هيئة مخابر سوريا نموذج لمستقبل غائم
كتب الدكتور أحمد الدرزي- فينكس:
كان للقرار الذي صدر عن وزير الصحة السوري، بحل هيئة المخابر في سوريا، منذ عام ونصف تقريباً، بمثابة الصدمة التي لم نستيقظ منها بعد، وخاصةً في ظل غياب مبررات الحل، التي صدرت من دون مقدمات أو مؤشرات ممهدة لذلك، فمن هي هذه الهيئة.
كانت الأحلام تملؤني، بعد أن التحقت بكلية الطب في جامعة حلب عام 1981، ومثلي مثل بقية الأصدقاء الذين التقينا، ونحن نمثل النسيج السوري المتنوع الجميل، ولم تكن أغلبية أحلامنا إلا بتحقيق الاختصاصات الكبيرة، التي تحقق حضوراً إعلامياً واجتماعياً ومالياً، وعندما كنا نجتمع مع بعضنا البعض، نتداول هذه الأمنيات، ولم يكن يخطر ببال أي منا، بأن يكون مختصاً بالتشخيص المخبري، بل في الجراحة القلبية أو العصبية، أو الأمراض القلبية.
أنهيت الجامعة، وذهبت للعمل في الرقة، ناحية عين عيسى، عام 1988،مؤجلاً الاختصاص لحين تحسن ظروفي، وهذا ما حصل بعد أن عدت إلى حماه، عام 1993 وأدخل قسم الجراحة، على أمل التخصص الفرعي فيما بعد، وبعد شهرين من الإقامة اكتشفت بأن وضعي الاجتماعي والثقافي، لا يتيحان لي الاستمرار بهذا الاختصاص، فذهبت إلى دمشق وحصلت على موافقة الوزير للانتقال من
فرع أعلى إلى فرع أدنى، كما يتوهم البعض.ومن هنا بدأت قصتي مع اكتشاف عالم طبي جديد بالنسبة لي، كان هو الأجمل بالنسبة لي، بعد أن أكتشفت أهميته بتقاطع كل الاختصاصات الطبية معه، وحاجتها له كموثوقية واعتمادية للوصول إلى التشخيص القاطع.
والأجمل كان اكتشافي لكيان جامع لنا، هو "هيئة مخابر التحاليل الطبية في سوريا"، التي سمعت بها للمرة الأولى في حياتي، خاصة بعد ذهابي وزملائي المقيمين في مشفى حماه الوطني، إلى المؤتمر العربي الإفريقي الأول للتشخيص المخبري، في دمشق 1994، لأكتشف هيئة علمية بالدرجة الأولى، وناظمة لعمل المخابر ومراقبتها، وحضر المؤتمر شخصيات علمية من أغلب الدول المتطورة طبياً، ومترافقاً مع معرض طبي لكبريات الشركات العالمية للتجهيزات والكواشف المخبرية.
ولم أتوقف عن متابعة كل المؤتمرات التي تمت أثناء دراستي للاختصاص، وبعد تحصيلي إياه، وكان لنا في الحد الأدنى مؤتمرين داخليين بالحد الأدنى، وخاصةً بالشراكة مع جمعية أطباء الغدد الصم، فكنا نُغني بعضنا البعض بمستجدات العلوم الطبية وتقاطعاتها.
ولم ينحصر إعجابي بها بهذا الجانب، خاصةً بعد حصولي على شهادة التشخيص المخبري، وانتسابي للهيئة بعد أن افتتحت مختبري الخاص في مدينتي الصغيرة آنذاك"مصياف"، لأكتشف مدى اهتمامها بجودة العمل المخبري، فكانت ترسل لي ولبقية المختبرات في كافة أنحاء سوريا عينات مجفدة، لإجراء كل التحاليل التي نقوم بها، ونعيد النتائج بظرف مغلق إلى مركز الهيئة في دمشق، لتقوم بفتحها ونقل نتائج كل المختبرات، لتشكل قاعدة بيانات كبيرة، تحسب من خلالها القيم الحقيقية للعينات، ويعد تقييم نتائج كل مختبر بظرف مغلق وسري، وفيه تبيان لمدى انحراف النتائج عن القيمة الحقيقية، ليكتشف كل مختبر مدى دقة عمله، ويقوم بالبحث عن الخلل في عمله وإصلاحه، إن كان بنوعية الكواشف أو التجهيزات أو الأيدي العاملة، وهذه كانت أكبر خدمة للمخابر والأطباء عامةً، بخضوعها لمعايير ضبط الجودة الخارجية، بالإضافة لضبط الجودة الداخلية.
ولم تتوقف اكتشافاتي للهيئة هنا، وخاصةً أننا نأتي إليها من عالمي الطب والصيدلة والعلوم البيولوجية بشكل أساسي، بل بما أنجزته منذ تأسيسها عام 1974، والتصديق عليها بموجب مرسوم رئاسي عام 1980، فعلى الرغم من كونها هيئة وليست نقابة، فإنها استطاعت الاعتماد على نفسها وبناء كيان له مقرات في كل المحافظات السورية، ونشاطات علمية متنوعة، وضبط العمل المخبري مهنياً، وبالتوافق مع وزارة الصحة بالإشراف على عملها، وتحديد الأجور الموحدة بين المخابر، بالطريقة التي تمنح الأختصاصيين حياةً مضمونة وبأقل الكِلف على المرضى، ومنع المضاربة بين المختبرات، والتي ستكون على حساب جودة العمل المخبري، بالإضافة إلى ميزات التعليم المستمر، والنشرات العلمية الورقية، من خلال المجلة الربعية، التي ترسلها لنا، والموقع الإلكتروني الذي ينشر آخر الأبحاث، وروابط المواقع العالمية المرجعية، وذهبت أبعد من ذلك من خلال الصندوق المشترك، وتغطية أعضائها بالتأمين الطبي، وتعويضات الوفاة.
مع بدء الحرب في سوريا وعليها، بدأ المشهد الداخلي في سوريا بالتغيير، ولم تكن الهيئة بعيدة عن ذلك ولكنها استمرت بالعمل رغم كل الظروف القاسية، التي فرضتها تداعيات الحرب، وبذلت أقصى الجهود للاستمرار بالسياسات العلمية والتنظيمية، ريثما يعود الاستقرار إلى الوطن الذي ظلمه أبناؤه قبل أن يظلمه الآخرون.
وعلى الرغم من التراجع الاقتصادي الكبير فإن سياسات التوافق بين الهيئة والوزارة استمرت، إلى عام 2019، حيث تزايدت الضغوط على الليرة السورية، بسبب مجموعة عوامل، لم يكن قانون قيصر هو المتسبب الوحيد، بل تتوزع فيه المسؤوليات على عوامل داخلية ذاتية، وعوامل موضوعية ذات أبعاد إقليمية ودولية، وهنا حصل الافتراق بين وزارة الصحة وهيئة المخابر، فالوزارة تريد الإبقاء على أجور التحاليل الطبية كما هي، رغم تراجع سعر صرف الليرة بشكل حاد، وهذا الأمر منطقياً لا يمكن أن يتحقق، فليس من المعقول أن تقدم خدمة بأجر أقل بكثير من كلفتها، إلا إذا كان هناك من يعوض ذلك، كما أن استمرار الخدمات يتوقف على استمرار تحقيق هامش من الحياة المقبولة للعاملين فيها، على الرغم من تراجع مستوى الدخل لأغلب المخابر إلى ما يقارب ال 10 % فقط مقارنةً مع ما قبل الحرب.
وبدون أية مقدمات، وبتاريخ 22/10/2020، يصدر قرار من وزارة الصحة، بإلغاء "هيئة مخابر التحاليل الطبية في سوريا"، وتشكيل لجنة مختصة لتصفيتها، لنُصاب بالذهول والحيرة لغياب المبررات الموضوعية لتصفية كيان علمي تنظيمي، يضم المئات من الاختصاصيين في التشخيص المخبري، وأثار الحدث تساؤلات لا تتعلق فقط بمصير الهيئة، بل بالكيفية التي تدار بها أمور الداخل السوري، ونحن بأمس الحاجة للحفاظ على ما تبقى من نخب علمية، بعد الاستنزاف الكبير لها، بدواعي السفر والهجرة، بعد أن ضاقت بهم السُبل، وطرق العيش الكريم، والأكثر مدعاة للذهول كيف يتم إلغاء مرسوم رئاسي موقع من قبل رئيس الجمهورية عام 1980/ برقم 8، بقرار وزاري.
الطريقة التي تم فيها إلغاء هذه الهيئة الحلم بالنسبة لي، لا تقدم بشائر خير قادمة، بل نُذر مستقبل لا يُبلغ غوره واستشرافه، بما يدفعنا نحلم بالعودة إلى زمن لا نرغب به، ولكنه أفضل من الآتي على ما يبدو من مؤشرات.
الطريقة التي جعلت هيئة مخابر سوريا في مهب الريح، رغم الجهود التي بذلت من القائمين عليها، على مدى ما يقارب نصف قرن من الزمان، لا تساهم في ردم الفجوة وتعزيز الثقة، بل تترك تساؤلات سلبية حول قادم الأيام، ويدفع بالمزيد من الاستنزاف، فهل هناك من يستطيع أن يقلب الأحوال، ويمنحنا الرسائل الإيجابية، بعد حرب كارثية، دخلت في عامها الثاني عشر؟