مدينة كان عدد المخبرين فيها أكثر من عدد المثقفين وروّاد المقاهي!

خليل قادر

مدينة كان عدد المخبرين فيها أكثر من عدد المثقفين وروّاد المقاهي!
في بداية الثمانينات كانت الحسكة أشبه بخيمة كبيرة نُصبت على عجل في منتصف الجزيرة، ثم قرر الجميع أن يعيشوا فيها. كانت المدينة تضج بالوافدين من عامودا والقامشلي وسري كانييه والدرباسية، ومن القرى التي كانت تنفض عنها غبار الحصاد وتدفع بأبنائها نحو المدينة بحثًا عن حزب أو وظيفة أو حبيبة أو قصيدة.
كان شارع المحطة جمهوريتهم السرية. هناك كانت الحسكة تعرض نفسها كل مساء كما لو أنها نسخة مصغرة من باريس ريفية ضلت طريقها ووصلت إلى الجزيرة. حسناوات أبونا المسيح يتهادين على الأرصفة بأناقة لا تشبه أناقة أحد، فيما كان شبان القرى يدورون في الشارع ذهابًا وإيابًا وكأن المشي بحد ذاته فعل ثقافي.
في زاوية يصدح ميشيل درويش بـ"صبيحة كلسكرتي"، وفي زاوية أخرى يتسلل محمود عزيز من جهاز تسجيل وهو يغني "ورا ورا كوليزاري"، بينما يخرج صوت مارسيل خليفة من نافذة مفتوحة على شارع المحطة كأنه قادم من بيروت مباشرة ليعطي درسًا إضافيًا في الثورة والحزن.
كان الشيوعيون قد احتلوا المقاهي قبل احتلال البروليتاريا للعالم. خالد بكداش يُطبخ على نار هادئة في مطابخ المسيحيين، وماو تسي تونغ يتجول بين الطاولات دون أن يدفع ثمن القهوة، أما اليسار المتطرف فكان يكتشف كل أسبوع شعبًا جديدًا مضطهدًا ينبغي التضامن معه فورًا.
الكرد بدورهم لم يكونوا بعيدين عن المسرح. كانت الماركسية آنذاك أشبه ببوابة إلزامية للعبور نحو السياسة. قليل من القومية، قليل من لينين، شيء من مظفر النواب، وبعض الشتائم للبرجوازية، وكان النقاش يتحول بسرعة إلى مباراة في الصراخ أكثر مما هو تمرين على التفكير.
أما أخوتنا الشوايا" سامحهم الرب"، حراس الأمن القومي العربي ومخبريه الأمناء، فقد كانت لهم وظيفة أخرى. كلما اقترب عيد من أعياد البعث أو احتاجت السلطة إلى جمهور إضافي، كانت الجرارات والشاحنات تتكفل بالمهمة. يصلون إلى المدينة كما تصل التعزيزات العسكرية، يرفعون صور الأب الخالد ويهتفون بحماس يجعل أعضاء القيادة القطرية أنفسهم يشعرون بالخجل من ضعف حماسهم.
وفوق هذا كله، كانت المخابرات السورية تجلس في مقعد المتفرج الوحيد الذي يعرف نهاية المسرحية. لا تشارك في النقاشات، ولا تكتب القصائد، ولا تغني مع ميشيل درويش أو محمود عزيز، لكنها كانت تعرف أسماء الجميع، وأسماء آبائهم وأجدادهم، وتعرف من يشرب القهوة مع من، ومن يوزع المناشير، ومن يقرأ ماركس في العلن ويكتب التقارير في السر.
كانت الحسكة يومها تبدو وكأنها سوق أسبوعية للأفكار والأحلام والأوهام. مدينة صغيرة، لكنها تتسع لكل شيء: للشيوعي الذي ينتظر الثورة، وللقومي الذي ينتظر الوحدة، وللكردي الذي ينتظر الاعتراف، وللمخبر الذي ينتظر تقرير المساء.وكان الجميع، بطريقة ما، يعيشون تحت السقف نفسه، ويختلفون على كل شيء، إلا على أمر واحد"أن شارع المحطة في أيّام الآحاد بعطور النساء وضحكات العشّاق، هو المكان الذي يجب أن تمر منه الحياة قبل أن تكمل طريقها.
******

وكأنه البارحة قبل حوالي نصف قرن أو أقل.
في تلك السنوات وفي تلك المدينة" الحسكة" التي كانت تعيش على ضفاف الخابور كنت أسترزق من تعبي وبعرق جبيني. وكان لي ملف محترم عند فروع المخابرات" ماركسي يتعاطف مع الكرد. حاولت أكثر من مرة أن أبدّل هذا التصنيف، لكنني فشلت. كانت الأجهزة الأمنية أكثر تمسكاً بأفكارها عن الناس من الناس أنفسهم.
كان أصدقائي من كل الأصناف. تشكيليون، فوضويون، حالمون، وبعض المهابيل الذين لا تكتمل الحياة إلا بوجودهم، حتّى زينا قرجي" كانت تشاركنا أحياناً؟!. كنت على تماس يومي مع الماركسيين بكل انشقاقاتهم المباركة، ومع الكرد بكل أحلامهم المؤجلة. أما الغالبية من أصدقائي فكانوا من المسيحيين. مطابخهم مليئة بأفضل الطعام، كانوا أكثر مدنية مني، وأنا القروي الذي جاء إلى الحسكة محملاً بشيء من برية القرى وخشونتها.
كنا نعيش في حي الصالحية، حي الفقراء كما كنا نسميه بلا خجل. اشترى والدي حينها مقسم الأرض بمئتين وأربعين ليرة سورية بجانب بيت "أرملة"، وبنى البيت من الطين وبعض الحجارة التي جاء بها من جبل كوكب. ومع الوقت صنعت نافورة صغيرة في الحوش وزرعت الورود والأزهار، حتى صار البيت ليلاً، مع الإنارة الخافتة، يشبه ملهى ليلياً فقيراً لكنه سعيد بنفسه.
كانت والدتي روح هذا المكان. امرأة من أصول ستيلينية جاءت جذورها من تركيا، لكنها لم تعرف من الحياة إلا عناد الفقراء وإيمانهم البسيط بالحياة. كانت امرأة شاردة أكثر مما ينبغي، لا تحفظ حكايات النسوة ولا تدخل في مكائدهن اليومية. لم تكن تعرف كيف يُخبأ المال، ولا كيف يُشك بالناس، ولا كيف تُدار تلك الحروب الصغيرة التي تخوضها النساء حول أخبار الجيران والأقارب. كانت بسيطة إلى درجة أن المرء يخاف عليها من العالم، لكنها كانت تمضي فيه مطمئنة وكأن الشر أقل مما هو عليه في الحقيقة.
كانت تجلس على كرسي خشبي صغير في زاوية الحوش، أو فوق سريرها الموضوع قرب الحائط، تراقبنا ونحن نسهر مع أصدقائنا من المسيحيين والديرية والكرد والبعض من سيّاد آل النامس أيضاً. يمر أمامها الشيوعي والقومي والفوضوي والعاشق والشاعر والمجنون، فلا تميز بينهم كثيراً. كانوا جميعاً بالنسبة لها أصدقاء ابنها، وهذا يكفي.
ذات مرة أنجزت عملاً ديكورياً لمبنى المؤسسة الاستهلاكية المجاور للقصر العدلي الذي يتقاتل الكرد والعرب على قارمتها لإثبات الهويّة. قبضت مستحقاتي من مؤسسة الإسكان العسكري التي كانت تتولى تنفيذ المشروع. كان المبلغ يومها يقارب أربعمئة وثمانين ألف ليرة، دفعت منها أجور العمال الذين عملوا معي؛ أبو حنا وخورشيد وسعد وآخرين، ودفعت أيضاً للمهدس المشرف حينها خمس وعشرون ألف ليس ليمرر لي الأخطاء، فقط لأنك لاتستطيع قبض أتعابك من هكذا مؤسسات دون أن تدفع أذكر حينها أخبرت أحد أصدقائي وأثق به، لكنه فضحني في المدينة وكأنه عمل بطولة ثوريّة وأعتقد سيقرأ هذا البوست،
وضعت المال في كيس ورقي وسلمته لوالدتي.
سألتني:
ـ ما هذا؟
قلت:
ـ ضعيه عندك.
فقالت من دون أن تنظر داخله "خليلو "
وضعته تحت سريرك.
بعد أيام عدت ليلاً من سهرة عند أبو ريمون. كان معي صديق قادم من القامشلي، وكنا قد شربنا أكثر مما ينبغي. سرقنا جبس من تحت خيمة في طلعة الصالحيّة كان صاحبها يغط في نوم عميق، أو بلغة أخرى لم نحب أن ننزع عليه نومه- لا أعرف كيف أوصلت الجيب إلى البيت من دون أن أصطدم بشجرة أو بحائط أو بمشروع سياسي كامل.
عند الباب خطرت لي فكرة سخيفة.
قلت لصديقي:
ـ دق الجرس. عندما تخرج أمي قل لها إن خليل أرسلك لتأخذ الكيس الموضوع تحت السرير.
ثم اختبأت في زاوية المدخل المظلمة.
خرجت أمي بالفعل.
قال لها صديقي ما اتفقنا عليه.
فدخلت إلى البيت وعادت بعد لحظات وهي تحمل الكيس.
ناولته إياه بكل هدوء وقالت:
ـ تعال ادخل. سأفرش لك. خليل سيعود بعد قليل.
أخذ صديقي الكيس وابتعد خطوات قليلة، ثم فتحه تحت ضوء الشارع. وما إن رأى ما بداخله حتى انفجر ضاحكاً. كنت أضحك مثله، لكن ليس على المال، بل على أمي التي كانت مستعدة أن تسلم ما يساوي عمرها من التعب لأول شخص يطرق الباب ويقول إن خليل أرسله.
ولكي لا تشعر بما فعلناه، سرنا قليلاً في الشارع ثم عدنا.
دخلت البيت وقلت لها:
ـ معي ضيف من القامشلي يا أمّي، علينا أن نفرش له.
نظرت إلينا بهدوئها المعتاد وقالت:
ـ أهلاً وسهلاً... تفضلوا.
ولم تسأل عن الكيس، ولا عن المال، ولا عن شيء آخر. كأن العالم كله عندها كان قائماً على قاعدة واحدة بسيطة: إذا قال ابني ذلك، فلا بد أنه صحيح.
*****
"كرمو جرتو وبقايا ذاكرة قديمة!
في بداية الستينيات تعرّفت إلى مدينة الحسكة. كانت المرة الأولى التي أرى فيها الكهرباء عن قرب. قبل ذلك كنّا نرى الأضواء ليلاً من فوق تلة القرية، من جهة ما فوق الخط، أي من تركيا. كانت تبدو بعيدة وغامضة، وكأنها تخص عالماً آخر.
أذكر أن والدي اصطحبني معه إلى الحسكة. كنّا نستقل عربة يجرّها بغلان، وعلى ظهرها أكياس من القمح والشعير وكميات من صوف النعاج. كان يريد أن يقايضها ببعض حاجات البيت وما يلزمنا لمواجهة الشتاء في القرية، حيث تتحول الطرق إلى وحلٍ طويل لا ينتهي.
كان عمي قد انتقل قبلنا إلى المدينة، وتعرّف إلى عدد من القصوارنة الذين سكنوا حي الناصرة. يومها اقترح على والدي شراء قطعة أرض هناك. ذهبنا إلى كرمو جرتو، وهناك رأيت المكان لأول مرة.
لم تكن الناصرة كما يعرفها الناس اليوم. كانت أرضاً زراعية مفتوحة تتخللها السواقي وتنتشر فيها الحجارة الصغيرة. وعلى مرتفع بسيط كان يقوم بيت كرمو جرتو. بدا لي كبيراً على غير ما اعتدت أن أراه في القرى. كان مبنياً من اللبن، وله صالون طويل تتوزع الغرف على جانبيه، وتفتح فيه أبواب كبيرة من الشمال والجنوب.
إلى الشرق كانت بيوت الفلاحين، وإلى الجنوب تمر قناة الري القادمة من تل مغاص. عند أحد المنعطفات كان الماء ينحدر في شلال صغير، ثم تتفرع ساقية تتجه نحو بستان فيه أشجار توت وزيزفون وأعناب. وبعد سنوات عرفت أن بعض عائلات القصوارنة الذين عملوا عند كرمو جرتو هم من غرسوا كثيراً من تلك الأشجار.
وعلى امتداد الساقية كانت أشجار التوت تمتد حتى جهة تل غرة. وفي موسم القطن كانت نساء البدو يأتين لقطاف ما تبقى في الحقول. ما زلت أذكر أصواتهن وهي تختلط بحركة الناس والماء والهواء.
بعد انتقالي إلى تل حجر للدراسة في الإعدادية، صرت أمر بتلك الأماكن كثيراً. كنت أعرف الدروب الترابية واحداً واحداً، وأعرف الأشجار والسواقي والحقول. بعضها بقي كما هو سنوات طويلة، وبعضها اختفى مع الوقت مثل تلك "الكرخانة" التي كان روّادها يستقلون "الحنطور" لممارسة طقوس التوبة هناك.
أما تل غرة والخابور فلهما مكان آخر في الذاكرة. هناك قضيت أياماً كثيرة، بعضها مع الأصدقاء وبعضها وحيداً. كنت أحمل أوراق الرسم وأجلس قرب الماء أو تحت أشجار التوت. لم أكن أفكر بشيء محدد، كنت أراقب المكان فقط، وأشعر أنني أعرفه أكثر كلما جلست فيه.
وعلى ضفاف الخابور كنت أراقب المحرك الذي يرفع الماء من النهر إلى السواقي الممتدة في الحقول. كان مشهداً عادياً بالنسبة لأهل المنطقة، لكنه ظل عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم.
ومع مرور السنوات تغيرت أشياء كثيرة. اختفت بعض المعالم، وتبدلت الأراضي والبيوت والطرق. لكن حين أتذكر تلك الأيام تعود الأماكن كما عرفتها أول مرة: السواقي، وأشجار التوت، والعربة التي جاءت بي إلى الحسكة، ودهشة الطفل الذي كان يرى المدينة للمرة الأولى.