بطمّوش" القرية الهاربة من الماضي.. سِحرُ المكان وطيبةُ أهلهِ تطغى على الفَقرِ والبُعد.

 الأهالي يطالبون بتأمين وسيلة نقل للطلاب وفصلهم عن بلدية الدالية لتحسين الواقع الخدمي

رفاه نيوف– خاص– فينكس
بينَ جبالنا السّمراء الشامخة شموخَ أهلها شققنا طريقَنا من "جبلة" مُروراً بقُرى عدّة، وصولاً إلى قريةِ "الدالية"، ومنها على بُعدِ /15/ كيلو متراً حططنا رِحالَنا في قريةِ "بطمّوش" الواقعة في أقصى جرد جبلة الجنوبيّ الشرقيّ، على الحُدودِ الإداريّة لثلاثِ مُحافظاتٍ هيَ حماة وطرطوس و اللاذقية.
وقد تربّعت هذهِ القرية الوادعة على قمّةِ جبلٍ يصلُ ارتفاعُه لأكثرَ من /850/ متراً عن سطحِ البحر، وتبعدُ عن مركز المحافظة "اللاذقية" /80/ كم، تحيطُ بها الجبال التي تزيّنها الأشجار الحراجيّة قليلة الارتفاع، كالبطم والسنديان والصنوبر والغار، والصّخور التي شكّلت لوحةً فنيّة تسحرُ الناظر.بطموش بحيرة
مَن يدخل قرية "بطمّوش" لأولِ مرة يعيدهُ الزمن وشريطُ الذكريات لسنواتٍ خلت من ثمانينيّاتِ أو ربّما سبعينيّاتِ القرن الماضي، من ناحيةِ نمطِ العمارة، وتربيةِ المواشي ورائحتِها التي تعبقُ بالمكان، مع تغيّرٍ طفيفٍ لبعضِ مناحي الحياةِ فيها.
وكانَ لجريدة "فينكس" شرفُ اللقاءِ بأهالي القرية الذينَ قدّموا الغالي والنفيس من أجلِ كرامةِ الوطن الأمّ سورية، وعلى رأسهم مختارُها "محمد صقر يوسف" الذي استقبلَنا بحفاوةٍ وترحيب، وبدأت هنا جولتنا.
تحدّثَ "أبو العبد" المختار كما يُلقّب لِ "فينكس" عن واقعِ الحياةِ في القرية، و"الفقر الأسود" كما أسماه الذي يعيشُ في ظلّهِ أغلبُ السكّان، فهُم يأكلونَ ممّا يزرعون وما يُخبّئونهُ من مؤونةِ الصيف لشتاءٍ قاسٍ وبارد ومُثلج وطويل، فشتاءُ القرية يبدأ فيها من /أيلول/ ويستمرّ حتى أوائل /حزيران/.
عددُ سكّانِ القرية لا يتجاوز الألف نسمة كما صرّحَ لنا، يعتمدونَ في معيشتهم على الزراعة، وأهمّها (التبغ البلدي) ذي الجودة العالية، بالإضافةِ إلى زراعةِ القمح التي لا تتجاوزُ حدَّ الاكتفاءِ الذاتيّ.
وأشارَ "أبو أحمد" وهوَ من سُكّانِ القرية إلى أنَّ موسمَ القمح الماضي لم يكُن جيّداً، بسببِ قلّةِ الأمطار، وارتفاعِ تكاليفِ الإنتاج، لذلكَ عزفَ الكثيرُ منَ المُزارعينَ عن زراعةِ القمح هذا الموسم.
نِسبةُ الموظّفينَ في الدولة قليلة، وهُم معدودونَ على أصابعِ اليد، والقسم الآخر من السكان تطوّعَ بالجيش العربيّ السوريّ، وخلالَ معاركِ الشرف قدّمت القرية /32/ شهيداً، روَوا بدمائهِم الطاهرة تُرابَ سورية الغالي.بطموش مشهد عام
يعتمدُ السكّان بشكلٍ أساس على تربيةِ الماعزِ والدواجن، والقليلِ منَ الأبقار التي تشكّلُ مصدرَ رزقٍ لأغلبِ السكّان.
وأهمُّ ما يميّزُ القرية منازلها التي تعانقُ بعضَها، تلكَ المبنيّة منَ الحِجارةِ البيضاءِ التي مَنّت بها الطّبيعة، وكذلكَ خزّاناتُ تجميعِ المياهِ المَوجودة أمامَ كلِّ منزلٍ وفي الحقول لريِّ أراضيهِم المُتناثرة التي استصلَحوها بأياديهم العارية خلالَ فصلِ الصّيف، وقد استغلّوا الفراغاتِ الموجودة بينَ الصّخورِ الطبيعية المُحاطة منَ الجهات الأربع لتجميعِ مياهِ الأمطارِ والثلوج.
"الكثيرُ منَ الحُبِّ والعِرفان"
يذكرُ أهالي القرية بالكثيرِ من الحُبّ والعِرفان زيارة السيدة الأولى "أسماء الأسد" للقرية خلالَ العام الماضي /2021/، وما قدّمتهُ للقرية لتحسينِ الواقعِ الخدميّ فيها، فبعدَ زيارتها تمَّ وضعُ مخبزِ القرية الآلي بالخدمة، والذي يُنتج يوميّاً /200/ كيلوغرام منَ الخُبز، والقرية حاليّاً لا تشكو من أيّةِ مُشكلةٍ في هذا المجال، بالإضافةِ إلى إقامةِ بُحيرةٍ لتجميعِ المياه بمساحةِ /6/ دونمات وعُمقِ أربعةِ أمتار، وذلكَ لتأمينِ مياهِ الريّ خلالَ فصلِ الصيف، وقد وُضِعت في الخدمة أيضاً، وتعبيدِ عددٍ منَ الطُّرقات الفرعيّة والرئيسة في القرية، وتقديمِ معونةٍ ماديّة للقرية، وكانَ لهذهِ الزيارة كبيرُ الأثرِ على جميعِ سكّانها.برك الماء في بطموش
"صعوبات ومطالب"
من أهمِّ الصّعوبات التي تعاني منها القرية كما ذكرَ المواطن "محمد عباس دبول" غيابٌ كامل لشبكةِ الصرف الصحّي، فما زالتِ القرية تعتمدُ على الجُوَرِ الفنيّة، وتأمينٌ مياهِ الشرب للسكّان بشكلٍ دوريّ ومُنتظم، فالقرية تشربُ من محطّة مياه "بسطوير"، وخلالَ فصلِ الصيف كانَ دورُ المياه يصلُ حتى الشهر ولمدّةِ ساعتين فقط، لذلك نعتمدُ على مياهِ تجميعِ الأمطار للشّرب، إضافةً إلى شراءِ صهاريجِ المياه التي أنهكت جيوبَنا، فسعرُ الصهريجِ الواحد يصلُ لأكثرَ من /50/ ألف ليرة، ما لا قُدرةَ لنا عليه.
كما طالبَ أهلُ القرية بمُتابعةِ خطّةِ شقِّ الطّرق الموضوعة في الخطّة من قِبَلِ مُحافظة "اللاذقية" وتعبيدها، واستكمالِ العملِ في البُحيرة من ناحيةِ تأمينِ (غطّاس وخراطيم ضخّ، وإصلاح مُحرّك الضخّ وباب للبُحيرة).
وأشارَ مُختار القرية إلى أنّهُ تَّ مؤخّراً اكتشافُ سوءِ تنفيذٍ في البحيرة لوجودِ نفوذيّةٍ في مكانٍ ما فيها، ما يؤدّي لضياعَ المياه، وهذا يستدعي الإسراعَ في وضعِ حدٍّ لهذا التسريب، وانكشافِ الخراطيمِ التي هيَ مَطمورةٌ وفقَ التصميم الذي وضعَ لها، وتعرّضها للعواملِ الجويّة الذي يؤدّي إلى تلفِها وانعدامِ الغايةِ الأساسيّةِ منها، وردَّ السكّان هذا إلى سوء التنفيذِ أيضاً.حيوانات في بطموش
وطالب العميد المتقاعد "محمد خليفة" بضرورةِ إعادةِ النظر لفتحِ البئر الارتوازيّة في أعلى القرية التي تمّت دراستها سابقاً، وتبيّنَ وجودَ المياهِ على عُمق /150/ متراً فقط، وزيادةِ مُخصّصات المازوت لكلّ أسرة، فكميّة /50/ ليتراً لا تلبّي الحاجة، وخاصّةً في قريةٍ جبليّةٍ باردة كقريتنا، والتي تعتمد كلّ الأسر فيها حاليّاً على الحطب كمصدرٍ أساس للتدفئة.
"المُطالبة بوجودِ بلديّةٍ للقرية"
وكانَ من أهمّ مطالب أهل القرية ضرورةُ فصلها مع قرية "معرين" عن بلدية "الدالية"، وإحداثِ بلديّةٍ خاصّة بها، بسببِ انعدامِ الخدمات المُقدَّمة من قِبَل البلديّة، وكانَ قد تقدّمَ أهالي القريتين بطلبٍ إلى المحافظة في هذا الشأن، وتأمينِ وسائلِ نقلٍ خاصّة بالطلّاب الذين يضطرّونَ لقطعِ مسافة /15/ كيلو متراً يوميّاً للوصولِ إلى "ثانوية الدالية"، ومعَ وجودِ أكثرَ من طالبٍ في الأسرة قد تحتاج ل/2000/ ليرة لكلّ طالبٍ منهم ذهاباً وإياباً، وهذا مُرهِق جدّاً لأُسَرٍ فقيرة لا يوجدُ لديها مصدرُ دخل.
/400/ مليون لشقّ الطُّرقات"
حملت "فينكس" هُمومَ ومطالبَ أهالي القرية، وتوجّهت لرئيسِ بلدية الدالية "فواز عون" الذي أفادَ أنَّ بلدية "الدالية" تتبع لها ستّ قرى، بالإضافة لقرية "الدالية"، ومنها قرية "بطمّوش"، وقد بلغت الخطّة الاستثمارية لبلديّة الدالية العام الماضي /10/ مليون ليرة، صُرِفَت على مشاريع الطّرق، إضافةً لمعونة بلغت قيمتها /9/ مليون ليرة صُرِفَت لمشاريعِ الصرف الصحّي، وهذهِ إمكاناتٌ ضعيفة جدّاً لا تلبّي الاحتياجات لقطاعٍ كبير وفقير، لذلك نعمل ضمن الإمكانات المُتاحة ومُعالجة الأمور الطارئة. ووفقَ قانون البلديّات يتمُّ الاعتماد على الموارد الذاتيّة، والتي هيَ ضعيفة جداً في قطّاعنا، معَ العلم أنّهُ لم تتمّ جباية أيّ مبلغٍ من أهالي قرية "بطمّوش"، فهيَ قرية فقيرة.
وبيّنَ "عون" لِ "فينكس" أنَّ قرية "بطمّوش" غير مظلومة فيما يخصّ مشاريع الطُّرق، فخلالَ السنوات الثلاث الماضية تمَّ صرف مبلغ /400/ مليون ليرة على تعبيدِ طرق فرعيّة لأُسَر الشّهداء والجرحى، ورصفِ طريق (بطمّوش – الغاب). وعن واقعِ مياهِ الشُّرب أشارَ "عون" إلى المُعاناة الكبيرة من الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، ومياه "بطمّوش" تمرّ من السنّ حتى تصل إليها ب /9/ مراحل ضخّ، وهذا يحتاج للكهرباء، \ما انعكسَ سلباً على واقعِ المياه ، ولكن خلال الصيف الماضي وبتكليفٍ من السيّد مُحافظ اللاذقية تمَّ إرسال صهاريج مياه، وحصلَ كلّ منزلٍ على مترٍ مكعّب من المياه\.
أما الصرف الصحّي، فهذا المشروع يحتاج لمصبّ في نهاية التمديد، والمشروع كانَ مدروساً منذُ سنوات وبكلفة /5/ ملايين ليرة ، ولكنّهُ توقّفَ بسببِ رفض الأهالي التنازل عن أراضٍ لهُم لإقامةِ مصبٍّ في نهايةِ المشروع.
وعن النقل قال "عون": "كنّا قد اقترحنا على الأهالي شراءَ سرفيسٍ من المعونات التي قُدّمت للقرية ليخدّمها، ولكنّهم رفضوا، وتمَّ توزيعُ المعونة على الأهالي، وهذا ما عملنا عليه في قرية "الدالية"، حيثُ خصّصنا المعونة لشراءِ سرفيس لصالح البلديّة يخدّم جميع السكّان، لذلك استمرّت مُعاناة سكّان "بطمّوش"، وهُنا يأتي دور المجتمع المحلّي والأيادي البيضاء لإقامةَ مشاريعَ خدمية تنمويّة ، وحاليّاً يوجد سرفيس يُقلّ المُعلّمين من "جبلة" إلى القرية، وهذا ما يُمكننا فعلُه، فتوطينُ التعليم مُشكلة كبيرة بسبب بُعد المسافات.
وأشارَ أخيراً إلى أنَّ البلدية تعمل على توزيعِ المِنَح لدى ورودِها إلى البلديّة وفقَ عدد السكّان، لتأخذَ كلّ قرية حقّها.
أخيراً: قريةُ "بطمّوش" تحتاجُ لحلّ مُشكلة النقل بشكلٍ جذريّ، هذهِ المُشكلة التي يُعاني منها جميعُ سكّان القرية، وخاصّةً الطلاب والموظّفون، وحفر البئر الارتوازيّة المدروسة لتأمينِ مياهِ الشرب للسكّان، والإسراعِ في وقفِ تسرّب مياه البحيرة.
 
"بطمّوش".. هذهِ القرية الجميلة القديمة تستحقّ أن تقدَّمَ لها كافّةُ الخدمات التي تليقُ بها و بأهلها الكرام وتضحياتهم.