في موجبات الاستبعاد من الدعم
علي نصر الله- فينكس:
باستثناء قضية تسويق موسم الحمضيات الذي استحوذ على الاهتمام خلال الأيام القليلة الماضية، فإن مسألة الدعم، والاستبعاد منه، بقيت المسألة الأهم التي شغلت الناس والإعلام، والمسألة التي ملأت الفضاء الافتراضي تعليقات وأحاديث، منها المقبول، ومنها ما لا يجوز طرحه وتداوله بسبب ما ينطوي عليه من إساءة متعمدة ومتعددة الوظائف والأبعاد.
إذا كنا نتحدث اليوم عن صدور قرار وشيك الاعلان، يحدد المستبعدين من الدعم "الخبز، المحروقات، المقننات التموينية"، فإن الأمر لا يستهدف مناقشة القرار بذاته، ولا يذهب إلى التصويب عليه أو التصفيق له، بمقدار ما يستهدف بيان ما لم يأت على بيانه في سياق طرح موجبات صدوره واتخاذه كقرار دائم، أو مؤقت.
كان يمكن الرد على جميع الطروحات، وعلى كل المنتقدين، من بوابة الحديث عن الموجبات، فالمجتمع السوري الذي صمد مع جيشه وقيادته، وقاوم كل أشكال الإرهاب والترهيب والمؤامرات، وانتصر على حملات الاستهداف متفهما ظروف الحرب والعقوبات والحصار، سيتفهم بكل تأكيد موجبات القرار بالاستبعاد من الدعم لو كان تم إعلانها.
الحصار والعقوبات الجائرة الظالمة فرضت حالة صعبة قاسية ومعقدة، معها صار على المؤسسات أن تدير القلة لا الوفرة، بل أن تدير القلة التي لا تتوفر بسهولة، وانما دون توفيرها الكثير من المتاعب والصعوبات التي ترقى إلى مستوى التحديات، هذا ما هو معلوم ومعروف ومفهوم لا ينكره إلا ظالم جاحد متنكر أفضال الدولة وأبويتها التي ما زالت قائمة، وما هي مؤهلة للسقوط كما يتهيأ للبعض لمجرد أنها ذهبت لقرار صعب في إطار التصدي لإدارة القلة من المواد الأساسية، مع قلة في الموارد أيضاً من المعلوم لماذا هي كذلك اليوم قليلة ولا تغطي الاحتياجات.
مع أول كلمة صدرت عن احتمالات الذهاب لاستبعاد شرائح اجتماعية من الدعم، برزت مقولات متعددة تتحدث عن مخالفة دستورية، إذ قيل: الجميع متساوون ولا يجوز استبعاد الميسورين ماديا من الدعم تحت عنوان مساعدة وتمكين غير الميسورين، وراحت الطروحات تتزايد والانتقادات تتكاثر، ومعها استمر تسجيل غياب الحديث بالموجبات، وعدم بيان أن الحالة مؤقتة وليست دائمة، ذلك أنه إذا كان صحيحاً أن يستبعد الميسور ماديا من دعم بعض المواد لانه كذلك، وفقط لآنه كذلك، ففي الأمر خلل لا بد أن ينتج شكلا من أشكال السجال، كأن يقال: هذا الميسور له حق بالدعم كسواه، واذا كان ميسورا ماديا، فإن تكليفه الضريبي اكبر من تكليف الآخرين، ثم إنه يساهم في عمله ونشاطه المصرفي والتجاري والصناعي بدعم اقتصاد الوطن.
المشكلة ليست بالقرار، توقيته، صوابيته من عدمها، إنما هي بعدم بيان موجباته، وبعدم التوضيح من أنه حالة مؤقتة تحاكي الواقع الصعب بتوفير هذه المواد دون سواها، وفي هذا السياق كان يمكن القول: أن الاستبعاد لا ينطوي على ظلم أو تمييز - كما يحلو للبعض أن يقول - بدليل أن المستبعدين من دعم هذه المواد هم غير مستبعدين من أشكال الدعم الأخرى التي توفرها الدولة، التعليم، الاستطباب في مشافي القطاع العام، وسائل النقل الجماعية .. وسواها من القطاعات المدعومة، وبالتالي فالمستبعد من دعم المحروقات والخبز والمقننات التموينية هو غير مستبعد من أشكال الدعم الأخرى هذه.
المشكلة الأخرى التي جعلت من المسألة تأخذ مديات أوسع بالسجال والانتقاد، هي بالاليات التنفيذية، حيث يعتقد الكثيرون أنه بمعالجة هذه القضايا لا يجوز الاستسهال، ومن غير المقبول اختيار الحلول الأسهل، بل الأكثر استدامة، لا يجوز التجريب، بل احكام الحل الذي تكون منظورة فيه كل التفاصيل قبل اعتماده.
بيان الموجبات، تقديم الايضاحات، الرد على الأسئلة المثارة، قد لا تلغي كليا ما هو حاصل لجهة انتقاد قرارات بذاتها، سواء تلك التي تحدد شرائح المستبعدين أو تلك التي تحدد آليات تنفيذها والتحقق من سلامتها، لكن ذلك كان سيخفف منها، وكان سيزيل الكثير من الهواجس ويطفئ العديد من النيران التي ينتظرها البعض ليزيدها اشتعالا.
يعتقد أنه ما زال متاحاً أن تأخذ الموجبات طريقها للبيان، وينبغي أن لا يتم الاستعجال باعتماد آليات تنفيذية غير جيدة وغير محكمة، فمسألة توزيع الخبز ما زالت - بسلسلة القرارات التي اقتضتها - المثال القائم الماثل الحاضر لسوقه كدليل على الارتجالية باتخاذ قرارات تتعلق بأهم مادة على الإطلاق في حياة المجتمع. وربما من أهم ما يجب قوله وتوضيحه هو بيان أن هذه الحالة مؤقتة، ذلك كي لا يبني عليها الآخرون بادعاءات لا مكان لها بالواقع.