العميد محمد رزوق الخطيب من اوائل الضباط من كفرنبل
د. جمال العبد الله
1. النشأة والدراسة
وُلد محمد رزوق الخطيب في كفرنبل عام 1934، ونشأ فيها. درس المرحلة الابتدائية حتى الصف الثالث في كفرنبل، ثم انتقل إلى معرة النعمان، حيث تابع دراسته حتى نهاية المرحلة الإعدادية. وبعدها انتقل إلى حلب، وأكمل دراسته في ثانوية المأمون، وحصل على الشهادة الثانوية في الفرع العلمي، أو ما كان يسمى آنذاك «طبيعيات».
كان من رفاقه في تلك المرحلة تركي الخطيب، ومحمد شروف، ومحمد الأحمد السعيد، وأحمد الوجيه الخطيب.
لم يكن محمد رزوق في طفولته ميالًا كثيرًا إلى الدراسة، وكان يعمل مع والده في الزراعة. وكانا يذهبان إلى معرة النعمان لبيع ما يحصدانه من منتجات زراعية.
ويذكر أنه في أحد الأيام، وبينما كان بالقرب من ضريح أبي العلاء المعري في معرة النعمان، رأى مجموعة من طلاب الضباط. أعجبه مظهرهم وانضباطهم، ومنذ ذلك اليوم بدأت فكرة الالتحاق بالجيش والكلية العسكرية تكبر في رأسه.
كان والده شديدًا جدًا معه، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلته يفكر في الجيش بوصفه طريقًا إلى حياة جديدة، بعيدًا عن حياة الزراعة وعن سلطة الأب التي كان يشعر بثقلها أحيانًا.
وفي 2 تموز 1957 تقدم للانتساب إلى الكلية العسكرية في حمص.
2. من حمص إلى مصر
التحق محمد رزوق بالكلية العسكرية في حمص، وبقي فيها نحو تسعة أشهر. ثم حدثت الوحدة السورية المصرية عام 1958، فأغلقت الكلية العسكرية في حمص وانتقلت الدراسة العسكرية إلى مصر، فنُقل الطلاب بالطائرة.
وبحسب روايته، انتقلت الكلية العسكرية السورية إلى مصر خلال سنوات الوحدة، وبقيت هناك حتى الانفصال عام 1961.
ذهب إلى الكلية الحربية في مصر، وكان اختصاصه المشاة، وأمضى هناك نحو عشرة أشهر. وكانت لهم تدريبات وجولات ترفيهية على البحر، ثم أكملوا دراستهم وعادوا إلى سورية.
كانت الحياة في مصر مختلفة عن سورية. كان المصريون يحبون العسكرية، وكان للضابط مكانة اجتماعية واضحة. أما السوريون فكانوا يتقاضون راتبًا تشجيعيا على انتسابهم للكلية العسكرية، بينما كان المصريون في الكلية يدفعون للكلية قسطًا، لأن الكلية كانت بالنسبة إليهم أشبه بالجامعة.
ويذكر حادثة طريفة من أيام الكلية. كان الطعام يقدم للطلاب، وفي إحدى المرات كانت هناك ملوخية مطحونة تقدم مع صحن أرز لم تعجبه. لاحظ أحد الزملاء المصريين أنه لا يريدها، فطلبها منه، فأعطاه صحن الملوخية.
كان راتب طالب الكلية في سورية نحو 150 ليرة سورية، وكان راتب الضابط بعد التخرج أفضل بكثير، ويبلغ نحو 450 ليرة سورية. ولذلك كان يرى أن العسكرية يمكن أن تكون مستقبلًا له.
وبالفعل تخرج من الكلية الحربية في مصر. ويذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر (1918–1970) والمشير عبد الحكيم عامر (1919–1967) حضرا حفل التخرج، وأمضيا وقتًا طويلًا مع الخريجين. وكانت هذه من الذكريات التي بقيت راسخة في ذهنه من تلك المرحلة.
3. مركز التدريب الثاني في حلب
بعد عودته إلى سورية عام 1960 عُيّن في حلب، في مركز التدريب الثاني، الواقع في الطرف الشمالي الشرقي من المدينة، في قشلة الترك.
كان قائد المركز العميد مارين، وكان أرمنيًا مسيحيًا. وكان مبنى القيادة مؤلفًا من طابقين، وكان العميد يقيم في الطابق العلوي.
كان محمد رزوق مدربًا وقائد سرية. وكانت في المركز ثلاث سرايا من العسكريين المدعوين للخدمة، وكان هو قائد السرية الثالثة. وكان التدريب يشمل النظام المنضم والحركات الرياضية وغيرها، وينتهي الدوام عادة عند الساعة الثانية ظهرًا.
وكان للعميد مارين عادة طريفة؛ إذ كان يتكاسل عن النزول إلى الباحة لإعطاء أوامر النظام المنضم، فيقف في شرفة الطابق الثاني ويصيح بأعلى صوته:
«انتباه! استرح! استعد!» ومن هنا يقود التدريب.
كان محمد رزوق يسكن في حلب في غرفة صغيرة، وكان معه ضابط مصري، وهو أيضًا قائد سرية. وكانت لكل واحد منهما غرفة، بينما كان الجنود ينامون في مهاجع كبيرة.
وكان للمركز باب جنوبي كبير وباب شمالي كبير، وكان محمد رزوق يتولى أحيانًا المناوبة على الباب الشمالي.
4. حادثة السيارة والكف الذي كاد يكلفه كثيرًا
من الحوادث التي بقيت في ذاكرته من تلك الفترة حادثة سيارة العميد مارين.
كانت هناك سيارة جيب مخصصة للمناوبة، وكان محمد رزوق المناوب على الباب الشمالي، بينما كان مساعد أول يتولى المناوبة على الباب الجنوبي.
خرجت سيارة المناوبة ومعها السائق المناوب، فاتصل محمد رزوق بالمساعد الأول وطلب منه أن يعيد السائق. وعاد السائق بالفعل، لكن في اليوم التالي.
أخبره المساعد الأول بما جرى، فذهب محمد رزوق إلى السائق وهو في حالة غضب، لأنه كان المناوب والمسؤول عن البوابة.
سأله عن سبب خروجه، فأجابه بشيء بمعنى: «هيك».
فصفعه صفعة قوية.
كان صوت الصفعة شديدًا لدرجة أن العساكر جميعًا توقفوا ونظروا نحوهما. وكان على وشك أن يضربه مرة أخرى، لكنه تراجع.
ثم تبين له أن الرجل هو سائق العميد مارين.
وفي اليوم التالي طلبه العميد. وتبين أن السيارة كانت بالفعل تستعمل لخدمته وخدمة منزله، وأن خروجها كان بأمر منه.
استفسر العميد عن سبب صفعه للسائق، فقال محمد رزوق إن خروج السيارة مخالف للتعليمات، وإنه لو كان مكانه لضربه.
فقال له العميد:
«كنت أعاقبه، لكنني لا أضربه.»
فأجاب محمد رزوق بأن أعصابه لم تتحمل مخالفته، خصوصًا أنه كان المناوب والمسؤول عن البوابة.
كان العميد يعرف أن السائق مخطئ، لأنه كان يتحرك بأمر منه دون علم المناوب، لكن المشكلة كانت في أن محمد رزوق تجاوز حدود العقوبة.
وبعد هذه الحادثة، وبعد نحو ثلاثة أشهر، طلب من نفسه نقله إلى الوحدات المقاتلة.
5. إلى قطنا واللواء 21
نُقل إلى قطنا، إلى اللواء 21. وكان قائد اللواء فهد الشاعر (1927–1994)، وكان محمد رزوق يراه رجلًا شريفًا و«قبضايًا»، لكنه في الوقت نفسه عسكري منضبط.
عُيّن قائد سرية مدفع هاون في الكتيبة 14، وكان قائد الكتيبة ضابطًا مصريًا.
واجهته في البداية مشكلة أن معلوماته في اختصاص الهاون لم تكن كبيرة، فنصحه أحد الضباط بأن يعتمد على خبرة المساعدين، وكان يكلفهم أحيانًا بإعطاء الدروس المتعلقة بالهاون.
ثم جاء كتاب من إدارة الحرب الكيماوية لترشيح ضابطين لدورة في الحرب الكيماوية.
سأل قائد الكتيبة:
«من يريد؟»
فأعلن محمد رزوق رغبته فورًا.
لم يكن الدافع الوحيد هو الاختصاص الجديد، وإنما كان يريد أيضًا التخلص من قيادة سرية الهاون التي لم يكن مرتاحًا فيها.
وهكذا التحق بدورة الحرب الكيماوية، وكانت مدتها نحو ثلاثة أشهر في إدارة الحرب الكيماوية في دمشق.
6. بداية الاختصاص الجديد
عند انتقاله إلى إدارة الحرب الكيماوية كان مدير الإدارة المقدم أديب طرابزلي.
الذي استقبله بحرارة وصافحه، ثم بقي واقفًا وقال له:
«أهنئك.»
وكان ذلك بسبب ان اللواء فهد الشاعر قد وصفه له وصفًا جميلًا، وقال عنه إنه «رجل وجداني وعسكري مضبوط».
وكان اللواء فهد الشاعر نفسه قد تولى إدارة الكلية العسكرية في حمص عندما كان محمد رزوق طالبًا فيها.
انتقل محمد رزوق إلى الإدارة، وتغير اختصاصه من المشاة والهاون إلى الحرب الكيماوية. وأجرى عدة دورات في الكيمياء العامة والحرب الكيماوية، وبدأ يتخصص في هذا المجال شيئًا فشيئًا.
أُسند إليه مكتب للتدريب، وأصبح يعطي التعليمات والتدريبات المتعلقة بالكيمياء العسكرية.
ثم تقدم في الرتب، من ملازم إلى نقيب، وواصل العمل في اختصاص الحرب الكيماوية حتى ما بعد عام 1966.
ومع كثرة الدورات التي اتبعها، أصبح يفهم الاختصاص بشكل جيد، وأصبح يدرب دورات الأركان، حتى الضباط من رتبة مقدم وما فوق، على موضوعات الحرب الكيماوية.
وكان دوره يتضمن التدريب والإشراف على تجهيز القطع العسكرية، وتدريب الضباط والعسكريين على استخدام الملابس الواقية والتعامل مع المواد الكيميائية.
7. الحرب الكيماوية على الجبهة
أصبح رئيس فرع الكيمياء في اللواء 21، ثم عمل في الفرقة الثالثة.
وفي إحدى المرات أُرسل إلى الجبهة، فقيل له:
«أنت ضابط كيمياء؟»
فأجاب: نعم.
فقيل له:
«إذن درّب كتيبة المدفعية في اللواء على الحرب الكيماوية.»
فأخذ سائقًا وعسكريين، وذهب إلى الكتيبة.
كان التدريب يشمل موضوعات متعددة، منها الغازات الكيميائية والمواد الحارقة والمواد الدخانية.
وكان يشرح للعسكريين، ضمن موضوعات التدريب، أن مادة النابالم لا تطفأ بالماء بالطريقة المعتادة، وإنما تستخدم وسائل مناسبة لإخمادها، ومنها تغطيتها بالتراب.
وفي عام 1967 كان برتبة مقدم، وجاء المقدم أحمد بلدي واستلم منه المهمة.
انتقل محمد رزوق إلى إدارة الحرب الكيماوية، حيث أصبح رئيس فرع التدريب الكيميائي.
وكان من مسؤولياتهم أيضًا تأمين الملابس الواقية وتوزيعها على القطع العسكرية، وتدريب الجنود على استعمالها، بما في ذلك الكمامات والأحذية والملابس الواقية.
8. العراق والبيشمركة
جاءت فترة أُرسل فيها محمد رزوق مع القوات السورية التي شاركت في عمليات في شمال العراق ضد البيشمركة.
ويرجح أن ذلك كان في نهاية الستينيات، وربما حوالي عام 1969 أو بعد ذلك بقليل.
وكان دوره، بحكم اختصاصه، مرتبطًا بالتدريب والتجهيزات الخاصة بالحرب الكيماوية.
9. من الجيش الميداني إلى الخدمة الثابتة
أثناء الحركة التصحيحية كان محمد رزوق في دمشق، ضمن تشكيلات الفرقة التاسعة.
وفي تلك الفترة أصيب بقرحة في الاثني عشر، وأخذ يراجع المشافي، ثم تحولت خدمته فيما بعد إلى خدمات ثابتة، بمعنى خدمة غير ميدانية.
وخلال حرب تشرين عام 1973 كان في الفرقة التاسعة، وكان له دور في مجال اختصاصه.
بعد ذلك طلب نقله إلى حلب.
10. من قيادة موقع حلب إلى نهاية الخدمة
انتقل إلى قيادة موقع حلب، وشارك في دورات إعداد قادة الكتائب في مدرسة المشاة بالمسلمية قرب حلب
كان ينتقل من قيادة السرية إلى قيادة الكتيبة، ويعود كل أسبوع إلى مدرسة المشاة لإعطاء درس في الكيمياء العسكرية.
وبقي بعد ذلك في قيادة موقع حلب إلى أن طلب إنهاء خدمته العسكرية نهاية الثمانينات.
كان عدد الضباط في منطقة حلب قليلًا، وكانت لديه سيارة من نوع 504. ثم جاء ضابط بديل، وكان يريد السيارة.
وصل الأمر بإنهاء خدمته، وانتهت مسيرته العسكرية، وأوصله الضابط البديل إلى كفرنبل.
وهكذا انتهت مسيرته في الجيش.
11. لماذا اختار الجيش؟
ربما كان السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اختار محمد رزوق الجيش؟ليصبح اول ضابط من كفرنبل.
الحقيقة أنه لم يكن يحب الدراسة كثيرًا، ولم يكن طليقًا في الكلام، لكنه عندما أصبح ضابطًا وجد نفسه قادرًا على الوقوف أمام العساكر وإعطائهم الدروس والتعليمات.
اكتشف أنه يستطيع أن يتعلم شيئًا وأن يعلّمه للآخرين.
وكان الضابط في ذلك الوقت يتقاضى نحو 450 ليرة سورية، بينما كان راتب الموظف العادي في حدود 150 ليرة.
لذلك كانت الحياة العسكرية بالنسبة إلى شاب من أمثاله فرصة مهمة.
لكن الأهم من المال كان شعوره بأن الضابط له قيمة ومكانة ومسؤولية.
12. أول سيارة تدخل كفرنبل
من الأشياء التي بقيت مرتبطة باسم محمد رزوق في كفرنبل أنه كان، بحسب روايته، أول من أدخل سيارة إلى البلدة.
كانت السيارة من نوع بيجو 404، ثم أصبحت لديه سيارة 504.
لم تكن المشكلة في حيازة سيارة بقدر ما كانت حالة الطريق السيئة جدا من المعرة الى كفرنبل وكذلك ازقة كفرنبل الضيقة جدا.
عندما دخلت السيارة إلى كفرنبل، جاء الناس ليباركوا له.
قالوا:
«مبروك السيارة.»
فقال لهم:
«لكنها ليست لي، إنها للجيش.»
فأجابوه:
«إذن مبروك مرتين: مبروك السيارة، ومبروك البنزين ببلاش!»
وكانت هذه النكتة تتكرر كلما رأوه بالسيارة.
وفي مرة نفد البنزين منه في منطقة الغاب، فقالوا له:
«ما شاء الله، مبروكة السيارة؟»
فأجاب:
«بنزينها من الجيش.»
فقالوا:
«إذن مبروك مرتين!»
كانت السيارة في ذلك الزمن حدثًا بحد ذاته في كفرنبل.
13. الجيش والناس
خلال خدمته العسكرية تعرف محمد رزوق إلى أشخاص كثيرين، وبقيت له صداقات وعلاقات معهم حتى بعد انتهاء الخدمة.
من بينهم العميد علي بيوش، الذي كانت تربطه به علاقة طيبة، وكان يركب معه أحيانًا في سيارته المرسيدس السوداء.
وكذلك العقيد محمود سطام علي الشيخ، الذي عرفه عندما كان في التدريب الجامعي بحلب.
وكانت له علاقات كثيرة مع أبناء الجيش، وبقيت بعض هذه العلاقات سنوات طويلة.
14. عبد الرحمن معتوق... والكف الآخر
من المواقف التي لا ينساها محمد رزوق أن أحد عناصره، وكان اسمه عبد الرحمن معتوق من إدلب، كان في الجبهة.
وفي إحدى المرات بدأ يطلق النار بالرشاش على طائرة، فنبهه أحدهم إلى عدم فعل ذلك.
فغضب عبد الرحمن وضرب الرجل كفًا.
اعتُقل عبد الرحمن، وصاح بمحمد رزوق:
«دخيلك يا أبو رزوق، بدهم يروحوني!»
كان الرجل من عناصره، فكتب له الأوراق وحوّل القضية إلى إدلب، وكانوا يريدون محاكمته.
وقال لهم:
«حوّلوه إلى إدلب.»
وهكذا انتهت القصة.
وبعد نحو خمسين سنة، تعرّف عبد الرحمن إلى مخلص، ابن العميد محمد، مصادفة في سوق ادلب ثم تعرف إلى محمد رزوق نفسه، وأصبح يزوره مرة في الأسبوع تقريبًا.
15. نجاة من موت محقق
من أصعب المواقف التي مرت بمحمد رزوق في حياته حادثة وقعت برفقة العميد علي بيوش على طريق اللاذقية.
كان في سيارة بيجو 404، وذهبا إلى البحر في اللاذقية للعمل والترفيه، ثم عادا عن طريق جسر الشغور.
كان الطريق مليئًا بالمنعطفات، وفي ذلك اليوم كان المطر شديدًا في الجبل. وبدأ الحصى يتحرك تحت دواليب السيارة، وأصبح الطريق خطرًا جدًاوهم في منحدر
وفجأة ظهرت أمامهما شاحنة ضخمة، قاطرة ومقطورة، قادمة في الاتجاه المعاكس صعودا.
وفي لحظة حرجة جدًا انحرفت السيارة والتقطت بين القاطرة والمقطورة.
كانت لحظة مرعبة.
ولولا الشاحنة القاطرة والمقطورة، لربما انقلبت السيارة وسقطت إلى أسفل الوادي.
وكان محمد رزوق قد أنقذ عبد الرحمن معتوق من مشكلة كبيرة في الجيش، وهنا شعر وكأن الله تعالى رد له معروفًا، وأنقذه من موت محقق.
وكانت تلك من أصعب اللحظات التي عاشها، وما زال يذكرها وكأنها حدثت بالأمس.
16. حادثة أخرى مع علي بيوش
وكانت له حادثة مؤلمة أخرى مع العميد علي بيوش.
اراد محمد رزوق زيارة العميد علي في داره ولما اقترب من الدار نادى بصوت عالي يا ابو عدنان لعدم وجود احراس للابواب في الريف
فالتفت العميد علي بشدة و كان مصادفة
يتواجد على سلم يدهن برندا فسقط وارتطم بالارض.ولكنه تعافى بعد ذلك.
وبقيت هذه الحادثة مؤلمة في ذاكرته.
17. حكاية البطيخ
ومن طرائف حياة محمد رزوق أنه كان يبيع البطيخ أحيانًا وهو صغير.
كان يذهب إلى معرة النعمان، ويحمل البطيخ على دابة مسافة 13 كم ويبيع منه.
وفي إحدى المرات كان معه ست بطيخات فيها بعض العذر، وكان يريد أن يبيعها بسعر رخيص أو يعطيها لأحد.
كان هناك رجل اسمه أسعد طبن صاحب دكان ينزل الفلاحون بضاعتهم عنده، وكان يقول إنه إذا باع شيئًا في محله فعليه عمولة.
وعندما رأى زبونًا يتحدث مع محمد رزوق، سحب البطيخات الست إلى داخل المحل.
وقال لمحمد:
«إذا بعتهم، بدي كمسيون.»
قال له محمد:
«تكرم، خذهم.»
وحدث محمد في نفسه: هل يعقل أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة، حتى على ست بطيخات؟
وكانت تلك من طرائف أيامهم.
18. من علّمه الطريق إلى الجيش؟
أما والده فكان شديدًا جدًا معه.
كانت حياتهم بسيطة، وكان محمد يعمل معه في الزراعة.
كان أبوه من النوع الصارم، وكان محمد يشعر أحيانًا أنه يريد أن يبتعد عنه، ولهذا كان الجيش بالنسبة إليه بابًا إلى حياة جديدة.
كانت تلك طبيعة الحياة والتربية في ذلك الزمن، وربما كان كثير من الأشياء التي تعلمها منه هي التي بقيت معه طوال حياته.
19. الزواج والحياة العائلية
تزوج محمد رزوق عام 1962.وانجب ستة ابناء وبنات.
وفي تلك السنوات كانت الحياة بسيطة، وكان الضابط يعيش حياة مختلفة عن حياة الناس العاديين وأكثر رفاهية، لكنه بقي ابن بيئته وبلدته.
لم ينس كفرنبل، ولم ينس أهله، ولا الناس الذين عرفهم فيها.
20. خمس ليرات من أبيه
ومن الأشياء التي يعتز بها محمد رزوق أنه عندما كان شابًا أخذ خمس ليرات من والده وذهب ليقضي أسبوعًا.
عندما عاد، كانت الليرات الخمس لا تزال معه.
أعادها إلى والده ولم يصرفها.
لم يكن يرى أن المال الذي يعطيه إياه أبوه يجب أن يصرفه لمجرد أنه أعطاه إياه.
وربما كانت تلك تربية قاسية، لكنها علمته الأمانة.
21. من كفرنبل إلى الجيش
بعد سنوات طويلة، لم تكن مسيرة محمد رزوق في الجيش كلها معارك ومواقع ورتب.
كانت فيها أيضًا مواقف صغيرة، وصداقات، وطرائف، وخوف، ونجاة، وأناس ساعدوه وساعدهم.
دخل الجيش شابًا يبحث عن طريقه، وخرج منه وقد أمضى سنوات طويلة في الخدمة، وتدرج في الرتب، وتخصص في الحرب الكيماوية، ودرب الضباط والجنود.
لكن أكثر ما بقي في نفسه هو أنه خرج من كفرنبل، من بيت ريفي بسيط، ومن العمل في الزراعة، ثم أصبح ضابطًا في الجيش السوري.
ولعل أجمل ما بقي من تلك الرحلة أنه عندما عاد إلى كفرنبل بسيارته الأولى، اجتمع الناس حولها وهم يضحكون ويقولون:
«مبروك السيارة.»
فقال:
«ليست لي، إنها للجيش.»
فأجابوه:
«إذن مبروك مرتين... على السيارة وعلى البنزين!»
كانت كفرنبل يومها تعرف الضابط الذي خطا على أثره الكثيرون وتطوعوا في الجيش، وتعرف السيارة قبل أن تعرف أرقامها.
ولم تكن تلك السيارة مجرد وسيلة نقل؛ كانت، في ذاكرة البلدة، علامة على أن واحدًا من أبنائها خرج من أرضها، ودخل عالمًا جديدًا، ثم عاد إليها ضابطًا.
وربما لهذا بقيت حكاية السيارة أطول عمرًا من السيارة نفسها.