ينسب إليه في تلك المرحلة مساهمته في تعديل وتعريب أنظمة الخدمة وقوانين الأمن الداخلي من الفرنسية إلى العربية.
بين عامي 1939 و1948 خدم محمد علي إسماعيل في عدد من المناطق السورية، منها حمص، اللاذقية، تلكلخ، منبج، دير الزور، الرقة، وحماة. وقد منحته هذه الخدمة الميدانية معرفة واسعة بطبيعة المجتمع السوري وتنوع مناطقه. ففي الساحل والوسط والشرق والشمال، كانت مهام الدرك تتطلب فهما للتوازنات المحلية، وقدرة على التعامل مع المدن والأرياف والعشائر والحدود ومراكز النفوذ الاجتماعي.
وفي عام 1948 شارك في حرب فلسطين ضمن الحملة السورية، وكان حينها برتبة نقيب. وقد منح بعد مشاركته قدما ممتازا ووسام حرب فلسطين التذكاري.
بعد حرب فلسطين، واصل تدرجه في السلك العسكري والأمني. ففي 21 تموز 1949 رُفع إلى رتبة مقدم، وقاد ألوية الدرك في دير الزور، الرقة، حمص، ودرعا. وكانت هذه المناطق ذات أهمية أمنية كبيرة، لأنها تجمع بين البعد الحدودي، والبعد العشائري، والبعد الزراعي والاقتصادي، إضافة إلى حساسيتها في مرحلة سياسية مضطربة.
وفي 1 كانون الثاني 1954 رُفع إلى رتبة عقيد، وعين قائدا للواء الأول في دمشق، ثم قائدا للواء حلب. وقيادة الدرك في دمشق وحلب كانت تعني الوجود في قلب الدولة السورية، في المدينتين الأكثر ثقلا من الناحية السياسية والإدارية والاقتصادية.
بلغت مسيرته ذروتها في 16 حزيران 1955، حين أصدر الرئيس هاشم الأتاسي المرسوم رقم 1884 القاضي بتعيين العقيد محمد علي إسماعيل قائدا عاما لوحدات الدرك في سوريا. وكان هذا التعيين في مرحلة بالغة الحساسية، إذ كانت سوريا تعيش اضطرابا سياسيا شديدا بعد سلسلة من الانقلابات والتحولات التي عصفت بالحياة العامة منذ عام 1949.
عاصر خلال خدمته مرحلة شهدت نحو تسعة انقلابات وتحولات عسكرية وسياسية، وكان في بعضها قائدا لدرك دمشق، وفي بعضها الآخر قائدا عاما للدرك في سوريا. ومع ذلك، بقي اسمه مرتبطا بالحزم والانضباط وحفظ الأمن الداخلي. في زمن مسؤوليته لم تكن الفوضى تجد طريقها إلى الشارع، وأن همه الأول كان ضبط الأمن ومنع الصدام بين الناس.
وقد تعامل خلال مسيرته مع عهود سياسية متعددة، من عهد أديب الشيشكلي إلى عهد هاشم الأتاسي ثم شكري القوتلي وغيرهم من رجالات تلك المرحلة. كان صاحب حضور قوي واحترام لدى الحكام المتعاقبين، بسبب موقعه الأمني، ونزاهته، وقدرته على حفظ التوازن في زمن شديد الاضطراب.
ومن المحطات اللافتة في سيرته مسألة الحصانة النيابية الشخصية. فبعد تعيينه قائدا عاما للدرك، طلب من مجلس النواب السوري منحه حصانة بصفة شخصية وباسمه تحديدا، فصدر القانون رقم 92 لعام 1955 بهذا الخصوص. و هذه حالة نادرة جدا، أول وآخر حصانة نيابية تمنح لضابط في القوات المسلحة بشكل شخصي.
ساهم العقيد محمد علي إسماعيل خلال قيادته للدرك في توطيد الاستقرار والأمن الداخلي، وفي ترسيخ صورة الضابط الذي يعمل باسم الدولة
وفي تشرين الأول عام 1957 تقدم باستقالته من القيادة العامة للدرك. وبعد ذلك أصدر الرئيس شكري القوتلي المرسوم رقم 27 بتاريخ 10 تشرين الثاني 1957، القاضي بقبول استقالة العقيد محمد علي إسماعيل بناء على طلبه.
نال خلال خدمته عدة أوسمة وثناءات رسمية من القيادة، بينها وسام حرب فلسطين التذكاري، إضافة إلى التقديرات المرتبطة بخدمته الميدانية والإدارية.
توفي العقيد محمد علي إسماعيل في 18 حزيران 1995، ودفن في قريته القمصية، عائدا إلى الأرض التي ولد فيها وانطلقت منها سيرته. وبقي في ذاكرة عائلته ومن عرفوه نموذجا للضابط الصارم، النزيه، صاحب الهيبة، والرجل الذي جعل الأمن الداخلي مسؤوليته الأولى.
رحم الله العقيد محمد علي إسماعيل، القائد العام السابق لوحدات الدرك في سوريا، ابن القمصية وطرطوس، وحفظ سيرته الطيبة في ذاكرة أهله ووطنه.