منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
سعيد نبواني
إذا كان للأوطان رجالٌ تُسطَّر أسماؤهم في صفحات التاريخ بحبرٍ من نور، فإن هناك رجالًا تُكتب سيرتهم بمداد التضحيات، وتبقى مواقفهم حيّةً في ضمير الأمة مهما تعاقبت السنون. ومن أولئك الأعلام المناضل الكبير منصور سلطان باشا الأطرش، الذي ورث عن آبائه شرف الرسالة، وحمل لواء الكرامة بعقل العالم، وقلب المؤمن، وعزيمة الثائر، فكان امتدادًا صادقًا لبيتٍ أنجب القادة وصنع أمجاد الثورة، وترك للأجيال إرثًا خالدًا من الوطنية والوفاء.
يُعدّ المناضل القومي والوطني منصور سلطان باشا الأطرش أحد أبرز رجالات سورية في القرن العشرين، ومن الشخصيات التي كرّست حياتها للدفاع عن الوطن، وخدمة الأمة، والذود عن مبادئ الحرية والوحدة والكرامة. وبرحيله خسرت سورية، وخسرت الأمة العربية، قامةً وطنيةً سامقةً ظلّت وفيّةً لقضاياها حتى آخر يومٍ من حياتها.
وقد نشأ في بيتٍ لم يعرف المساومة على الكرامة، ولا الانحناء أمام المحتل، بيتٍ كتب بدمائه صفحاتٍ من أروع ملاحم البطولة والفداء، وقدّم أغلى ما يملك دفاعًا عن الأرض والعرض والحرية. وكان والده القائد العام للثورة السورية الكبرى، المغفور له سلطان باشا الأطرش، المدرسة الأولى التي نهل منها معاني الشجاعة، والإباء، والشهامة، والصدق، والإيمان بأن الوطن لا يُصان إلا بالتضحية.
وُلِد منصور الأطرش في بلدة القريا عام 1925، وكانت طفولته مختلفةً عن طفولة أقرانه، إذ تفتّحت عيناه على أجواء الثورة، وعاش سنواته الأولى في وادي السرحان، حيث كان الثوار العرب بقيادة والده يقيمون بعد اشتداد ملاحقة قوات الاحتلال الفرنسي لهم.
وكان وادي السرحان أرضًا صحراويةً قاسية، قليلة المياه والمراعي، تكتنفها الرمال والكثبان، وتلفحها شمس الصيف الحارقة، حتى لم تجد خيول الثوار فيها ما يكفيها من الكلأ، فاضطروا إلى الانتقال نحو منطقة النبك قرب بلدة كاف، حيث لم تكن الحياة أيسر حالًا، بل كانت صحراءً مترامية الأطراف، تتخللها التلال الصوانية، وتنبت فيها أشجار الطرفاء والرتم وبعض النباتات البرية التي كانت تسد شيئًا من رمق المجاهدين، وكانوا يطلقون على نبات الأمصع اسم "عنب الصحراء" لما يحمله من ثمارٍ حمراء حلوة المذاق.
وكانت عين جوخة أشهر معالم تلك الديار، وهي نبع ماءٍ عذبٍ تحيط به خمس نخلات شامخات، تقصده القبائل البدوية القادمة بين الأردن وشبه الجزيرة العربية لسقي مواشيها وإبلها، بينما افتقد الثوار هناك نباتات جبل الدروز التي ألفوها، كالعكوب والهندباء والرشاد والخس البري والكراث وغيرها من نباتات الجبل.
وكانت حرارة الصيف تبلغ حدًا لا يكاد يُحتمل، حتى كان المجاهدون يسكبون الماء على أرض الخيام ويجلسون فوقها بثيابهم المبتلة لعلها تخفف عنهم شيئًا من وهج القيظ.
أما الأطفال، فقد كانوا أكثر من ذاق مرارة المنفى، إذ ارتفعت بينهم الوفيات بسبب قلة الغذاء وقسوة الحياة، ولم يعرفوا من الفاكهة إلا ما بقي في ذاكرتهم من عنب الجبل وبطيخه، ثم عرفوا بعد ذلك ثمار البلح، أما التفاح والكرز والخوخ والمشمش والموز وسائر الثمار فلم يروها إلا في رسوم الكتب، دون أن يذوقوا طعمها.
وهكذا عاش أبناء الثورة، صغارًا وكبارًا، اثنتي عشرة سنة من الحرمان والصبر والجوع، مؤمنين بأن طريق الحرية لا يُعبَّد إلا بالتضحيات، وأن الاستقلال لا يُنال إلا بثبات الرجال.
وفي تلك المدرسة الوطنية العظيمة تكوّنت شخصية منصور الأطرش، فلم يعرف منذ طفولته سوى خيام المجاهدين، وصهيل الخيل، وحديث البطولة، وآلام المنفى، وأحلام العودة. فشبّ مؤمنًا بأن خدمة الوطن رسالة، وأن العلم لا يقل شأنًا عن البندقية في صناعة مستقبل الأمم.
ولذلك اتجه إلى التحصيل العلمي، فنال دبلوم العلوم السياسية من الجامعة الأميركية عام 1950، ثم إجازةً في الحقوق عام 1954، ليجمع بين ثقافة الفكر وصلابة الموقف، ويجعل من المعرفة سلاحًا يوازي سلاح الثورة.
وفي عام 1952 انتخبه أبناء منطقته نائبًا في البرلمان السوري، بعد أن كان من أوائل المشاركين في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، وأسهم في صياغة كثير من أفكاره الوطنية والقومية.
ثم تولّى منصب وزير الشؤون الاجتماعية والعمل عام 1963، قبل أن يُنتخب رئيسًا للمجلس الوطني لقيادة الثورة عام 1965، وظل حاضرًا في مختلف الميادين الوطنية والقومية، مؤمنًا بأن رسالة المناضل لا تنتهي بتولي المناصب، وإنما تستمر بخدمة الإنسان والوطن.
وعندما تعرض العراق للمحنة، كان من أوائل الداعمين لقضيته، فشارك في تأسيس لجنة نصرة العراق عام 2001، ثم ترأس تجمع لجان نصرة العراق في سورية عام 2003، كما أصبح عضوًا في المؤتمر القومي العربي عام 2004، مؤكدًا أن قضايا الأمة العربية واحدة، وأن وحدة مصيرها فوق كل اعتبار.
وعندما اشتد عليه المرض، أولت القيادة السياسية في سورية، وعلى رأسها الرئيس بشار الأسد، عناية خاصة بعلاجه، فنُقل إلى عدد من المشافي والمراكز الطبية المتخصصة، تقديرًا لتاريخه الوطني الطويل.
وفي يوم الجمعة الموافق 17 تشرين الثاني سنة 2006، ترجل الفارس بعد رحلةٍ تجاوزت ثمانين عامًا، أمضاها مخلصًا لوطنه، ثابتًا على مبادئه، مدافعًا عن قضايا أمته، تاركًا خلفه سيرةً مشرقةً ستظل موضع تقدير واحترام.
خاتمة
لقد كان منصور سلطان باشا الأطرش صورةً مشرقةً للمناضل الذي جمع بين إرث البطولة وفضيلة العلم، وبين شجاعة الموقف ونقاء الضمير، فحمل رسالة والده بكل أمانة، وأضاف إليها جهده وفكره وثقافته، ليبقى اسمه شاهدًا على مرحلةٍ من أنبل مراحل النضال الوطني والقومي في تاريخ سورية الحديث.
العبرة
إن عظمة الإنسان لا تقاس بما يرثه من أمجاد، بل بما يضيفه إليها من عملٍ وإخلاص. ومن جعل الوطن قبل نفسه، والحق فوق مصلحته، بقي حيًا في ذاكرة الأجيال، وإن غاب عن الدنيا، لأن الرجال العظام لا يرحلون، بل تتحول سيرتهم إلى نورٍ يهدي السائرين على درب الكرامة والحرية.
مدير جمعية بيت التراث الدرزي - جولس
30 حزيران 2026