المدرّس صالح ديب.. من ذاكرة إعدادية وثانوية "بحنين" النابضة بالذكريات والعطاء والطموح

تحتفظ المدارس العريقة بأسماءٍ لا تكتبها السجلات الرسمية وحدها بل تحفظها ذاكرة الأجيال وترددها المجالس كلما اجتمع تلاميذ الأمس... هناك معلمون لم يكونوا مجرد ناقلي معرفة بل كانوا صُنّاع شخصيات وغارسي قيم وبناة مستقبل حتى أصبحت سيرتهم جزءًا من تاريخ المكان.
حديثنا اليوم عن واحدٍ من أولئك الرجال، إنّ الأستاذ صالح علي ديب...
وُلد عام 1949م في قرية بحنين ومنها بدأت رحلته الأولى مع العلم... تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس القرية ثم تابع دراسته الثانوية في ثانوية البنين بمدينة طرطوس حيث نال الشهادة الثانوية العامة الفرع العلمي عام 1970م بدرجة جيد جدًا.
كانت أحلامه تقوده إلى دراسة الهندسة المدنية في جامعة دمشق غير أن الظروف المادية آنذاك حالت دون إكمال الطريق... لكن أصحاب الهمم الكبيرة لا تعيقهم الظروف بل يصنعون منها بداية جديدة... فتقدّم إلى بعثة علمية إلى الاتحاد السوفيتي وقُبل موفدًا لدراسة الفيزياء على نفقة وزارة التربية آنذاك.
وفي موسكو أمضى ست سنوات من الجد والاجتهاد عاد بعدها إلى وطنه عام 1977م حاملًا درجة الماجستير في العلوم الفيزيائية بدرجة امتياز وعاد معها حاملًا رسالةً آمن بها حتى آخر يوم من حياته الوظيفية.
بدأ مشواره مدرسًا لمادة الفيزياء في إعدادية و ثانوية بحنين الرسمية... المدرسة نفسها التي عرف مقاعدها طالبًا فعاد إليها معلمًا... ثم أوفد إلى الجزائر ضمن بعثة إعارة حيث عمل في إحدى ثانويات ولاية سيدي بلعباس بين عامي ١٩٨١م و١٩٨٥م قبل أن يعود مجددًا إلى مدرسته ويواصل رسالته التعليمية حتى إحالته إلى التقاعد عام ٢٠٠٩م.
كانت إعدادية وثانوية بحنين في تلك الحقبة مقصدًا لطلاب و طالبات قرية بحنين و القرى المجاورة من بعزرائيل، الملوعة، ضهر الملوعة، الجديدة، العلية، ضهر مطر، بيت سماق، عنازة بحنين، عين الكبيرة، الحرف، بيت البلوط، العسلية، الدبيبية، الرويسة، رأس الكتان، النعامة، التاجية وغيرها...
وهناك وقف هذا المعلم شامخًا أمام السبورة يحمل الطباشير بيد ويحمل الأمانة في قلبه.
لم يكن يشرح قوانين الفيزياء فحسب بل كان يجعلها تنبض بالحياة... كان يؤمن أن التجربة خير برهان وأن المختبر جزء لا يتجزأ من الحصة فربط النظرية بالتطبيق وأخرج الفيزياء من صفحات الكتب إلى واقع يراه الطالب بعينيه.
عرفه طلابه معلمًا صارمًا في الحق دقيقًا في المواعيد لا يفرّط بدقيقة من زمن الحصة ولا يقبل التهاون في طلب العلم. كانت هيبته تفرض النظام لكن عدله كان يزرع المحبة... لم يميز بين طالب وآخر وكان يرى أن جميعهم يستحقون الفرصة نفسها في السؤال والمناقشة والتجربة والتشجيع.
ولم يكن أثره محصورًا داخل الصفوف بل امتد إلى المجتمع بأسره... فقد تخرج على يديه أجيال من أطباء ومهندسون ومحامون ومدرسون وصيادلة وأساتذة جامعات وأصحاب مهن واختصاصات مختلفة حمل كل واحد منهم شيئًا من علمه وشيئًا من انضباطه وشيئًا من أخلاقه.
بقي مرجعًا علميًا لزملائه وطلابه وعنوانًا للإخلاص والجدية حتى بعد تقاعده وظل اسمه يتردد في أحاديث الخريجين كلما استعادوا أجمل سنوات الدراسة وكأن الزمن لم يستطع أن يمحو صورته وهو يقف بثقة أمام السبورة سامقاً يشرح ويصحح ويحفز ويبني جيلاً بعد جيل...
تحية وفاء وامتنان لهذا المعلم الكبير...
وشكرًا لأنك كنت معلمًا حمل رسالته بإخلاص وآمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم إنجاز... شكرًا لكل حصةٍ شرحت فيها علمًا ولكل طالبٍ شجعته ولكل قيمةٍ غرستها في نفوس أجيالٍ ما زالت تذكرك بكل خير...
صفحة "بحنين ضيعتنا"